من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبع وثمانين وستمائة
فيها توفي شرف الدّين أبو العبّاس أحمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الفرضي بقية السّلف.
ولد في رابع عشر المحرّم سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع من الشيخ الموفق، وهو جدّه لأمّه وعمّ أبيه، ومن البهاء عبد الرحمن، وابن أبي لقمة، وابن اللّتي، وابن صصرى، وغيرهم. وأجاز له ابن الحرستاني، وجماعة.
وتفقه على التّقي بن العزّ. وكان شيخا، صالحا، زاهدا، عابدا، ذا عفّة وقناعة باليسير، وله معرفة بالفرائض، والجبر، والمقابلة. وله حلقة بالجامع المظفّري بقاسيون يشغل بها احتسابا بغير معلوم. وانتفع به جماعة، وحدّث وروى عنه جماعة، وتوفي ليلة الثلاثاء خامس المحرّم، ودفن من الغد عند جدّه الموفق.
وفيها الشيخ إبراهيم بن معضاد أبو إسحاق الجعبريّ الزّاهد الواعظ المذكّر. روى عن السّخاوي، وسكن القاهرة، وكان لكلامه وقع في
القلوب لصدقه وإخلاصه، وصدعه بالحقّ. وكان شافعيا.
قال السبكيّ في «الطبقات»: الشيخ الصّالح المشهور بالأحوال والمكاشفات. تفقه على مذهب الشّافعي، وسمع الحديث بالشام من أبي الحسن السّخاوي، وقدم القاهرة وحدّث بها، فسمع منه شيخنا أبو حيّان وغيره. وكان يعظ الناس ويتكلم عليهم، ويحصل في مجلسه أحوال سنيّة.
وتحكى عنه كرامات باهرة.
وقال في «البدر السّافر»: اشتهر عنه أنه قبيل وفاته ركب دابة وجاء إلى موضع يدفن فيه، وقال: يا قبير جاءك دبير، ولم يكن به مرض ولا علّة.
فتوفي بعيد ذلك.
وتوفي- ﵀ في الرابع والعشرين من المحرّم وقد جاوز الثمانين، ودفن بتربته بالحسينية.
وفيها الجمال ابن الحموي أبو العبّاس أحمد بن أبي بكر بن سليمان بن علي الدّمشقي. حضر ابن طبرزد، وسمع من الكندي، وابن الحرستاني. افترى على الحاكم ابن الصائغ بشهادة فأسقط لأجلها، ومات بدويرة حمد في ذي الحجّة، وله سبع وثمانون سنة.
وفيها أبو إسحاق اللّوري إبراهيم بن عبد العزيز بن يحيى الرّعيني الأندلسي المالكي.
ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وحجّ، فسمع من ابن رواح وطبقته، وسكن دمشق، وقرأ الفقه، وتقدم في الحديث، مع الزّهد والعبادة والإيثار والصّفات الحميدة، والحرمة والجلالة. وناب في القضاء، ثم ولي مشيخة دار الحديث الظّاهرية، وتوفي في الرابع والعشرين من صفر بالمنيبع.
وفيها سعد الخير بن أبي القاسم عبد الرحمن بن نصر بن علي أبو محمد النّابلسي ثم الدّمشقي الشّاهد. سمع الكثير من ابن البنّ، وزين الأمناء، وطبقتهما. وتوفي في جمادى الآخرة، وله سبعون سنة.
وفيها الأديب الفاضل الحسن بن شاور الكناني. عرف بابن النّقيب، الشّاعر المشهور.
من شعره:
أراد الظّبي أن يحكي التفاتكوجيدك قلت: لا يا ظبي فاتك
وفدّى الغصن قدّك إذ تثنّىوقال: الله يبقي لي حياتك
فيا آس العذار فدتك نفسيوإن لم أقتطف بفمي نباتك
ويا ورد الخدود حمتك منّيعقارب صدغه فأمن جناتك
ويا قلبي ثبتّ على التّجنّيولم يثبت له أحد ثباتك
وله:
يا من أدار بريقه مشمولةوحبابها الثّغر النّقيّ الأشنب
تفّاح خدّك بالعذار ممسّكلكنّه بدم الخدود مخضّب
وله:
وخود دعتني إلى وصلهاوعصر الشّبيبة عنّي ذهب
فقلت مشيبي ما ينطليفقالت: بلى ينطلي بالذّهب
وله:
في النّاس قوم إذا ما أيسروا بطروافأصلح الأمر أن يبقوا مفاليسا
لا تسأل الله إلّا في خمولهمفهم جياد إذا كانوا مناحيسا
وفيها ابن خطيب المزّة شهاب الدّين عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى الموصلي ثم الدمشقي، نزيل القاهرة ومسندها. سمع في الخامسة من حنبل، وابن طبرزد. وكان فاضلا، ديّنا، ثقة. توفي في تاسع رمضان.
وفيها القطب خطيب القدس أبو الذّكاء عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم القرشي الزّهري العوفي النّابلسي. الشّافعي، المفتي المفسّر.
سمع من داود بن ملاعب، وأبي عبد الله بن البناء، وأجاز له أبو الفتح المندائي وطائفة، وتوفي في سابع رمضان، وله أربع وثمانون سنة.
وفيها ابن النّفيس العلّامة علاء الدّين علي ابن أبي الحزم القرشي
الدمشقي الشّافعي، شيخ الطبّ بالدّيار المصرية، وصاحب التصانيف، ومن انتهت إليه معرفة الطبّ، مع الذكاء المفرط، والذّهن الخارق، والمشار إليه في الفقه، والأصول، والحديث، والعربية، والمنطق.
قال الذهبي: ألّف في الطب كتاب «الشّامل» وهو كتاب عظيم تدل فهرسته على أنه يكون ثلاثمائة مجلدة، بيّض منها ثمانين مجلدة. وكانت تصانيفه يمليها من حفظه ولا يحتاج إلى مراجعة لتبحّره في الفنّ.
وقال السّبكي: صنّف شرحا على «التنبيه» وصنّف في أصول الفقه، وفي المنطق. وأما الطبّ فلم يكن على وجه الأرض مثله، قيل: ولا جاء بعد ابن سينا مثله. قالوا: وكان في العلاج أعظم من ابن سينا.
وقال الإسنويّ: إمام وقته في فنّه شرقا وغربا بلا مدافعة، أعجوبة فيه، وصنّف في الفقه وأصوله، وفي العربية، والجدل، والبيان، وانتشرت عنه التلامذة.
وقال في «العبر»: توفي في الحادي والعشرين من ذي القعدة، وقد قارب الثمانين، ووقف أملاكه وكتبه على المارستان المنصوري، ولم يخلّف بعده مثله.
وفيها السيد الشّريف محمد بن نصير بن علي الحسيني. كان فاضلا بارعا.
حكي عن عمر بن الحسن قال: رأيت إبليس في النّوم على كركدن يقوده بأفعى، فقال لي: يا عمر بن الحسن! سلني حاجتك، فدفعت إليه رقعة كانت معي فوقّع فيها:
ألم ير العاصي وأصحابهما فعل الله بأهل القرى
بلى ولكن ليس من سفلةإلّا إذا استعلى أذلّ الورى
فليت أني متّ فيما مضىولم أعش حتّى أرى ما أرى
وكلّ ذي خفض وذي رفعةلا بدّ أن يعلو عليه الثّرى
ثم ضرب كركدنّه ومضى لسبيله.
وروي عن الشّافعي، ﵁، قال: رأيت بالمدينة أربع عجائب، جدّة عمرها إحدى وعشرون سنة ورجلا فلّسه القاضي في مدين من النّوى، وشيخا كبيرا يدور على بيوت القيان يعلّمهنّ الغناء، فإذا حضرت الصّلاة صلّى قاعدا، ورجلا يكتب بالشّمال أسرع مما يكتب باليمين.
وفيها النّجيب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد بن علي الهمذانيّ ثم المصريّ المحدّث أجاز له ابن طبرزد، وعفيفة، والكبار. وسمع من عبد القوي بن الحباب. وقرأ بنفسه على ابن باقا، ثم صار كاتبا في أواخر عمره، ومات في ذي القعدة.
وفيها شرف الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان الأمويّ الإسكندرانيّ. أجاز له أبو الفخر أسعد [بن سعيد] بن روح.
وسمع من علي بن البناء، والحافظ ابن المفضّل وطائفة كثيرة، وعاش اثنتين وثمانين سنة.
وفيها الحاج ياسين المغربي الحجّام الأسود. كان جرائحيا على باب الجابية. وكان صاحب كشف وحال. وكان النّووي- ﵀ يزوره ويتّلمذ له، وتوفي في ربيع الأول وقد قارب الثمانين.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع