من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وثمانين وستمائة
فيها توفي الوزيري المقرئ المجوّد برهان الدّين إبراهيم بن إسحاق بن المظفّر المصري.
ولد سنة تسع عشرة وستمائة، وقرأ القراءات على أصحاب الشّاطبي، وأبي الجود. وأقرأها بدمشق، وتوفي بين الحرمين في أواخر ذي الحجّة.
وفيها النّسفي العلّامة برهان الدّين محمد بن محمود بن محمد الحنفي المتكلّم، صاحب التصانيف في الخلاف، وتخرّج به خلق، وبقي إلى هذا العام. وكان مولده سنة ستمائة.
وفيها ستّ العرب بنت يحيى بن قايماز أمّ الخير الدمشقية الكندية. سمعت من مولاهم التّاج الكندي، وحضرت على ابن طبرزد «الغيلانيّات». وتوفيت في المحرّم عن خمس وثمانين سنة.
وفيها الرّشيد سعيد بن علي بن سعيد البصروي الحنفي مدرس
الشبليّة. أحد أئمة المذهب. كان ديّنا، ورعا، نحويا، شاعرا. توفي في شعبان وقد قارب الستين.
وفيها الصّائن مقرئ بلاد الرّوم أبو عبد الله محمد البصري المقرئ المجوّد الضّرير. قرأ القراءات بدمشق على المنتجب، وكان بصيرا بمذهب الشّافعي، عدلا، خيّرا، صالحا.
وفيها الزّين عبد الله بن النّاصح عبد الرّحمن بن نجم بن الحنبلي. سمع بالموصل من عبد المحسن بن الخطيب، وببغداد من الدّاهري، وبدمشق من ابن البنّ، وعاش ثمانين سنة، وتوفي في شوال.
وفيها الشّمس المقدسي عبيد الله بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي.
ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة، وسمع من كريمة القرشية وغيرها، وتفقه، وبرع في المذهب، وأفتى ودرّس.
قال اليونيني في «تاريخه»: كان من الفضلاء الصّلحاء الأخيار. سمع الكثير، وكتب بخطّه، وشرع في تأليف كتاب في الحديث مرتّبا على أبواب الفقه، ولو تمّ لكان نافعا. وكان الشيخ شمس الدّين [عبد الرحمن] بن أبي عمر يحبّه كثيرا، ويفضّله على سائر أهله. وكان أهلا لذلك، فلقد كان من حسنات المقادسة، كثير الكرم، والخدمة، والتواضع، والسّعي في قضاء حوائج الإخوان والأصحاب.
توفي يوم الاثنين ثامن عشري شعبان بقرية جمّاعيل من عمل نابلس ودفن بها.
وفيها إسماعيل بن إبراهيم بن علي الفرّاء الصّالحي. كان حنبليا، صالحا، زاهدا، ورعا، ذا كرامات ظاهرة، وأخلاق طاهرة، ومعاملات باطنة.
صحب الشيخ الفقيه اليونيني. وكان يقال: إنه يعرف الاسم الأعظم.
توفي بسفح قاسيون في جمادى الأولى. قاله ابن رجب.
وفيها الإمام نور الدّين أبو طالب عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم بن علي بن عثمان البصري الضّرير الفقيه الحنبلي، نزيل بغداد.
ولد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، سنة أربع وعشرين وستمائة بقرية من قرى البصرة، وحفظ القرآن بالبصرة سنة إحدى وثلاثين على الشيخ حسن بن دويرة، وحفظ «الخرقي» وكفّ بصره سنة أربع وثلاثين. وسمع بالبصرة من ابن دويرة المذكورة، وقدم بغداد وحفظ بها كتاب «الهداية» لأبي الخطّاب. ولازم الاشتغال، وأفتى سنة ثمان وأربعين، وسمع من المجد ابن تيميّة وغيره. وكان بارعا في الفقه، له معرفة بالحديث والتفسير، ولما توفي شيخه ابن دويرة بالبصرة ولي التدريس بمدرسة شيخه، وخلع عليه ببغداد خلعة وألبس الطّرحة السوداء في خلافة المستعصم سنة اثنتين وخمسين.
وذكر ابن السّاعي: أنه لم يلبس الطّرحة أعمى بعد أبي طالب بن الخلّ سوى الشيخ نور الدّين هذا، ثم بعد واقعة بغداد، طلب إليها ليولي تدريس الحنابلة بالمستنصرية فلم يتفق. وتقدم الشيخ جلال الدّين بن عكبر، فرتّب الشيخ نور الدّين مدرسا بالبشرية.
وله تصانيف عديدة، منها كتاب «جامع العلوم في تفسير كتاب الله الحيّ القيّوم» وكتاب «الحاوي» في الفقه في مجلدين، و «الكافي في شرح الخرقي» و «الواضح في شرح الخرقي» أيضا. وغير ذلك. وتفقه عليه جماعة، منهم: صفي الدّين [بن عبد المؤمن] بن عبد الحقّ، وقال عنه:
كان شيخا من العلماء المجتهدين، والفقهاء المنفردين، وكان له فطنة عظيمة ونادرة عجيبة. منها ما حكى محمد بن إبراهيم الخالدي- وكان ملازما للشيخ نور الدّين حتّى زوّجه الشيخ ابنته- قال: عقد مجلس بالمستنصرية مرة للمظالم، وحضره الأعيان، فاتفق جلوس الشيخ إلى جانب بهاء الدّين بن الفخر عيسى، كاتب ديوان الإنشاء، وتكلّم الجماعة، فبرز الشيخ نور الدّين عليهم بالبحث، ورجع إلى قوله، فقال له ابن الفخر عيسى: من أين الشيخ؟ قال: من البصرة. قال: والمذهب؟ قال: حنبليّ. قال:
عجب ! بصريّ، حنبلي؟ فقال الشيخ: هنا أعجب من هذا، كرديّ رافضي، فخجل ابن الفخر.
وكان كرديا رافضيا، والرفض من الأكراد معدوم أو نادر.
توفي الشيخ نور الدّين ليلة السبت ليلة عيد الفطر، ودفن قرب الإمام أحمد.
ومن فوائده أنه اختار أن الماء لا ينجس إلّا بالتغيّر، وإن كان قليلا.
وأن بني هاشم يجوز لهم أخذ الزّكاة إذا منعوا حقّهم من الخمس.
وفيها أبو الحسن حازم بن محمد بن حسين بن حازم النّحوي الأنصاري القرطاجنيّ [صاحب القصيدة الميمية في النّحو، المشهورة.
قال الشّمنّي] في «حاشيته على المغني»: القرطاجني بفتح القاف، وراء ساكنة، وطاء مهملة، فألف، فجيم مفتوحة، فنون، فياء، نسبة من قرطاجنة الأندلس قرطاجنة تونس.
كان إماما، بليغا، ريّان من الأدب. نزل تونس، وامتدح بها المنصور صاحب إفريقية أبا عبد الله محمد بن الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، ومات سنة أربع وثمانين وستمائة. انتهى.
وفيها أبو القاسم علي بن بلبان المحدّث الرحّال علاء الدّين المقدسي النّاصري الكركي مشرف الجامع وإمام مسجد الماشكيّ تحت مئذنة فيروز. ولد سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسمع من ابن اللّتي، والقطيعي، وابن القبيطي، وخلق كثير، بالشام، والعراق، ومصر، وعني بالحديث، وخرّج العوالي، وتوفي في [أول] رمضان.
وفيها المرّاكشي علاء الدّين علي بن محمد بن علي البكري الكاتب. سمع من ابن صباح، وابن الزّبيدي، وولي نظر المارستان، ونظر الدّواوين، وتوفي في جمادى الأولى عن بضع وستين سنة.
وفيها علاء الدّين علي البندقداري، الأمير الكبير، الذي كان مولى الملك الظّاهر. كان أميرا، جليلا، عاقلا. وكان أولا للأمير جمال الدّين بن يغمور، ثم صار للملك الصّالح، فجعله بندقداره. توفي بالقاهرة.
وفيها الأمير شبل الدّولة الطّواشي أبو المسك كافور الصّوابي الصّالحي الصّفوي. خزندار قلعة دمشق. روى عن ابن رواج وجماعة، وكان محبّا للحديث، عاقلا، دينا.
توفي في رمضان، وقد نيّف على الثمانين.
وفيها ابن شدّاد الرئيس المنشئ البليغ عزّ الدّين محمد بن إبراهيم بن علي الأنصاري الحلبي.
ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وهو الذي جمع «السيرة» للملك
الظّاهر، وجمع «تاريخا» لحلب توفي في صفر.
وفيها ابن الأنماطي أبو بكر محمد ابن الحافظ البارع أبي الطّاهر إسماعيل بن عبد الله الأنصاري المصري.
ولد بدمشق سنة تسع وستمائة، وسمع حضورا من الكندي، وأكثر عن [ابن] الحرستاني، وابن ملاعب، وخلق. وتوفي في ذي الحجّة بالقاهرة.
وفيها الأمير ناصر الدّين الحرّاني محمد ابن الافتخار أياز والي دمشق بعد أبيه، ومشدّ الأوقاف. كان من عقلاء الرّجال وألبّائهم، مع الفضيلة والدّيانة والمروءة والكلمة النّافذة في الدولة. استعفى من الولاية فأعفي، ثم أكره على نيابة حمص فلم تطل مدته بها.
وتوفي في شعبان، ونقل إلى دمشق في آخر الكهولة.
وفيها الإخميميّ الزّاهد شرف الدّين محمد بن الحسن بن إسماعيل. نزيل سفح قاسيون. كان صاحب توجّه وتعبّد، وللناس فيه عقيدة عظيمة.
توفي في جمادى الأولى. قاله في «العبر».
وفيها ابن عامر الشيخ أبو عبد الله محمد بن عامر بن أبي بكر الصّالحي المقرئ. صاحب الميعاد المعروف. روى عن ابن ملاعب وجماعة، وكان صالحا، متواضعا، خيّرا، حسن الوعظ، حلو العبارة. توفي في جمادى الآخرة وقد قارب الثمانين.
وفيها الرّومي الشيخ الزّاهد، شرف الدّين محمد ابن الشيخ الكبير عثمان بن علي. صاحب الزّاوية التي بسفح قاسيون. كان عجبا في الكرم، والتواضع، ومحبّة السّماع. توفي في جمادى الأولى، وقد نيّف على التسعين. قاله في «العبر».
وفيها الرّضيّ رضي الدّين الشّاطبي محمد بن علي بن يوسف الأنصاري.
ولد ببلنسية، سنة إحدى وستمائة. وكان إمام عصره في اللّغة، وحدّث عن المقيّر وغيره، وقرأ لورش على محمد بن أحمد بن مسعود الشّاطبي صاحب ابن هذيل، وتصدّر بالقاهرة، وأخذ عنه النّاس، وروى عنه أبو حيّان وغيره، وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الأولى بالقاهرة.
وفيها المجير بن تميم محمد بن يعقوب بن علي الجندي
الحموي الدمشقي الأمير، سبط ابن تميم. استوطن حماة، وكان من العقلاء الفضلاء الكرماء. وشعره في غاية الجودة.
فمنه قوله:
أطالع كلّ ديوان أراهولم أزجر عن التّضمين طيري
أضمّن كلّ بيت نصف بيتفشعري نصفه من شعر غيري
وقال:
عاينت ورد الرّوض يلطم خدّهويقول وهو على البنفسج محنق
لا تقربوه وإن تضوّع نشرهما بينكم فهو العدوّ الأزرق
وقال في توديع مليح:
مولاي قد كثرت ليالي هجرناحتّى عجزت- سلمت لي- عن عدّها
أودع فمي قبل التّودّع قبلةوأنا الكفيل إذا رجعت بردّها
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع