تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وستين وستمائة

فيها تسلّم الملك الظّاهر حصون الإسماعيليّة، وقرّر على زعيمهم نجم الدّين حسن بن الشّعراني أن يحمل كلّ سنة مائة ألف وعشرين ألفا، وولّاه على الإسماعيليّة. قاله في «العبر».

وفيها توفي زين الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الدّائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، مسند الشام وفقيهها ومحدّثها الحنبلي المذهب النّاسخ.

ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وأجاز له خطيب الموصل، وابن الفراوي، وابن شاتيل وخلق، وسمع من يحيى الثّقفي، وابن صدقة، وابن الموازيني، وعبد الرحمن الخرقي، وغيرهم. وانفرد في الدّنيا بالرواية عنهم.

ودخل بغداد، فسمع بها من ابن كليب، وابن المعطوش وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الفتح بن المنّي، وابن سكينة، وغيرهم. وسمع بحرّان من خطيبها الشيخ فخر الدّين بن تيميّة. وعني بالحديث، وتفقه بالشيخ موفق

الدّين، وخرّج لنفسه «مشيخة» وجمع «تاريخا» لنفسه. وكان فاضلا متنبّها.

وولي الخطابة بكفر بطنا بضع عشرة سنة. وكان يكتب بسرعة خطّا حسنا، فكتب ما لا يوصف كثرة، يكتب في اليوم الكرّاسين والثلاثة إلى التسعة.

وكتب «تاريخ دمشق» لابن عساكر مرّتين، «والمغني» للموفق مرّات. وذكر أنه كتب بيده ألفي مجلّدة. وكان حسن الخلق والخلق، متواضعا، ديّنا. حدّث بالكثير بضعا وخمسين سنة، وانتهى إليه علوّ الإسناد. وكانت الرّحلة إليه من أقطار البلاد، وخرّج له ابن الظّاهري «مشيخة» وابن الخبّاز أخرى. وسمع منه الحفّاظ المتقدمون، كالحافظ ضياء الدّين، والزّكي البرزالي، وعمر بن الحاجب، وغيرهم. وروى عنه الأئمة الكبار، والحفّاظ المتقدمون والمتأخرون، منهم: الشيخ محيي الدّين النّووي، والشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وابن دقيق العيد، وابن تيميّة، وخلق، آخرهم: ابن الخبّاز. وتوفي يوم الاثنين سابع رجب، ودفن بسفح قاسيون.

وفيها ضياء الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي ثم المصري ثم الدمشقي الفقيه الشافعي، الإمام الحافظ المتقن المحقّق الضّابط الزّاهد الورع، شيخ النّووي. ذكره فيما ألحقه في «طبقات ابن الصّلاح» فقال: ولم تر عيني في وقته مثله، وكان- ﵁ بارعا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه، لا سيما «الصحيحان» ذا عناية

بالغة، والنحو، والفقه، ومعارف الصّوفية، حسن المذاكرة فيها. وكان عندي من كبار السّالكين في طرائق الحقائق، حسن التعليم، صحبته نحو عشر سنين، فلم أر منه شيئا يكره. وكان من السماحة بمحلّ عال، على قدر وجده. وأما الشّفقة على المسلمين ونصيحتهم فقلّ نظيره فيهما.

توفي بمصر في أوائل سنة ثمان وستين وستمائة. انتهى كلام النّووي.

وفيها أبو دبّوس صاحب المغرب الواثق بالله أبو العلاء إدريس بن عبد الله المؤمني آخر ملوك بني عبد المؤمن. جمع الجيوش، وتوثّب على مرّاكش، وقتل ابن عمّه صاحبها أبا حفص. وكان بطلا، شجاعا، مقداما، مهيبا. خرج عليه زعيم آل مرين يعقوب بن عبد الحق المريني وتمّت بينهما حروب، إلى أن قتل أبو دبّوس بظاهر مرّاكش في المصافّ، واستولى يعقوب على المغرب.

وفيها أحمد بن القاسم بن خليفة الحكيم عرف بابن أبي أصيبعة.

كان عالما بالأدب، والطبّ، والتّاريخ. له مصنفات عدة، منها: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء».

وفيها شيخ الأطباء وكبيرهم علي بن يوسف بن حيدرة [الرّحبي].

اشتغل بالأدب، وفاق أهل زمانه، وكان يقول لأصحابه: بعد قليل يموت عند

قران الكوكبين، ثم يقول: قولوا للناس حتّى يعلموا مقدار علمي في حياتي وعلمي بوقت موتي.

وفيها العلّامة المجيد نجم الدّين عبد الغفّار بن عبد الكريم بن عبد الغفّار القزويني الشّافعي، أحد الأئمة الأعلام وفقهاء الإسلام.

قال اليافعيّ: سلك في «حاويه» مسلكا لم يلحقه أحد ولا قاربه.

قال ابن شهبة: هو صاحب «الحاوي الصغير» و «اللباب» و «العجاب».

قال السّبكي: كان أحد الأئمة الأعلام، له اليد الطّولى في الفقه، والحساب، وحسن الاختصار. وقيل: إنه كان إذا كتب في الليل يضيء له نور يكتب عليه.

توفي في المحرّم سنة خمس وستين وستمائة. انتهى.

وجزم اليافعيّ وابن الأهدل بوفاته في هذه السنة.

وفيها الكرماني الواعظ المعمّر بدر الدّين عمر بن محمد بن أبي سعد التّاجر.

ولد بنيسابور سنة سبعين وخمسمائة، وسمع في الكهولة من القاسم [ابن] الصفّار. وروى الكثير بدمشق وبها توفي في شعبان.

وفيها محيي الدّين قاضي القضاة أبو الفضل يحيى بن قاضي القضاة محيي الدّين أبي المعالي محمد بن قاضي القضاة زكي الدّين أبي

الحسن علي بن قاضي القضاة منتجب الدّين أبي المعالي القرشي الدمشقي الشافعي.

ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة، وروى عن حنبل، وابن طبرزد، وتفقه على الفخر بن عساكر، وولي قضاء دمشق مرّتين فلم تطل أيّامه، وكان صدرا معظّما معرقا في القضاء، له في [ابن] العربي عقيدة تتجاوز الوصف.

وكان شيعيّا يفضّل عليا على عثمان، مع كونه ادعى نسبا إلى عثمان.

وهو القائل:

أدين بما دان الوصيّ ولا أرىسواه وإن كانت أميّة محتدي
للشاعر محيي الدين ابن الزكي، اقرأ القصيدة
ولو شهدت صفّين خيلي لأعذرتوساء بني حرب هنالك مشهدي
للشاعر محيي الدين ابن الزكي، اقرأ القصيدة

وسار إلى خدمة هولاكو فأكرمه وولّاه قضاء الشّام، وخلع عليه خلعة سوداء مذهّبة، فلما تملّك الملك الظّاهر أبعده إلى مصر وألزمه بالمقام بها.

وتوفي بمصر في سابع عشر رجب. قاله في «العبر».

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.