من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وتسعين وستمائة
فيها قتل الملك الأشرف صلاح الدّين خليل بن الملك المنصور سيف الدّين ولي السلطنة بعد والده في ذي القعدة، سنة تسع وثمانين، وفتك به الأمير بيدرا، وذلك أنه جهّز العسكر مع وزيره إلى القاهرة، وتخلّى بنفسه ليخلو مع خاصيته بسبب الصّيد، وترك نائبه الأمير بيدرا تحت الصّناجق، فلما كان وقت العصر وهو جالس بمفرده، قدم الأمير بيدرا وصحبته جماعة من الأمراء، فقتلوا السلطان وحلفوا لبيدرا وسلطنوه. ولقّب بالملك القاهر، وتوجهوا إلى مصر، فلقيهم الخاصكية ومقدّمهم الأمير زين الدّين كتبغا، فحملوا عليهم، فانهزم الأمير بيدرا، فأدركوه وقتلوه ومسكوا باقي الأمراء فقتلوهم، وأقاموا الملك النّاصر وحلفوا له، واستقرّ الشّجاعي وزيرا.
ومسك ابن السّلعوس واستأصلوا أمواله، ومسكوا أقاربه وذويه، وكان قد أحضرهم من الشّام، فحلّت عليهم النّقمة، إلّا رجل واحد لم يحضر من الشام، وكتب إليه شعرا:
تنبّه يا وزير الأرض واعلمبأنّك قد وطئت على الأفاعي
وكن بالله معتصما فإنّيأخاف عليك من نهش الشّجاعي
فكان كما قال. فإنه مات من نهشة الشّجاعي، عاقبه إلى أن مات، ولم يجد لنهشه درياقا، ثم إن الشّجاعيّ عزم على قتل كتبغا، فركب عليه وحصره في القلعة. فقتله بعض مماليك السلطان، ورموا به إلى كتبغا، فسكنت الفتنة، وفرح الناس بموته وطافوا به في البلد، وتزايدت أفراح النّاس لما كان تعمّد من المظالم.
وفيها شمس الدّين أبو العبّاس أحمد بن الخليل بن سعادة المعروف بابن الخويي نسبة إلى خوي- بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو، بعدها ياء تحتية، وهي مدينة من أذربيجان، أعني إقليم تبريز-.
دخل خراسان. وقرأ الأصول على القطب المصري تلميذ الفخر الرّازي. وقرأ علم الجدل على علاء الدّين الطّوسي. وسمع بخراسان والشّام. وكان شافعيا، عالما، نظّارا، خبيرا بعلم الكلام والحكمة والطّبّ، كثير الصّلاة والصّيام. صنّف في الأصول، والنّحو، والعروض. وتولى قضاء الشّام، ومات بها سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن بقاسيون.
وأما ولده شهاب الدّين أحمد قاضي البلاد الشّامية وابن قاضيها، فولد سنة ست وعشرين وستمائة ومات ولده وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأقام
بالعادلية، ولزم الاشتغال حتّى برع، وسمع الحديث، وحدّث، وصنّف كتبا، منها: «شرح الفصول» لابن معطي، ودرّس بالمدرسة الدّماغية، ثم ولي قضاء القدس، ثم انتقل إلى القاهرة في وقعة هولاكو، فتولى بها قضاء القاهرة والوجه البحري، ثم ولي قضاء الشام بعد القاضي شهاب الدّين بن الزّكي، فاجتمع الفضلاء إليه.
وكان عالما بعلوم كثيرة، وصنّف كتابا ضمّنه عشرين علما. وكان له اعتقاد سليم على طريقة السّلف، حسن الأخلاق والهيئة، كبير الوجه، أسمر، فصيح العبارة، مستدير اللّحية، قليل الشّيب، حسن الأخلاق.
توفي ببستان من بساتين دمشق يوم الخميس، الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة ثلاث وتسعين وستمائة. قاله الإسنوي.
وفيها ابن مزير، المحدّث المفيد، تقيّ الدّين إدريس بن محمد التّنوخي الحموي. روى عن ابن رواحة، وصفية بنت الحبقبق، وطبقتهما.
وعني بالحديث، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها إسحاق بن إبراهيم بن سلطان البعلبكي الكتّاني المقرئ.
روى عن البهاء عبد الرحمن، وتوفي بدمشق في ذي القعدة.
وفيها بكتوت العلائي الأمير الكبير بدر الدّين المنصوري. توفي بمصر في جمادى الآخرة.
وفيها الملك الحافظ غياث الدّين محمد بن شاهنشاه بن صاحب
بعلبك الأمجد بهرام شاه بن فرّوخ شاه. روى «صحيح البخاري» عن ابن الزّبيدي، ونسخ الكثير بخطّه، وتوفي في شعبان.
وفيها الدّمياطي شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن أبي عبد الله المقرئ. أخذ القراءات عن السّخاوي، وتصدّر، واحتيج إلى علوّ روايته. وقرأ عليه جماعة، وتوفي في صفر، وله نيّف وسبعون سنة.
وفيها ابن السّلعوس الوزير الكامل مدبّر الممالك شمس الدّين محمد بن عثمان التّنوخي الدمشقي. التّاجر الكاتب. ولي حسبة دمشق فأحسن السّيرة، واستصغرها النّاس عليه، فلم ينشب أن ولي الوزارة، ودخل دمشق في دست عظيم لم يعهد مثله. وكان قبل ذلك يكثر الصّيام والذّكر، فلما تولّى الوزارة تكبّر على النّاس، لا سيما الأمراء، وآذى الذي أوصله إلى السلطان. ومات في تاسع صفر بعد أن أنتن جسده من شدّة الضّرب، وقلع منه اللّحم الميت، نسأل الله العافية.
وفيها ابن التّنبّي فخر الدّين محمد بن محمد بن عقيل الدمشقي الكاتب، صاحب الخطّ المنسوب. روى عن الشيخ الموفق وغيره، وتوفي في جمادى الأولى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع