من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة
في محرّمها جمع الناصر الأموال التي في قلعة الجبل، وأخذها وراح إلى الكرك، وترك الملك، ونسبت إليه أشياء قبيحة، فخلعوه من السلطنة، وبايعوا أخاه السلطان الصالح إسماعيل، فأرسل جيشا إلى محاربة الناصر أحمد في الكرك، وأظهر أنه يطلب الأموال.
ووقع بالشام غلاء بسبب هذا الحصار.
وفيها توفي الحسن بن عمر بن عيسى بن خليل البعلبكي.
روى عن التّاج بن عبد الخالق بن عبد السلام.
وتوفي في شعبان. قاله في «الدّرر».
وفيها توفي الإمام المشهور الحسن بن محمد بن عبد الله الطّيبي، شارح «الكشّاف» العلّامة في المعقول والعربية والمعاني والبيان.
قال ابن حجر: كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسّنن، مقبلا على نشر العلم، متواضعا، حسن المعتقد، شديد الردّ على الفلاسفة [والمبتدعة]، مظهرا فضائحهم، مع استيلائهم حينئذ شديد الحب لله ورسوله، كثير الحياء، ملازما لإشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع، بل يخدمهم ويعينهم، ويعير الكتب النّفيسة لأهل بلده وغيرهم، من يعرف ومن لا يعرف، محبّا لمن عرف منه تعظيم
الشريعة، وكان ذا ثروة من الإرث والتجارة فلم يزل ينفقه في وجوه الخيرات، حتّى صار في آخر عمره فقيرا.
صنف «شرح الكشّاف» و «التفسير» «والتبيان» في المعاني «والبيان» وشرحه، و «شرح المشكاة».
وكان يشغل في التفسير من بكرة إلى الظهر ومن ثم إلى العصر في الحديث إلى يوم مات فإنه فرغ من وظيفة التفسير وتوجّه إلى مجلس الحديث فصلّى النافلة، وجلس ينتظر إقامة الفريضة، فقضى نحبه متوجها إلى القبلة، وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشري شعبان.
قال السيوطي: ذكر في شرحه على «الكشّاف» أنه أخذ من أبي حفص السّهروردي وأنه قبيل الشروع في هذا الشرح رأي النّبيّ ﷺ وقد ناوله قدحا من اللّبن فشرب منه.
وفيها الأمير صارم الدّين صاروجا بن عبد الله المظفّري.
كان أميرا في أول دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون بالديار المصرية. وكان صاحب أدب وحشمة ومعرفة. ولمّا أعطى الملك الناصر تنكز إمرة عشرة جعل صاروجا هذا أغاة له، وضمّه إليه، فأحسن صاروجا لتنكز، ودرّبه واستمرّ إلى أن حضر الملك الناصر من الكرك اعتقله، ثم أفرج عنه بعد عشر سنين تقريبا، وأنعم عليه بإمرة في صفد، فأقام بها نحو سنتين، ونقل إلى دمشق أميرا بها بسفارة تنكز نائب الشام، فلما وصل إلى دمشق عنّ له تنكز خدمته السالفة وحظي عنده، وصارت له كلمة بدمشق، وعمّر بها عماير مشهورة به منها السّويقة التي خارج دمشق إلى جهة الصّالحية، ولما أمسك تنكز قبض على صاروجا، وحضر مرسوم بتكحيله، فكحّل وعمي، ثم ورد مرسوم بالعفو عنه، ثم جهّز إلى القدس الشريف، فأقام به إلى أن مات في أواخر هذه السنة.
وفيها تاج الدّين أبو المحاسن عبد الباقي بن عبد المجيد بن عبد الله الإمام الأديب البارع اليماني الأصل المكي الشافعي.
ولد في رجب سنة ثمانين وستمائة بمكة، وقدم دمشق ومصر وحلب، ودرّس بالمشهد النّفيسي، وأقام باليمن مدة، وولي الوزارة، ثم عزل وصودر، ثم استقر بالقدس، ودرّس به واشتغل.
وله تآليف منها: «مطرب السّمع في شرح حديث أم زرع» ومنها «لقطة العجلان المختصر في وفيات الأعيان». وسمع منه البرزالي والذهبي، وذكراه في «معجميهما» وابن رافع وخلائق، وكتب عنه الشيخ أبو حيّان، وأثنى عليه كثيرا. وعمل «تاريخا» للنحاة، واختصر «الصّحاح».
توفي بالقاهرة في شهر رمضان رحمه الله تعالى.
وفيها برهان الدّين عبيد الله بن محمد الشريف برهان الدين الحسيني الشّافعي الفرغاني المعروف بالعبري- بكسر العين المهملة كما قاله ابن شهبة- وقال لا أدري نسبته إلى أي شيء. وقال السيوطي: بالضم والسكون نسبة إلى عبرة بطن من الأزد- قاضي تبريز.
كان جامعا لعلوم شتّى من الأصلين والمعقولات.
وله تصانيف مشهورة وسكن السّلطانية مدة، ثم انتقل إلى تبريز. وشرح كتب البيضاوي: «المنهاج» و «الغاية القصوى» و «المصباح» و «المطالع».
وقال الحافظ زين الدين العراقي في «ذيل العبر»: كان حنفيا يقرئ مذهب أبي حنيفة والشافعي، وصنّف فيهما.
وقال الذهبي في «المشتبه»: السيد العبري، عالم كبير في وقتنا، وتصانيفه سائرة.
وقال بعض فضلاء العجم: كان مطاعا عند السلاطين، مشهورا في الآفاق، مشارا إليه في جميع الفنون، ملاذا للضعفاء، كثير التواضع والإنصاف.
توفي في رجب أو في ذي الحجّة.
وفيها أو في التي قبلها، وجزم به السيوطي في «طبقات النّحاة»، أبو المعالي محمد بن يوسف بن علي بن محمود الصّبري بلدا، قاضي تعز.
كان ذا فضل في الفقه والنحو والحديث والقراءات السبع والفرائض، كثير الصلاح والورع والعبادة، ساعيا في قضاء حوائج الناس. حج في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة مع الملك المجاهد صاحب اليمن.
وتوفي آخر يوم عرفة من هذا العام مبطونا وغسّل بمنى، ودفن بالأبطح. انتهى.
وفيها شرف الدين محمود بن محمد بن محمد بن محمود الدّركزيني - بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الكاف، والزاي، نسبة إلى دركزين بلد بهمذان- القرشي الطّالبي العالم الصالح الشافعي.
قال الإسنوي: كان عالما زاهدا، كثير العبادة، شديد الاتّباع للسنة، صاحب كرامات، أجمع عليه الخاصة والعامة والملوك والعلماء فمن دونهم، وكان طويلا جدا جهوريّ الصوت، حسن الخلق. والخلق، جوادا من بيت علم ودين. صنّف في الحديث كتابا سماه «نزل السائرين» في مجلد، وشرح «منازل السائرين» في جزأين. توفي في شعبان بدركزين، ودفن بها والله أعلم.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع