من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وسبعين وستمائة
فيها نزل التتار على البيرة، ونصبوا المجانيق، وكانوا ثلاثين ألف فارس، ونصبوا على القلعة منجنيقا. وكان راميه مسلما، فنصب أهل القلعة عليه منجنيقا ورموا به على مجانيق التتار، فجاء عاليا عليه، فقال رامي التتار: لو قطع الله من يدك ذراعا كان أهل البيرة يستريحون منك لقلّة معرفتك، ففطن إشارته، وقطع من رجل المنجنيق ذراعا ورمى به، فأصاب منجنيق التتار فكسره، وخرج أهل البيرة فقتلوا خلقا ونهبوا وأحرقوا المجانيق.
وفيها توفي سعد الدّين شيخ الشيوخ الخضر بن شيخ الشيوخ تاج الدّين عبد الله بن شيخ الشيوخ أبي الفتح عمر بن علي ابن القدوة الزاهد ابن حمّوية الجويني ثم الدّمشقي.
عمل للمجنديّة مدة، ثم لزم الخانقاه، وله «تاريخ» مفيد، وشعره متوسط. سمع من ابن طبرزد وجماعة، وأجاز له ابن كليب، والكبار.
وتوفي في ذي الحجّة، وقد نيّف على الثمانين.
وفيها موفق الدّين أبو الحسن علي بن أبي غالب بن علي بن غيلان البغدادي الأزجيّ القطيعي الحنبلي الفرضي المعدّل.
ولد في ذي الحجّة سنة ثلاث وستمائة، وسمع من ابن المنّي، وأجاز له غير واحد. وتفقه، وقرأ الفرائض، وشهد عند قاضي القضاة ابن اللّمعاني، وكان من أعيان العدول. وكان خيّرا، كثير التّلاوة. حدّث وأجاز لجماعة، منهم: عبد المؤمن بن عبد الحق.
وتوفي يوم السبت ثالث شوال، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
وفيها عثمان بن موسى بن عبد الله الطّائيّ الإربلي الآمديّ الفقيه الحنبلي إمام الحنابلة بالحرم الشريف تجاه الكعبة.
كان شيخا، جليلا، إماما، عالما، فاضلا، زاهدا، عابدا، ورعا [متدينا] ربّانيّا، متألّها، منعكفا على العبادة والخير والاشتغال بالله تعالى في جميع أوقاته. أقام بمكة نحو خمسين سنة.
ذكره القطب اليونيني وقال: كنت أودّ رؤيته وأتشوق إلى ذلك، فاتفق أني حججت سنة ثلاث وسبعين، وزرته، وتملّيت برؤيته، وحصل لي نصيب وافر من إقباله ودعائه.
وقال الذهبيّ: سمع بمكة من يعقوب الحكّاك، ومحمد بن أبي البركات بن حمد، وروى عنه شيخنا الدّمياطي وابن العطّار في «معجميهما»، وكتب إلينا بمروياته. انتهى.
توفي ضحى يوم الخميس ثاني عشري المحرم بمكّة، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الفتح عثمان بن هبة الله بن عبد الرّحمن بن مكّي بن إسماعيل بن عوف الزّهري العوفي الإسكندراني، آخر أصحاب عبد الرحمن بن موقا وفاة.
وفيها المكين الحصني المحدّث أبو الحسن مكين الدّين بن عبد العظيم بن أبي الحسن بن أحمد المصري.
ولد سنة ستمائة، وسمع الكثير، وقرأ وتعب، وبالغ واجتهد، وما أبقى ممكنا. وكان فاضلا، جيد القراءة، متميزا. توفي في تاسع عشر رجب.
وفيها سعد الدّين أبو الفضل محمد بن مهلهل بن بدران الأنصاريّ. سمع الأرتاحي، والحافظ عبد الغني، وتوفي في ربيع الأول.
وفيها ابن السّاعي أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبيد الله البغدادي السّلامي، خازن كتب المستنصرية.
كان إماما، حافظا، مبرّزا على أقرانه. ذكره ابن ناصر الدّين.
وقال الذهبي: وقد أورد الكازروني في ترجمة ابن السّاعي أسماء
التصانيف التي صنّفها وهي كثيرة جدا، لعلها وقر بعير، منها «مشيخته» بالسماع والإجازة في عشر مجلدات، وقرأ على ابن النّجار «تاريخه الكبير» ببغداد. وقد تكلّم فيه، فالله أعلم، وله أوهام. انتهى قلت: وهو شافعيّ المذهب.
قال ابن شهبة في «طبقاته»: المؤرخ الكبير. كان فقيها، بارعا، قارئا بالسبع، محدّثا، مؤرخا، شاعرا، لطيفا، كريما. له مصنفات كثيرة في التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، منها «تاريخ» في ستة وعشرين مجلدا. انتهى.
وفيها التّاج الصّرخدي محمود بن عابد التّميميّ الحنفي الشّاعر المحسن. كان قانعا، زاهدا، معمّرا. قاله في «العبر».
وفيها ظهير الدّين أبو الثناء محمود بن عبيد الله الزّنجاني الشّافعي المفتي، أحد مشايخ الصوفية.
كان إمام التّقويّة، وغالب نهاره بها. صحب الشيخ شهاب الدّين السّهروردي، وروى عنه، وعن أبي المعالي صاعد، وله تصانيف، منها:
«الرسالة المنقذة من الجمر في إلحاق الأنبذة بالخمر».
وتوفي في رمضان، وله سبع وسبعون سنة.
وفيها تقيّ الدّين مبارك بن حامد بن أبي الفرج الحدّاد. كان من
كبار علماء الشيعة، عارفا بمذهبهم، وله صيت عظيم بالحلّة والكوفة، وعنده دين وأمانة.
وفيها عبد الملك بن العجمي الحلبي. كان فاضلا.
ومن شعره في مليح في عنقه شامة واسمه العزّ:
العزّ بدر ولكن إنّ شامتهمسروقة من دجى صدغيه والغسق
وإنما حبّة القلب التي احترقتفي حبّه علقت للظلم في العنق
وفيها عماد الدّين عبد الرحمن بن أبي الحسن بن يحيى الدّمنهوري كان فقيها شافعيا، فاضلا إماما. تولى إعادة المدرسة الصّالحية بالقاهرة، وصنّف كتابه المشهور في الاعتراض على التنبيه، وقد أساء التعبير في مواضع منه.
ولد بدمنهور الوحش من أعمال الدّيار المصرية في ذي القعدة، سنة ست وستمائة، وتوفي في شهر رمضان. قاله الإسنوي في «طبقاته».
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع