من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس وسبعين وستمائة
فيها توفي الشيخ قطب الدّين أبو المعالي أحمد بن عبد السّلام بن المطهّر ابن أبي سعد بن أبي عصرون التّميمي الشّافعي مدرس الأمينية والعصرونية بدمشق.
ولد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وختم القرآن سنة تسع وتسعين، وأجاز له ابن كليب وطائفة، وسمع من ابن طبرزد، والكندي، وتوفي في جمادى الآخرة بحلب.
وفيها السّيّد الجليل الشيخ أحمد بن علي [بن إبراهيم] بن محمد بن أبي بكر البدويّ الشّريف الحسيب النّسيب.
قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» أصله من بني برّي قبيلة من عرب الشّام. ثم سكن والده المغرب فولد له صاحب الترجمة بفاس، سنة ست وتسعين وخمسمائة، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وقرأ شيئا من فقه الشّافعيّ، وحجّ أبوه به وبإخوته سنة ست وستمائة، وأقاموا بمكّة، ومات أبوه سنة سبع وعشرين وستمائة، ودفن بالمعلّى، وعرف بالبدويّ للزومه
اللّثام، لأنه كان يلبس لثامين ولا يفارقهما، ولم يتزوج قطّ، واشتهر بالعطّاب لكثرة عطب من يؤذيه [ثمّ لزم الصّمت، فكان لا يتكلّم إلّا بإشارة وتولّه، فحصل له جمعية على الحقّ فاستغرق إلى الأبد]. وكان عظيم الفتوة.
قال المتبولي: قال لي رسول الله ﷺ: «ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس أكبر فتوّة منه، ثمّ نفيسة ثم شرف الدّين الكردي ثم المنوفيّ» انتهى. وكان يمكث أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وأكثر أوقاته شاخصا ببصره نحو السماء، وعيناه كالجمرتين، ثم سمع هاتفا يقول ثلاثا: قم واطلب مطلع الشّمس، فإذا وصلته، فاطلب مغربها، وسر إلى طندتا فإن فيها مقامك أيّها الفتى، فسار إلى العراق، فتلقاه العارفان الكيلاني، والرّفاعي- أي بروحانيتهما- فقالا: يا أحمد! مفاتيح العراق، والهند، واليمن والشرق والغرب بيدنا فاختر أيّها شئت. فقال: لا آخذ
المفاتيح إلّا من الفتّاح. ثم رحل إلى مصر، فتلقاه الظّاهر بيبرس بعسكره، وأكرمه، وعظّمه، ودخلها سنة أربع وثلاثين، وكان من القوم الذين تشقى بهم البلاد وتسعد، وإذا قربوا من مكان هرب منه الشيطان وأبعد، وإذا باشروا المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد، فأقام بطندتا على سطح دار لا يفارقه ليلا ولا نهارا اثنتي عشرة سنة، وإذا عرض له الحال صاح صياحا عظيما، وتبعه جمع، منهم: عبد العال، وعبد المجيد، وكان عبد العال يأتيه بالرّجل أو الطّفل فينظر إليه نظرة واحدة فيملؤه مددا، ويقول لعبد العال: اذهب به إلى بلد كذا أو محلّ كذا، فلا تمكن مخالفته.
ولما دخل طندتا كان بها جمع من الأولياء، فمنهم من خرج منها هيبة له، كالشيخ حسن الإخنائي، فسكن إخنا حتّى مات، وضريحه بها ظاهر يزار.
ومنهم من مكث كالشيخ سالم المغربي. وسالم الشيخ البدويّ، فأقرّه على حاله، حتّى مات بطندتا، وقبره بها مشهور.
ومنهم من أنكر عليه كصاحب الأيدوان العظيم بطندتا المسمى بوجه القمر. كان وليا كبيرا فندر به الحسد، فسلبه، ومحلّه الآن بطندتا مأوى الكلاب، وليس فيه رائحة صلاح ولا مدد.
وكان الشيخ إذا لبس ثوبا أو عمامة لا يخلعها لغسل ولا غيره حتّى تبلى فتبدل، وكان لا يكشف اللّثام عن وجهه. فقال له عبد المجيد: أرني وجهك. قال: كلّ نظرة برجل. قال: أرنيه ولو متّ، فكشفه فمات حالا.
وله كرامات شهيرة، منها قصة المرأة التي أسر ولدها الفرنج فلاذت به، فأحضره في قيوده.
ومنها أنه اجتمع به ابن دقيق العيد، فقال له: إنك لا تصلي وما هذا [من] سنن الصّالحين! فقال: اسكت وإلّا أغبّر دقيقك، ودفعه فإذا هو بجزيرة عظيمة جدا، فضاق خاطره حتّى كاد يهلك، فرأى الخضر، فقال: لا بأس عليك، إن مثل البدويّ لا يعترض عليه، لكن اذهب إلى هذه القبّة وقف ببابها، فإنه يأتي عند دخول وقت العصر ليصلي بالناس، فتعلّق بأذياله، لعله أن يعفو عنك، ففعل فدفعه، فإذا هو بباب بيته. ومات- ﵁ في هذه السنة، ودفن بطندتا، وجعلوا على قبره مقاما، واشتهرت كراماته، وكثرت النّذور إليه. واستخلف الشيخ عبد العال، فعمّر طويلا، إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، واشتهرت أصحابه بالسّطوحية. وحدث لهم بعد مدة عمل المولد، وصار يقصد من بلاد بعيدة، وقام بعض العلماء والأمراء بإبطاله فلم يتهيأ لهم ذلك، إلّا في سنة واحدة، وأنكر عليه ابن اللّبان ووقع فيه، فسلب القرآن والعلم، فصار يستغيث بالأولياء حتّى أغاثه ياقوت العرشي، وشفع فيه. انتهى كلام الشيخ عبد الرؤوف المناوي باختصار.
وفيها الشيخ الزّاهد جندل بن محمد العجمي.
قال القطب اليونيني في «ذيله على مختصر المرأة» له: الشيخ الصّالح العارف. كان زاهدا، عابدا، منقطعا، صاحب كرامات وأحوال ظاهرة وباطنة، وله جدّ واجتهاد، ومعرفة بطريق القوم. انتهى.
وكان الشيخ تاج الدّين عبد الرحمن بن الفركاح الفزاري يتردد إليه في كثير من الأوقات، وله به اختصاص.
قال ولده الشيخ برهان الدّين: كنت أروح مع والدي إلى زيارته بمنين، ورأيته يجلس بين يديه في جمع كثير ويستغرق في وقته في الكلام مغربا لا يفهمه أحد من الحاضرين بألفاظ غريبة.
وقال الشيخ تاج الدّين المذكور: الشيخ جندل من أهل الطريق وعلماء التحقيق، اجتمعت به في سنة إحدى وستين وستمائة، فأخبرني أنه بلغ من العمر خمسا وتسعين سنة، وكان يقول: طريق القوم واحد، وإنما يثبت عليه ذوو العقول الثابتة. وقال: المولّه منفيّ ويعتقد أنه واصل، ولو علم أنه منفيّ لرجع عما هو عليه.
وقال: ما تقرّب أحد إلى الله ﷿ بمثل الذّل والتّضرّع والانكسار.
وقال ابن كثير: كانت له عبادة وزهادة وأعمال صالحة. وكان الناس يتردّدون إلى زيارته.
وزاره الملك الظّاهر بيبرس مرّات، وكذلك الأمراء بمنين.
وكان يقول: السماع وظيفة أهل البطالة.
توفي في رمضان، ودفن بزاويته المشهورة بقرية منين، ومات وله من العمر مائة وتسع سنين، ﵀.
وفيها ابن الفويرة بدر الدّين محمد بن عبد الرحمن بن محمد
السّلمي الدمشقي الحنفي. أحد الأذكياء الموصوفين. درّس وأفتى، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، ونظم الشعر الفائق الرائق.
منه قوله:
عاينت حبّة خالهفي روضة من جلّنار
فغدا فؤادي طائرافاصطاده شرك العذار
وله في أصيل الذّهبيات:
ورياض كلما انعطفتنثرت أوراقها ذهبا
تحسب الأغصان حين شدافوقها القمريّ وانتحبا
ذكرت عصر الشباب وقدلبست أثوابه قشبا
فانثنت في الدّوح راقصةورمت أثوابها طربا
توفي- ﵀ في جمادى الأولى قبل الكهولة.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن منصور الحرّاني الفقيه الحنبلي الأصوليّ المناظر.
ولد بحرّان في حدود العشر والستمائة، وتفقّه بها على الشيخ مجد الدّين بن تيميّة، ولازمه حتّى برع. وقرأ الأصول والخلاف على القاضي نجم الدّين ابن المقدسي الشّافعي. وسافر إلى الدّيار المصرية، وأقام بها مدة يحضر درس الشيخ عز الدّين بن عبد السّلام. وولي القضاء ببعض البلاد
المصرية، وهو أول حنبليّ حكم بالدّيار المصرية، ثم ترك ذلك ورجع إلى دمشق وأقام بها مدة سنين إلى حين وفاته، يدرّس الفقه بحلقة له بالجامع، ويكتب على الفتاوى. وباشر الإمامة بمحراب الحنابلة من جامع دمشق.
قال القطب اليونيني: كان فقيها إماما، عالما، عارفا بعلم الأصول والخلاف وحسن العبارة، طويل النّفس في البحث، كثير التحقيق، غزير الدّمعة، رقيق القلب، وافر الدّيانة، كثير العبادة، حسن النّظم.
منه قوله:
طار قلبي يوم ساروا فرقاوسواء فاض دمعي أو رقا
صار في سقمي من بعدهمكلّ من في الحيّ داوى أو رقى
بعدهم لا ظلّ وادي المنحنىوكذا بان الحمى لا أورقا
وابتلي بالفالج قبل موته بأربعة أشهر، وبطل شقّه الأيسر، وثقل لسانه.
وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين، لست خلون من جمادى الأولى، ودفن بمقابر باب الصّغير، ونيّف على الستين.
[وفيها صاحب تونس أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي - بالكسر والسكون وفوقيتين بينهما ألف، نسبة إلى هنتاتة قبيلة من البربر بالغرب- كان ملكا، سائسا، عالي الهمّة، شديد البأس، جوادا، ممدّحا، تزفّ إليه كلّ ليلة جارية. تملّك تونس سنة سبع وأربعين بعد أبيه، ثم قتل عمّيه، وقتل جماعة من الخوارج، وتوطد له الملك.
وتوفي في آخر العام، عن نيف وخمسين سنة].
وفيها الشّهاب التّلّعفريّ- بفتح أوله واللّام المشددة والفاء، وسكون المهملة وراء، نسبة إلى التلّ الأعفر موضع بنواحي الموصل- صاحب «الديوان» المشهور. شهاب الدّين محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة الشّيبانيّ الأديب الشاعر المفلق. مدح الملوك والكبراء، وسار شعره في الآفاق.
فمنه:
حظّ قلبي في هواك الولهوعذولي فيك مالي وله
باسم عن برد منتظملم يفز إلّا فتى قبّله
جائر الألحاظ يثني قامةقدّه المائل ما أعدله
ومنها:
كم أداري فيك لوّامي ومنيعدل المشتاق ما أجهله
توفي في شوال عن اثنتين وثمانين سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع