من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وسبعمائة
فيها قتل بمصر على الزّندقة الذّكي المتفنّن فتح الدّين أحمد بن [محمد] البقصي. ضربت رقبته بين القصرين، وجعل يتشاهد ولم يقبل المالكي توبته. وكان قد قامت عليه بيّنة بالتنقيص للقرآن المجيد والرّسول- ﷺ وتحليل المحرّمات والاستهانة بالعقائد. وكان ذكيا.
ومن شعره:
لحا الله الحشيش وآكليهالقد خبثت كما طاب السّلاف
كما تصبي كذا تضني وتشقيلآكلها وغايتها انحراف
وأصغر دائها والدّاء جمّبغاء أو جنون أو نشاف
وفيها توفي صاحب مكّة عزّ الدّين أبو نمي محمد بن صاحب مكّة أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني، من أبناء السبعين.
قال الذهبي: كان أسمر، ضخما، شجاعا، سائسا، مهيبا. ولي أربعين سنة. قال لي الدّباهي: لولا أنه زيديّ لصلح للخلافة لحسن صفاته. انتهى.
وفيها خديجة بنت الرّضي عبد الرحمن بن محمد، عن أربع وثمانين سنة. روت عن القزويني، والبهاء، وجماعة.
وفيها علاء الدّين علي بن عبد الغني بن الفخر بن تيميّة الشّاهد الحنبلي.
قال الذهبي: حدّثنا عن الموفّق عبد اللّطيف، وابن روزبه، ومات بمصر عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد بن أبي علي [الحسن] بن أبي بكر [الحسن بن علي القبّي بن] المسترشد بالله العبّاسي.
توفي ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، وصلّي عليه العصر بسوق الخيل تحت القلعة، وحضر جنازته الدولة والأعيان كلّهم مشاة، ودفن بقرب
السيدة نفيسة، وهو أوّل من دفن منهم هناك. واستمر مدفنهم إلى الآن. قاله السيوطي.
وقال الذهبي كانت خلافته أربعين عاما، وعهد بالخلافة إلى ابنه المستكفي سليمان.
وقال ابن الأهدل: كانت خلافتهم بمصر تحكّما لا حكما، وترسّما لا رسما.
وفيها مسند الشّام تقي الدّين أحمد بن عبد الرحمن بن مؤمن الصّوري الصّالحي الحنبلي.
روى عن الشيخ الموفّق حضورا، وعن ابن أبي لقمة، والقزويني، والبهاء، وابن صصرى. وخرّجوا له «مشيخة».
توفي في جمادى الآخرة عن أربع وثمانين سنة.
وفيها الشيخ وجيه الدّين محمد بن عثمان بن أسعد بن المنجّى أبو المعالي التّنوخي الحنبلي أخو الشيخ زين الدّين بن المنجّى.
ولد سنة ثلاثين وستمائة. وسمع من جعفر الهمداني، والسّخاوي، وخلق.
وكان شيخا، عالما، فاضلا، كثير المعروف والصّدقات والبرّ والتواضع للفقراء، موسّعا عليهم، موسّعا عليه في الدنيا، له هيبة وسطوة وجلالة.
بنى بدمشق دار قرآن معروفة به قريبة من مدرسة الخاتونية الحنفية الجوانية، ودرّس في أول عمره بالمسمارية والصّدرية، ثم تركهما لولده، فمات في حياته.
وولي نظر الجامع فأحسن فيه السيرة، وحدّث وروى عنه جماعة، وتوفي في شعبان.
وفي شعبان أيضا من هذه السنة توفي ببعلبك الفقيه الحنبلي المقرئ
المحدّث أمين الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الولي بن أبي محمد بن خولان البعلي التّاجر. وكان مولده سنة أربع وأربعين وستمائة. وسمع من الشيخ عبد الرحمن بن أبي عمر، وابن عبد الدائم، وجماعة. وقرأ ونظر في علوم الحديث.
قال الذهبي: سمعت منه ببعلبك، والمدينة، وتبوك. وكان من خيار النّاس وعلمائهم مقرئا، ففيها، محدّثا، متقنا، صالحا، عدلا، ملازما للتحصيل.
وفيها شيخ بعلبك الحافظ شرف الدّين أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني الحنبلي.
ولد ببعلبك في حادي عشر رجب، سنة إحدى وعشرين وستمائة.
قال الذهبي: حدثنا عن البهاء حضورا، وعن ابن صباح، وابن الزّبيدي، وعدّة، ودرّس وأفتى.
وقال البرزالي: كان شيخا، جليلا، حسن الوجه، بهي المنظر، له سمت حسن وعليه سكينة ولديه فضل كثير. فصيح العبارة، حسن الكلام، له قبول من النّاس، وهو كثير التّودد إليهم. قاض للحقوق.
وقال ابن رجب: سمع منه خلق من الحفّاظ والأئمة، وأكثر عنه البرزالي والذهبي.
وتوفي ليلة الخميس حادي عشر رمضان ببعلبك. وكان موته شهادة، فإنه دخل إليه يوم الجمعة خامس رمضان وهو في خزانة الكتب بمسجد الحنابلة شخص فضربه بعصا على رأسه مرّات، وجرحه في رأسه بسكين، فاتّقى بيده، فجرحه
فيها، فأمسك الضّارب وضرب [ضربا عظيما] وحبس فأظهر الاختلال، وحمل الشيخ إلى داره، فأقبل على أصحابه يحدّثهم وينشدهم على عادته، وأتمّ صيام يومه. ثم حصل له بعد ذلك حمّى، واشتد مرضه، حتّى توفي ليلة الخميس المذكور.
وفيها مسند الوقت أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد الأبرقوهي - بفتح الهمزة والموحدة وسكون الراء وضم القاف وبالهاء، نسبة إلى أبرقوه بلدة بأصبهان- حدّث عن الفتح بن عبد السّلام، وابن صرما، وابن أبي لقمة، والفخر بن تيميّة، وتفرّد بأشياء. وكان مقرئا، صالحا، متواضعا، فاضلا.
توفي بمكة في عشري ذي الحجّة.
وفيها مجد الدّين يوسف بن القباقبي، الفاضل الأديب.
من شعره في الثّلج:
طمت الثّلوج على الوهاد مع الرّبىفالكون يعجب منه وهو مفضّض
فانهض لنجمع شمل أنس مقبلبلذاذة فاليوم يوم أبيض
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع