من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وسبعمائة
فيها أغارت العساكر المنصورة على ملطية، ونازلوا تلّ حمدون من بلاد سيس.
وفيها توفي القدوة الزّاهد العلّامة بركة الوقت، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالي بن محمد بن عبد الكريم الرّقّي- بفتح الراء وتشديد القاف، نسبة إلى الرّقّة بلد على الفرات- الحنبلي.
ولد سنة سبع وأربعين وستمائة بالرّقّة. وقرأ ببغداد بالرّوايات العشر على يوسف بن جامع القفصي، وسمع بها الحديث من الشيخ عبد الصّمد بن أبي الحسين، وصحبه.
قال الذهبي: وعني بتفسير القرآن، وبالفقه على مذهب الإمام أحمد، وتقدّم في علم الطّبّ، وشارك في علوم الإسلام. وبرع في التذكير، وله المواعظ المحرّكة إلى الله- ﷿ والنّظم العذب، والعناية بالآثار النّبوية، والتصانيف النّافعة، وحسن التربية، مع الزّهد والقناعة باليسير في المطعم والملبس. وكان إماما، زاهدا، عارفا قدوة، سيّد أهل زمانه. وله التصانيف الكثيرة. وكان ربما خضر السّماع وتواجد.
وقال ابن رجب: سمع منه البرزالي، والذهبي، وغيرهما. وكان يسكن بأهله في أسفل المئذنة الشّرقية بالجامع الأموي في المكان المعروف بالطّواشية، وهناك
توفي ليلة الجمعة خامس عشر المحرّم، وصلّي عليه عقيب الجمعة بالجامع، وحمل إلى سفح قاسيون فدفن بتربة الشيخ أبي عمر.
وفيها ابن الخبّاز نجم الدّين أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن سالم، ينتهي نسبه إلى عبادة بن الصّامت الأنصاري العبادي الصّالحي الحنبلي، الحافظ المحدّث المكثر المؤدّب.
ولد سنة تسع وعشرين وستمائة، وسمع من الحافظ ضياء الدّين، وعبد الحق بن خلف، وعبد الله بن الشيخ أبي عمر، وغيرهم، وجدّ واجتهد من سنة أربع وخمسين وإلى أن مات. وسمع وكتب ما لا يوصف كثرة، وخرّج لنفسه «مشيخة» في مائة جزء عن أكثر من ألفي شيخ، فإنه كتب العالي والنّازل، وعمّن دبّ ودرج، وخرّج سيرة لابن أبي عمر في مائة وخمسين جزءا.
وكان حسن الأخلاق، متواضعا، غير متقن فيما يجمعه. وسمع منه خلق من الحفّاظ وغيرهم، منهم المزّي، والذهبي، وولده مسند وقته أبو عبد الله محمد، وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر صفر بدمشق، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها المعمّرة أم أحمد ستّ الأهل بنت علوان بن سعيد البعلبكية بدمشق في المحرّم.
قال الذهبي: مكثرة عن البهاء عبد الرحمن، صالحة، خيّرة، عاشت خمسا وثمانين سنة.
وفيها زين الدّين أبو محمد عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فئر بن
الحسن الفارقي الشّافعي، خطيب دمشق، وشيخ دار الحديث، ومدرّس الشامية البرّانية.
ولد في محرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة، واشتغل وأفتى في مذهب الشافعي، ودرّس، وولي مشيخة دار الحديث بعد النّووي، وهو الذي عمرها بعد خرابها في فتنة قازان.
قال الذهبي في «معجمه»: كان عارفا بالمذهب، وبجملة حسنة في الحديث، ذا اقتصاد في ملبسه وتصوّن في نفسه، وسطوة على الطلبة، وفيه تعبّد وحسن معتقد.
وقال ابن كثير: سمع الحديث الكثير، واشتغل ودرّس، وأفتى مدّة طويلة. توفي في صفر ودفن بالصالحية في تربة أهله بتربة الشيخ أبي عمر.
وفيها خطيب بعلبك ضياء الدّين عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن علي بن عقيل السّلمي الشافعي. سمع القزويني، وابن اللّتي، وهو آخر من روى «شرح السّنّة» وخطب ستين سنة، وتوفي في صفر، عن تسع وثمانين سنة.
وفيها الشيخ أبو الفتح نصر بن أبي الضّوء الزّبدانيّ الفاميّ، أحد رواة «الصحيح» عن ابن الزّبيدي.
قال الذهبي: كتبنا عنه، وقد جاوز الثمانين.
وفيها صاحب الشّرق القآن محمود غازان بن القآن أرغون بن أبغا بن هولاكو المغلي، في شوال بقرب همذان، ولم يتكهل. ونقل إلى تربته بتبريز.
سمّ بمنديل يمسح به بعد الجماع، وتملّك أخوه خربندا، وكان بسنجار وسمّوه محمدا، ولقّبوه غياث الدّين.
وفيها عمر بن كثير خطيب القرية من عمل بصرى، وهو والد الشيخ عماد الدّين بن كثير.
وفيها الصّاحب عبد الله بن الصّاحب عزّ الدّين محمد بن أحمد بن خالد بن القيسراني الحلبي.
كتب في الإنشاء مدّة بعد الوزارة إلى أن مات.
ومن شعره:
بوجه معذّبي آثار حسنفقل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت وصحّتوها خطّ الكمال على الحواشي
وأصله من قيساريّة الشام، وتوفي بالقاهرة، ودفن بتربته جوار السيدة نفيسة، قدّس سرّها.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع