تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ست عشرة وسبعمائة

فيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي الإشبيلي المالكي. سمع «التيسير» من ابن جوبر بسماعه من أبي حمزة، وبحث «كتاب سيبويه» على ابن أبي الرّبيع، وتلا بالسّبع. وكان مقرئا، نحويا، ذا علوم وتصانيف وجلالة وتلامذة.

توفي بسبتة وله خمس وسبعون سنة.

وفيها المقرئ المعمّر صدر الدّين أبو الفداء إسماعيل ابن يوسف بن مكتوم بن أحمد القيسي الدمشقي. سمع ابن اللّتي، ومكرما، وابن الشّيرازي، والسّخاوي. وقرأ عليه بثلاث روايات. وكان فقيها بالمدارس، ومقرئا بالزويزانية، وله أملاك. وتفرّد بأجزاء.

وتوفي بدمشق في شوال عن ثلاث وتسعين سنة.

وفيها الرئيس العدل شمس الدّين عبد القادر بن يوسف بن مظفّر بن الحظيري الدمشقي. ولي نظر الخزانة، ونظر الجامع، ونظر المارستان.

وحدّث عن ابن رواج، وبالإجازة عن علي بن الجمل، وابن الصّفراوي، وطائفة.

وكان ديّنا، صيّنا، أمينا، وافر الجلالة.

وتوفي في جمادى الأولى عن إحدى وثمانين سنة.

وفيها كشتية النّاصري.

وفيها علاء الدّين علي بن مظفّر الكندي، ويعرف بكاتب ابن وداعة. سمع من البكري، وإبراهيم بن خليل، وطبقتهما. وتلا بالسّبع على العلم. وغيره، ونسخ الأجزاء. وكان أديبا، بارعا، محدّثا، من جياد الطلبة، على رقّة في دينه وهنات، وله نظم ونثر وحسن كتابة. ولي مشيخة النّفيسية مدّة، وكتابة الإنشاء. وتوفي عن ست وسبعين سنة. قاله الذهبي.

وفيها نجم الدّين أبو الرّبيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطّوفي الصّرصري ثم البغدادي، الحنبلي الأصولي المتفنن.

ولد سنة بضع وسبعين وستمائة بقرية طوفا من أعمال صرصر. وحفظ بها [ «مختصر الخرقي» في الفقه، و «اللّمع» في النحو لابن جنّي. وتردد إلى صرصر، وقرأ الفقه بها] على الشيخ شرف الدّين علي بن محمد الصّرصري.

ثم دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ «المحرّر» في الفقه وبحثه على الشيخ تقي الدّين الزّريراتي. وقرأ العربية والتصريف على أبي عبد الله محمد بن الحسين الموصلي، والأصول على النّصير الفارقي وغيرهم. وقرأ الفرائض وشيئا من المنطق، وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون، وعلّق عنهم.

وسمع الحديث من ابن الطبّال وغيره.

وسافر إلى دمشق سنة أربع وسبعمائة، فسمع بها الحديث من ابن حمزة وغيره. ولقي الشيخ تقي الدّين بن تيميّة، والمزّي، والبرزالي.

ثم سافر إلى مصر سنة خمس وسبعمائة، فسمع بها من الحافظ عبد المؤمن بن خلف، والقاضي سعد الدّين الحارثي. وقرأ على أبي حيّان النّحوي «مختصره» لكتاب سيبويه. ولقي بها جماعة. وحجّ وجاور بالحرمين الشريفين، وسمع بهما، وقرأ بهما كثيرا من الكتب.

وأقام بالقاهرة مدة، وصنّف تصانيف كثيرة، منها: «الاكسير في قواعد التفسير» و «الرّياض النّواضر في الأشباه والنظائر» و «بغية الواصل إلى معرفة الفواصل». و «شرح مقامات الحريري» في مجلدات، وغير ذلك. وكان مع ذلك كلّه شيعيا منحرفا في الاعتقاد عن السّنّة، حتى إنه قال في نفسه:

حنبليّ رافضيّ ظاهريأشعريّ إنّها إحدى الكبر

ووجد له في الرفض قصائد ويلوّح به في كثير من مصنّفاته حتى إنه صنّف كتابا سمّاه «العذاب الواصب على أرواح النّواصب».

قال تاج الدّين أحمد بن مكتوم: اشتهر عنه الرّفض، والوقوع في أبي بكر ﵁، وابنته عائشة ﵂، وفي غيرهما من جلّة الصحابة رضوان الله عليهم، وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطّه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له، منها قوله في قصيدة:

كم بين من شكّ في خلافتهوبين من قيل: إنه الله

فرفع أمر ذلك إلى قاضي الحنابلة سعد الدّين الحارثي، وقامت عليه بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيره وإشهاره، وطيف به، ونودي عليه بذلك، وصرف عن جميع ما كان بيده من المدارس، وحبس أياما، ثم أطلق، فخرج من حينه مسافرا، فبلغ قوص من صعيد مصر، وأقام بها مدة. ثم حجّ في أواخر سنة أربع عشرة وجاور سنة خمس عشرة. ثم حجّ، ثم نزل إلى الشام إلى الأرض المقدسة فأدركه الأجل في بلد الخليل ﵇ في شهر رجب.

وفيها طقطاي بن منكوتمر بن طغاي بن باطو بن، الطّاغية الأكبر جنكزخان المغلي التّتري، ملك القبجاق. جلس على تخت الملك وعمره سبع سنين، وكان يحب السّحرة ويعظّمهم، ويحب الأطباء. وممالكه واسعة جدا، منها: قرم، وسراي، وغير ذلك. وكان له جيش عظيم إلى الغاية، يقال: إنه جهّز عسكرا مرّة يشتمل على مائتي ألف فارس. وطالت أيامه إلى هذه السنة، وكانت دولته ثلاثا وعشرين سنة.

وملك بعده أخوه أزبك خان.

وفيها مسندة الوقت ستّ الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجّى التّنوخية. روت عن أبيها القاضي شمس الدّين، وابن الزّبيدي، وحدّثت

ب «الصحيح» وب «مسند الشّافعي» بدمشق ومصر مرات. وكانت على خير عظيم.

وتوفيت في شعبان فجاءه عن اثنتين وتسعين سنة.

وفيها سلطان التتار غياث الدّين خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو.

هلك من هيضة في هيضة في آخر رمضان ولم يتكهل. وكانت دولته ثلاث عشرة سنة، وتملّك بعده ابنه أبو سعيد.

وفيها بحماة أم أحمد فاطمة بنت النّفيس محمد بن الحسين بن رواحة. روت أجزاء عن عمّها بمصر وطرابلس.

قال الذهبي: سمعنا منها.

وفيها الشيخ العلّامة ذو الفنون صدر الدّين أبو عبد الله محمد بن عمر بن مكّي بن عبد الصّمد بن عطية بن أحمد بن عطية الشّافعي العثماني، المعروف بابن المرحّل، وبابن الوكيل.

ولد بدمياط في شوال سنة خمس وستين وستمائة، ونشأ بدمشق، وسمع من ابن علّان والقاسم الإربلي. وحفظ كتبا. يقال: إنه كان إذا وضع بعضها على بعض كانت طول قامته. وحفظ «المفصّل» في مائة يوم، و «مقامات الحريري» في خمسين يوما، و «ديوان المتنبي» في جمعة واحدة. قاله ابن قاضي شهبة.

وتفقّه على والده، وعلى الشيخ شرف الدّين المقدسي، والشيخ تاج الدّين الفزاري، وغيرهم. وأخذ الأصلين عن الصّفي الهندي، والنحو عن بدر الدّين بن مالك. وبرع وأفتى، وله اثنتان وعشرون سنة. واشتغل، وناظر، واشتهر اسمه، وشاع ذكره، ودرّس بالشّاميتين والعذرواية. وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية.

وخالط النائب آقش الأفرم، وجرت له أمور لا يحسن ذكرها ولا يرشد أمرها، وأخرجت جهاته.

وانتقل إلى حلب فأقام بها مدة، ودرّس، ثم انتقل إلى الدّيار المصرية، ودرّس بالمشهد الحسيني، وجمع كتاب «الأشباه والنظائر».

وأثنى عليه السّبكي كثيرا، وله نظم رائق وشعر فائق، منه:

ليذهبوا في ملامي أيّة ذهبوافي الخمر لا فضّة تبقى ولا ذهب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
لا تأسفنّ على مال تمزّقهأيدي سقاة الطّلا والخرّد العرب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
راح بها راحتي في راحها حصلتفتمّ عجبي بها وازداد لي العجب
فما كسوا راحتيّ من راحها حللاإلّا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
إذ ينبع الدّنّ من حلو مذاقتهوالتّبر منسبك في الكأس منسكب
وليست الكيميا في غيرها وجدتوكلّ ما قيل في ألوانها كذب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
قيراط خمر على القنطار من حزنيعود في الحال أفراحا وينقلب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
عناصر أربع في الكأس قد جمعتوفوقها الفلك السيّار والشّهب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
ماء ونار هواء أرضها قدحوطوقها فلك والأنجم الحبب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بلبالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
شججت بالماء منها الرأس موضحةفحين أعقلها بالخمس لا عجب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وما تركت بها الخمس التي وجبتوإن رأوا تركها في بعض ما يجب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وإن تقطّب وجهي حين تبسم ليفعند بسط الموالي يحسن الأدب
عاطيتها من بنات التّرك غانيةلحاظها لأسود والسّود قد غلبوا
يا قلب أردافها مهما برزت بهاقف لي عليها وقل: لي هذه الكثب
وإن مررت بشعر فوق قامتهابالله قل لي: كيف البان والعذب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
تحكي الثنايا التي أبدته من حببلقد حكيت ولكن فاتك الشّنب

وله:

عيّرتني بالسّقم إنك مشبهيولذاك خصرك مثل جسمي ناحلا
وأراك تشمت إذ رأيتك سائلالا بدّ أن يأتي عذارك سائلا

قال الذهبي: تخرّج به الأصحاب، وكان أحد الأذكياء.

وقال ابن شهبة: توفي في ذي الحجّة بالقاهرة، ودفن بالقرافة بتربة القاضي فخر الدّين ناظر الجيش.

ولما بلغت وفاته ابن تيميّة قال: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدّين.

وفيها، على خلاف في ذلك، محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمود الجزري ثم المصري شمس الدّين أبو عبد الله. ولد سنة سبع وثلاثين وستمائة.

واشتغل بالعلم وأخذ بقوص عن الأصفهاني وسمع، ودرّس، وأفتى في مذهب الشافعي، وخطب بجامع طولون، ودرّس بالشّريفيّة والمعزّيّة، وشرح «منهاج

البيضاوي» شرحا حسنا، و «ألفية ابن مالك» وأخذ السّبكي عنه علم الكلام.

وتوفي بمصر في ذي القعدة.

وفيها، على خلاف أيضا، شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أبي بكر ابن هبة الله الجزري ثم المصري الشافعي، ويعرف بابن المحوجب، وفي بلاده بابن القوّام.

ولد سنة ست وثلاثين وستمائة، كذا رأيته في بعض تواريخ المصريين، وقرأ القراآت السّبع، وأخذ بدمشق النحو عن شرف الدّين بن المقدسي، وبقوص المعقولات عن الأصفهاني، والفقه عن الشيخين ابن دقيق العيد، والدّشناوي.

وأخذ بمصر عن القرافي.

قال الإسنوي: كان ذكيا، أقام بمصر وأخذ عنه كثير من طلبتها، ودرّس بالمعزّية بعد موت ابن الرّفعة. وكانت السوداء تغلب على مزاجه.

توفي في رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وقد جاوز الثمانين. كذا قاله الإسنوي.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.