من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمسين وسبعمائة
في ربيعها الأول قتل أرغون شاه الناصري.
كان أبو سعيد أرسله إلى الناصر فحظي وتأمّر، وزوّجه بنت آق بغا عبد الواحد، ثم ولي الاستادارية في زمن المظفّر حاجي، ثم ولي نيابة صفد، ورجع إلى مصر، ثم ولي نيابة حلب، ثم دمشق، وتمكّن وبالغ في تحصيل المماليك والخيول، وعظم قدره، ونفذت كلمته في سائر الممالك الشامية والمصرية، ولم يزل على ذلك إلى أن برز أمر بإمساكه فأمسك وذبح، وكان خفيفا، قوي النّفس، شرس الأخلاق. قاله في «الدّرر».
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأنصاري الإشبيلي، ويعرف بالشّرقي.
قال ابن الزّبير: كان إماما في حفظ اللّغات وعلمها، لم يكن في وقته بالمغرب من يضاهيه أو يقاربه في ذلك، متقدما في علم العروض، مقصودا في الناس، مشكور الحال في علمه ودينه. انتهى.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن سعد بن محمد العسكري الأندرشي الصّوفي.
قال الصّفدي: شيخ العربية بدمشق في زمانه، أخذ عن أبي حيّان،
وأبي جعفر بن الزّيّات، وكان منجمعا عن الناس، حضر يوما عند الشيخ تقي الدّين ابن السّبكي بعد إمساك تنكز بخمس سنين، فذكر إمساكه، فقال: وتنكز أمسك؟ فقيل له: نعم، وجاء بعده ثلاثة نواب أو أربعة، فقال: ما علمت بشيء من هذا.
وكان بارعا في النحو، مشاركا في الفضائل، تلا على الصائغ، وشرح «التسهيل» واختصر «تهذيب الكمال» وشرع في تفسير كبير.
مولده بعد التسعين وستمائة، ومات بعلّة الإسهال في ذي القعدة.
وفيها جمال الدّين أبو العبّاس أحمد بن علي بن محمد البابصري البغدادي الحنبلي الفقيه الفرضي الأديب.
ولد سنة سبع وسبعمائة تقريبا، وسمع الحديث على صفي الدّين بن عبد الحق، وعلي بن عبد الصّمد، وغيرهما.
وتفقه على الشيخ صفي الدّين ولازمه وعلى غيره، وبرع في الفرائض والحساب، وقرأ الأصول، والعربية، والعروض، والأدب، ونظم الشعر الحسن، وكتب بخطّه الحسن كثيرا، واشتهر بالاشتغال والفتيا ومعرفة المذهب، وأثنى عليه فضلاء الطوائف.
وكان صالحا، ديّنا، متواضعا، حسن الأخلاق، طارحا للتكلف.
قال ابن رجب: حضرت دروسه وأشغاله غير مرّة، وسمعت بقراءته الحديث.
وتوفي في طاعون سنة خمسين ببغداد بعد رجوعه من الحجّ.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن موسى بن خفاجا الصّفدي الشافعي، شيخ صفد مع ابن الرّسّام.
أخذ عن ابن الزملكاني وغيره.
قال العثماني في «طبقاته»: كان ماهرا في الفرائض والوصايا، نقّالا للفروع الكثيرة، انقطع بقرية بقرب صفد يفتي ويصنّف ويتعبّد، ويعمل بيده في الزراعة لقوته وقوت أهله، ولا يقبل وظيفة ولا شيئا، وله مصنّفات كثيرة نافعة، منها «شرح التّنبيه» في عشر مجلدات، ومختصر في الفقه سمّاه «العمدة» وشرح «الأربعين» للنووي في مجلد ضخم، وغير ذلك، لكن لم يشتهر شيء منها. توفي بصفد.
وفيها نجم الدّين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن إبراهيم بن علي أبو القاسم وأبو محمد الأصفوني- بفتح الهمزة وبالفاء- الشافعي.
ولد بأصفون- بلدة في صعيد مصر- في سنة سبع وسبعين وستمائة، وتفقه على البهاء القفطي، وقرأ القراءات، وسكن قوص، وانتفع به كثيرون، وحجّ مرات من بحر عيذاب، آخرها سنة ثلاث وثلاثين. وأقام بمكّة إلى أن توفي.
قال الإسنوي: برع في الفقه وغيره، وكان صالحا، سليم الصّدر، يتبرّك به من يراه من أهل السّنّة والبدعة، اختصر «الرّوضة» وصنّف في الجبر والمقابلة.
توفي بمنى ثاني [أيام] عيد الأضحى، ودفن بباب المعلاة.
وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن الشيخ زين الدّين المنجّى بن عثمان بن أسعد بن المنجّى التّنوخي الحنبلي قاضي القضاة.
ولد في شعبان سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وسمع الكثير عن ابن البخاري وخلق، وولي القضاء من سنة اثنتين وثلاثين، وحدّث بالكثير.
وقال ابن رجب: قرأت عليه «جزءا» فيه الأحاديث التي رواها مسلم في «صحيحه» عن الإمام أحمد بسماعه «الصحيح» من أبي عبد الله محمد بن عبد السلام بن أبي عصرون بإجازته من المؤيد.
توفي في شعبان بدمشق ودفن بسفح قاسيون.
وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محارب الصّريحي النّحوي المالقي بن أبي الجيش.
قال في «تاريخ غرناطة»: كان من صدور المقرئين. قائما على العربية، إماما في الفرائض والحساب، مشاركا في الفقه والأصول، وكثير من العقليات. أقرأ بمالقة، وشرع في تقييد على «التسهيل» في غاية الاستيفاء فلم يكمله.
ومات في ربيع الآخر بعد أن تصدّق بمال جمّ، ووقف كتبه.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع