تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وثمانين وستمائة

في ربيع الأول نازل السلطان الملك المنصور مدينة طرابلس، ودام الحصار والقتال ورمي المجانيق الكبار، وحفر النّقوب ليلا ونهارا، إلى أن افتتحها بالسّيف في رابع ربيع الآخر، وغنم المسلمون ما لا يوصف، وكان سورها منيعا قليل المثل، وهي من أحسن المدائن وأطيبها، فخرّبها وتركها خاوية على عروشها، ثم أنشؤوا مدينة على ميل من شرقيها، فجاءت رديئة الهواء والمزاج.

وفيها توفي الشيخ العماد أحمد بن العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الصالحي.

ولد سنة ثمان وستمائة، وسمع من أبي القاسم ابن الحرستاني وجماعة، واشتغل وتفقه، ثم تمفقر وتجرّد، وصار له أتباع ومريدون أكلة [سطلة] بطلة. توفي يوم عرفة. قاله في «العبر».

وفيها العلم ابن الصّاحب أبو العباس أحمد بن يوسف بن الصّاحب صفيّ الدّين بن شكر المصري اشتغل، ودرّس، وتميّز، ثم تمفقر وتجرّد،

وأرسل طباعه واشتلق على بني آدم وعاشر الخمّارين، وله أولاد رؤساء، ونوادره مشهورة، وزوائده حلوة. توفي في ربيع الآخر وقد شاخ. قاله في «العبر» أيضا.

ومن شعره في الحشيشة:

في خمار الحشيش معنى مرامييا أهيل العقول والأفهام
حرّموها من غير عقل ونقلوحرام تحريم غير الحرام

وفيها أبو العبّاس أحمد بن أبي محمد بن عبد الرزاق [المغازي].

قال الذهبي: هو أخو شيخنا عيسى المغازي. روى عن موسى بن عبد القادر، والموفق وجماعة، وتوفي في ثاني ذي الحجّة عن ثمان وسبعين سنة. انتهى.

وفيها زينب بنت مكّي بن علي بن كامل الحرّاني الشيخة المعمّرة العابدة، أمّ أحمد. سمعت من حنبل، وابن طبرزد، وستّ الكتبة، وطائفة. وازدحم عليها الطلبة، وعاشت أربعا وتسعين سنة، وتوفيت في شوال.

وفيها الفخر البعلبكّي المفتي أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر الحنبلي الفقيه المحدّث الزاهد.

ولد سنة إحدى عشرة وستمائة ببعلبك، وقرأ القرآن على خاله صدر الدّين عبد الرحيم بن نصر قاضي بعلبك.

وسمع الحديث من أبي المجد القزويني، والبهاء المقدسي، وابن اللّتي، والنّاصح ابن الحنبلي، وخلائق.

وتفقه على تقي الدّين أحمد بن العزّ، وغيره. وحفظ كتاب «علوم الحديث» وعرضه من حفظه على مؤلّفه الحافظ تقي الدّين بن الصّلاح. وقرأ الأصول وشيئا من الخلاف على السّيف الآمدي، وقرأ النّحو على أبي عمرو بن الحاجب وغيره، وصحب الشيخ الفقيه اليونيني، وإبراهيم البطائحي، والنّووي، وغيرهم. وكان اليونيني يحبه ويقدّمه على أولاده.

وتخرّج به جماعة من الفقهاء. وكان دائم البشر، يحب الخمول ويؤثره، ويلازم قيام الليل من الثلث الأخير، ويتلو بين العشاءين، ويصوم الأيام البيض، وستة من شوال، وعشر ذي الحجّة، والمحرّم، ولا يخلّ بذلك. ذكر ذلك ولده الشيخ شمس الدّين، وقال: ولقد أخبر بأشياء فوقعت كما قال لخلائق، ولقد قال لي في صحته وعافيته: أنا أعيش عمر الإمام أحمد، لكن شتّان ما بيني وبينه، فكان كما قال.

وقال ابن اليونيني: كان رجلا، صالحا، زاهدا، عابدا، فاضلا، وهو من أصحاب والدي، اشتغل عليه وقدّمه يصلي به في مسجد الحنابلة. رافقته في طريق مكّة، فرأيته قليل المثل في ديانته، وتعبّده، وحسن أوصافه. وكان من خيار الشيوخ علما، وعملا، وصلاحا، وتواضعا، وسلامة صدر وحسن سمت، وصفاء قلب، وتلاوة قرآن وذكر.

وقال البرزالي: كان من خيار المسلمين، وكبار الصّالحين.

توفي ليلة الأربعاء سابع رجب بدمشق، ودفن بالقرب من قبر الشيخ موفق الدّين.

وفيها الكمال بن النجّار محمد بن أحمد بن علي الدمشقي الشافعي مدرس الدّولعيّة وكيل بيت المال. روى عن ابن أبي لقمة وجماعة، وكان ذا بشر وشهامة. قاله في «العبر».

وفيها شمس الدّين محمد ابن الشيخ العفيف التّلمساني سليمان بن علي الكاتب الأديب. كان ظريفا، لعّابا، معاشرا، وشعره في غاية الحسن، منه:

يا من حكى بقوامهقدّ القضيب إذا التوى
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «ما بين هجرك والنوى»
ماذا أثرت على القلوب من الصّبابة والجوى
للشاعر ابن غزي السنجاري، اقرأ القصيدة
ما أنت عندي والقضيب اللّدنّ في حال سوا
هذاك حرّكه النّسيم وأنت حرّكت الهوى

ومنه:

إنّي لأشكو في الهوىما راح يفعل خدّه
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «دمع تناثر عقده»
ما كان يعرف ما الجفاحتّى تفتّح ورده
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «دمع تناثر عقده»

وله في ذم الحشيشة:

ما في الحشيشة فضل عند آكلهالكنّه غير مصروف إلى رشده
حمراء في عينه خضراء في يدهصفراء في وجهه سوداء في كبده

توفي في رجب وله نحو ثلاثين سنة، ودفن بمقابر الصّوفية.

وفيها بن الكمال المحدّث الإمام شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد [السّعديّ] المقدسي الحنبلي.

ولد في ليلة الخميس حادي عشر ذي الحجّة سنة سبع وستمائة بقاسيون، وحضر على ابن الحرستاني، والكندي، وسمع ابن ملاعب، والشيخ موفق الدّين، وخلقا، ولازم عمّه الحافظ الضّياء، وتخرّج به، وكتب الكثير، وعني بالحديث، وتمّم تصنيف «الأحكام» الذي جمعه عمّه الحافظ ضياء الدّين.

قال الذهبي: كان إماما، فقيها، محدّثا، زاهدا، عابدا، كثير الخير، له قدم راسخ في التّقوى، ووقع في النّفوس. متقللا من الدنيا، من سادات الشيوخ، علما، وعملا، وصلاحا، وعبادة.

حكي لي عنه: أنه كان يحفر مكانا في جبل الصّالحية لبعض شأنه، فوجد جرّة مملوءة دنانير، وكانت زوجته معه تعينه على الحفر، فاسترجع وطمّ المكان كما كان أولا، وقال لزوجته: هذه فتنة، ولعل لها مستحقين لا نعرفهم، وعاهدها على أنها لا تشعر بذلك أحدا، ولا تتعرّض إليه. وكانت صالحة مثله، فتركا ذلك تورّعا مع فقرهما وحاجتهما، وهذا غاية الورع والزّهد، وحدّث- ﵀ بالكثير نحوا من أربعين سنة، وسمع منه خلق كثير، وروى عنه جماعة من الأكابر.

وحدثنا عنه جماعة، منهم: ابن الخبّاز، وابن قيّم الضيائية.

وتوفي بعد العشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء تاسع جمادى الأولى بمدرسة عمّه بالجبل، ودفن من الغد عند الشيخ موفق الدّين.

وفيها شمس الدّين الأصفهاني الأصوليّ المتكلم العلّامة أبو عبد الله محمد بن محمود بن محمد بن عباد العجلي ينتهي نسبه إلى أبي دلف الشّافعي، نزيل مصر وصاحب التصانيف. شرح «المحصول» وله كتاب «الفوائد في العلوم الأربعة» الأصلين، والخلاف، والمنطق. وكتاب «غاية المطلب» في المنطق، وله يد طولى في العربية والشعر.

ولد- ﵀ بأصفهان سنة ست عشرة وستمائة، وكان والده نائب السلطنة بأصفهان، واشتغل بأصفهان في جملة من العلوم في حياة أبيه، بحيث إنه فاق نظراءه، ثم لما استولى العدو على أصفهان. رحل إلى بغداد، فأخذ في الاشتغال في الفقه على الشيخ سراج الدّين الهرقلي، وبالعلوم على الشيخ تاج الدّين الأرموي، ثم ذهب إلى الرّوم إلى الشيخ أثير الدّين الأبهري، فأخذ عنه الجدل والحكمة، ثم دخل القاهرة، وولي قضاء قوص خلافة عن القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعزّ، فباشره مباشرة حسنة. وكان مهيبا، قائما في الحقّ، وقورا في درسه، ودرّس بالشافعي، ومشهد الحسين، وأخذ عنه جماعة وتخرّج به المصريون، وقيل: إن ابن دقيق العيد كان يحضر درسه بقوص.

وتوفى في العشرين من رجب، وله اثنتان وسبعون سنة.

وفيها المهذّب بن أبي الغنائم التّنوخي العدل الكبير زين الدّين، كاتب الحكم بدمشق.

ولد سنة ثمان عشرة وستمائة، وقرأ على السّخاوي، وسمع من مكرم، وتفقه، وانتهت إليه رئاسة الشروط ومعرفة عللها ودقائقها، وتوفي في رجب.

وفيها الملك المنصور محمود بن الملك الصّالح إسماعيل بن العادل أبي بكر بن أيوب سلطنه أبوه بدمشق، وركب في أبّهة السلطنة سنة أربعين وستمائة، ولا زالت تتقلّب به الأحوال إلى أن صار يطلب بالأوراق.

قال ابن مكتوم: رأيته سلطانا ورأيته يستعطي، وكان شيخا مهيبا يلبس قباء وعمامة مدورة.

وفيها الجرائدي تقيّ الدّين يعقوب بن بدران بن منصور المصري، شيخ القراء. أخذ القراءات عن السّخاوي وغيره، وروى عن الزّبيدي وغيره، وتصدّر للإقراء، وتوفي في شعبان.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.