من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وثمانين وستمائة
فيها وصلت رسل أحمد بن هولاكو بأنه استقرّ في المملكة إلى بغداد عوض أخيه، وأمر ببناء المساجد والجوامع وإقامة الشّرع الشّريف على ما كان في زمن الخلفاء، ووصلت رسله إلى الشام وإلى مصر. وكان منهم الشيخ قطب الدّين الشّيرازي.
وفيها كان بدمشق الحريق العظيم الذي لم يسمع بمثله، أقامت النّار ثلاثة أيام ليلا ونهارا. وكان مبدؤه من الذّهبيين. وذهب للنّاس شيء كثير، ولكن لم يحترق فيه أحد من الناس. ومن جملة ما ذهب فيه للشيخ شمس الدّين الكتبي، عرف بالفاشوشة خمسة عشر ألف مجلد.
وحكى السيد جمال الدّين بن السّراج البصرويّ، قال: بتنا في الجامع، وإذا الهواء ألقى ورقة من الحريق، مكتوب فيها:
سلم الأمر راضياجفّ بالكائن القلم
ليس في الرّزق حيلةإنّما الرّزق في القسم
جلّ من يرزق الضّعيف وهو لحم على وضم
إنّ للخلق خالقالا مردّ لما حكم
وفيها توفي الأمين الأشتري الإمام أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الجبّار ابن طلحة بن عمر بن الأشتري الشّافعي الحلبي ثم الدّمشقي.
ولد في شوال سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع من أبي محمد بن علوان، والقزويني، وابن روزبه وخلق، وكان بصيرا بالمذهب، ورعا، صالحا. جمع بين العلم والعمل، والإنابة، والديانة التّامة، بحيث إن الشيخ محيي الدّين النّووي كان إذا جاءه شابّ يقرأ عليه، يرشده القراءة على المذكور، لعلمه بدينه وعفّته.
قال المزّيّ: كان ممن يظنّ به أنه لا يحسن أن يعصي الله تعالى.
وقال الذهبي: كان بارز العدالة، كبير القدر، مقبلا على شأنه، سرد الصّوم أربعين سنة. توفي فجأة بدمشق في ربيع الأول.
وفيها ابن خلّكان، قاضي القضاة، شمس الدّين أبو العبّاس، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان البرمكيّ الإربليّ الشّافعيّ.
ولد بإربل سنة ثمان وستمائة، وسمع «البخاري» من ابن مكرم، وأجاز
له المؤيّد الطّوسي وجماعة، وتفقه بالموصل على كمال الدّين بن يونس، وبالشّام على ابن شدّاد، ولقي كبار العلماء، وبرع في الفضائل والآداب، وسكن مصر مدّة، وناب في القضاء، ثم ولي قضاء الشام عشر سنين، وعزل بابن الصّايغ سنة تسع وستين، فأقام سبع سنين معزولا بمصر، ثم ردّ إلى قضاء الشام، ثم عزل ثانيا في أول سنة ثمانين، واستمر معزولا وبيده الأمينية والنّجيبية.
قال الشيخ تاج الدّين الفزاري في «تاريخه»: كان قد جمع حسن الصّورة، وفصاحة المنطق، وغزارة الفضل، وثبات الجأش، ونزاهة النّفس.
وقال الذّهبيّ: كان إماما، فاضلا، متقنا، عارفا بالمذهب، حسن الفتاوى، جيد القريحة، بصيرا بالعربية، علّامة في الأدب، والشعر، وأيّام الناس، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة، وافر الحرمة، من سروات النّاس، كريما، جوادا، ممدّحا. وقد جمع كتابا نفيسا في وفيات الأعيان. انتهى.
ولله درّ القائل:
ما زلت تلهج بالأموات تكتبهاحتّى رأيتك في الأموات مكتوبا
ومن محاسنه أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحدا عنده بغيبة.
حكي أنه جاءه إنسان فحدّثه في أذنه، أن عدلين في مكان يشربان الخمر، فقام من مجلسه ودعا برجل، وقال: اذهب إلى مكان كذا، وأمر من فيه بإصلاح أمرهما وإزالة ما عندهما، ثم عاد فجلس مكانه إلى أن علم أن نقيبه قد حضر، فدعا بذلك الرجل، وقال: أنا أبعث معك النّقيب فإن كنت
صادقا ضربتهما الحدّ، وإن كنت كاذبا أشهرتك وقطعت لسانك، وجهّز النّقيب معه، فلم يجدوا غير صاحب البيت وليس عنده شيء من ذلك، فأحضر الدّرّة وهدّده، فشفع النّقيب فيه، فقبل شفاعته، ثم أحضر له مصحفا وحلّفه أن لا يعود يقذف عرض مسلم.
وله النظم الفائق، فمنه قوله:
يا سادتي إنّي قنعت وحقّكمفي حبّكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطّفاوقصدتم هجري وفرط تجنّبي
لا تحرموا عيني القريحة أن ترىيوم الخميس جمالكم في الموكب
قسما بوجدي في الهوى وتحرّقيوتحيّري وتلهّفي وتلهّبي
لو قلت لي جد لي بروحك لم أقففيما أمرت وإن شككت فجرّب
وحياة وجهك وهو بدر طالعوبياض غرّتك التي كالغيهب
وبقامة لك كالقضيب ركبت منأخطارها في الحبّ أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذّ ليخلع العذار ولجّ فيك مؤنّبي
لكن خشيت بأن تقول عواذليقد جنّ هذا الشيخ في هذا الصّبي
وله في ملاح يسبحون:
وسرب ظباء في غدير تخالهمبدورا بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبيأما لك عن هذي الصّبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترىفقلت له: دعهم يخوضوا ويلعبوا
وتوفي- رحمه الله تعالى- في رجب، ودفن بالصّالحية.
قال ابن شهبة قال الإسنوي: خلّكان: قرية [من عمل إربل] كذا قال وهو وهم وإنما هو اسم لبعض أجداده. انتهى.
وقال الإسنويّ في «طبقاته»: هو صاحب «التاريخ» المعروف، وهو ولد الشّهاب محمد، بيته كما ترى من أجلّ البيوت، ولكن تلعّب الدّهر بناره ما بين لهيب وخبوت، وتلعّب بتذكاره، ما بين ظهور وخفوت، وقد أوضح هو حاله في «تاريخه» مفرقا. انتهى ملخصا.
وفيها البرهان بن الدّرجي أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى القرشي الدمشقي الحنفي. إمام مدرسة الكشك. روى عن الكندي، وأبي الفتوح البكري، وأجاز له أبو جعفر الصّيدلاني وطائفة، وروى «المعجم الكبير» للطبراني، وتوفي في صفر.
وفيها ابن المليجي مسند القرّاء بالدّيار المصرية فخر الدّين أبو الطّاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي المقرئ المعدّل.
ولد سنة بضع وثمانين وخمسمائة، وقرأ القراءات على أبي الجود، فكان آخر من قرأ عليه وفاة، وسمع الحديث من أبي عبد الله بن البنّا وغيره، وتوفي في رمضان.
وفيها الشيخ عبد الله كتيلة بن أبي بكر الحربي الفقير الصّوفي، بقية شيوخ العراق. كان صاحب أحوال وكرامات، وله أتباع وأصحاب.
تفقه، وسمع الحديث، وصحب الشيوخ، ومات في عشر الثمانين وكان حنبليّا.
قال ابن رجب: ولد سنة خمس وستمائة، وسمع الحديث بدمشق من الحافظ الضّياء المقدسي، وسليمان الأسعردي، وأجاز له الشيخ موفق الدّين، وتفقه في المذهب ببغداد على القاضي أبي صالح، وبحرّان على مجد الدّين بن تيمية، وابن تميم صاحب «المختصر»، وبدمشق على
الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر وغيره، وبمصر على أبي عبد الله بن حمدان، ونقل عنهم فوائد، وشرح «كتاب الخرقي» وسمّاه «المهمّ». وله تصانيف أخر، منها مجلد في أصول الدّين، سماه «العدّة للشدّة» ومصنّف في السّماع، وحدّث، وسمع منه عبد الرزاق بن الفوطي وغيره، وكان قدوة، زاهدا، عابدا، ذا أحوال وكرامات.
وقال الذهبي: كان مع جلالته، يترنّم ويغني لنفسه في بعض الأوقات.
وكان فيه كيس وظرف وبشاشة. توفي- ﵀ يوم الجمعة منتصف رمضان ببغداد.
وفيها جلال الدّين أبو محمد عبد الجبّار بن عبد الخالق بن محمد بن نصر الزّاهد الفقيه الحنبلي المفسّر الأصوليّ الواعظ.
ولد سنة تسع عشر وستمائة ببغداد، وسمع من ابن المنيّ وغيره، واشتغل بالفقه، والأصول، والتفسير، والوعظ، والطبّ، وبرع في ذلك. وله النّظم والنّثر، والتصانيف الكثيرة، منها «تفسير القرآن» في ثمان مجلدات، ولم يزل على ذلك إلى واقعة بغداد، فأسر، واشتراه بدر الدّين صاحب الموصل، فحمله إلى الموصل فوعظ بها، ثم حدّره إلى بغداد، فاستمر بها صدرا إلى أن توفي في يوم الاثنين سابع عشري شعبان، وكان له يوم مشهود.
وفيها الشيخ زين الدّين الزّواوي الإمام أبو محمد عبد السّلام بن علي بن عمر بن سيّد النّاس المالكي القاضي المقرئ، شيخ المقرئين.
ولد ببجاية سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وقرأ القراءات بالإسكندرية على ابن عيسى، وبدمشق على السّخاوي، وبرع في الفقه، وعلوم القرآن، والزّهد، والإخلاص، وولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصّالح اثنتين وعشرين سنة، وقرأ عليه عدد كثير، وولي القضاء تسعة أعوام، ثم عزل نفسه يوم موت رفيقه القاضي شمس الدّين بن عطاء، واستمر على التدريس والإقراء إلى أن توفي في رجب.
وفيها البرهان المراغي أبو الثّناء محمود بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد العلّامة برهان الدّين الشافعي الأصولي.
ولد سنة خمس وستمائة، وحدّث عن أبي القاسم بن رواحة، وكان مع سعة فضائله وبراعته في العلوم، صالحا، متعبّدا، متعفّفا، عرض عليه القضاء ومشيخة الشيوخ فامتنع، ودرّس مدّة بالفلكية، وأفتى، واشتغل بالجامع مدّة طويلة. وحدّث عنه المزّيّ، والبرزاليّ، وابن العطّار، وجماعة.
وكان شيخا، طوالا، حسن الوجه، مهيبا، متصوفا، لطيف الأخلاق، كريم الشّمائل، مكمّل الأدوات. وكان عليه وعلى الشيخ تاج الدّين مدار الفتوى بدمشق. توفي في ربيع الآخر، ودفن بمقابر الصّوفية.
وفيها أبو المرهف المقداد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن المقداد الإمام نجيب الدّين القيسيّ الشافعي.
ولد سنة ستمائة ببغداد، وسمع بها من ابن الأخضر، وأحمد بن
الدّبيثي، وبمكّة من ابن الحصري، وابن البنّا، وروى الكثير. وكان عدلا، خيّرا، تاجرا. توفي في ثامن شعبان بدمشق.
وفيها منكوتمر أخو أبغا بن هولاكو المغلي طاغية التتار. كان نصرانيا، جرح يوم المصافّ على حمص، وحصل له ألم، وغمّ بالكسرة، فاعتراه فيما قيل صرع متدارك كما اعترى أباه، فهلك في أوائل المحرّم في قرية من جزيرة ابن عمر، وله ثلاثون سنة. وكان شجاعا جريئا مهيبا.
وفيها جمال الدّين أبو إسحاق يوسف بن جامع بن أبي البركات البغدادي القفصي الضرير المقرئ النحوي الحنبلي الفرضي.
ولد سابع رجب سنة ست وستمائة بالقفص من أعمال بغداد. وقرأ القرآن بالروايات على أبي عبد الله محمد بن سالم صاحب البطائحي وغيره، وسمع الحديث من عمر بن عبد العزيز بن النّاقد، وأخته تاج النّساء عجيبة.
وأجاز له ابن منينا وغيره، وبرع في العربية، والقراءات، والفرائض، وغير ذلك. وانتفع الناس به في هذه العلوم، وصنّف فيها التصانيف الحسنة.
قال إبراهيم الجعبري: هو جمّاعة لعلوم القرآن، قرأت عليه كتبا كثيرة في ذلك.
وقال الذهبي: كان مقرئ بغداد، عارفا باللغة، والنّحو، بصيرا بعلل القراءات، متصديا لإقرائها. دخل دمشق، ومصر، وسمع من شيوخهما. جمّ الفضائل لا يتقدمه أحد في زمانه في الإقراء. توفي يوم الجمعة تاسع عشري صفر ببغداد، ودفن بباب حرب.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع