تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وثلاثين وسبعمائة

فيها هلك بطرابلس الشام تحت الزّلزلة ستون نفسا.

وفيها قدم العلّامة شيخ الإسلام تقي الدّين السّبكي على قضاء الشّافعية بالشام وفرح الناس به.

وفيها توفي الشيخ موفق الدّين أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن مكّي الشارعي، فكان آخر من حدّث بالسّماع عن جدّ أبيه.

وتوفي بمصر عن تسعين سنة.

وفيها القاضي كمال الدّين أحمد بن قاضي القضاة علم الدّين بن الأخنائي.

حدّث عن الدّمياطي وغيره، وكان قاضي العساكر وناظر الخزانة بالقاهرة وبها توفي.

وفيها قال الذهبي: شيخنا المعمّر الصّالح شرف الدّين الحسين بن علي بن محمد ابن العماد الكاتب، عن ثمانين سنة وأشهر، درّس بالعمادية، وأفتى، وحدّث عن ابن أبي اليسر، وابن الأوحد، وجماعة. انتهى.

وفيها نجم الدّين حسين بن علي بن سيد الكلّ الأزدي المهلّبي الأسواني الشافعي.

مولده سنة ست وأربعين وستمائة، وتفقه على أبي الفضل جعفر التّزمنتي، وبرع، وحدّث. وأشغل الناس بالعلم مدة كثيرة.

قال الشيخ تقي الدّين السّبكي: وكان قد وصل إلى سنّ عالية، وتحصّل للطلبة به انتفاع في الاشتغال عليه وهو فقيه حسن، مفت، وله قدم هجرة وصحبة للفقراء، يتخلق بأخلاق حسنة.

وقال الإسنوي: كان ماهرا في الفقه يشتغل في أكثر العلوم، متصوفا، كريما جدا، مع الفاقة، منقطعا عن الناس، شريف النّفس، معزّا للعلم. اشتغل عليه الخلق طبقة بعد طبقة وانتفعوا به، وتصدّر بمدرسة الملك بالقاهرة، وتجرّد مع الفقراء في البلاد.

توفي في صفر، وقد زاحم المائة.

وفيها خطيب القدس زين الدّين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن جماعة الشّافعي.

توفي بالقدس الشريف.

وفيها المعمّر نجم الدّين عبد الرحيم بن الحاج محمود السّبعي. حدّث عن ابن عبد الدائم وغيره، وتوفي بالصّالحية عن إحدى وتسعين سنة. ذكره الذهبي.

وفيها عالم بغداد صفي الدّين عبد المؤمن بن الخطيب عبد الحق بن عبد الله بن علي بن مسعود بن شمائل البغدادي الحنبلي الإمام الفرضي المتقن.

ولد في سابع عشري جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستمائة ببغداد، وسمع بها الحديث من عبد الصّمد بن أبي الجيش، وابن الكسّار، وخلق.

وسمع بدمشق من الشّرف ابن عساكر وجماعة.

وبمكّة من الفخر التّوزري، وأجاز له ابن البخاري، وأحمد بن شيبان، وبنت مكّي وغيرهم من أهل الشام ومصر والعراق.

وتفقه على أبي طالب عبد الرحمن بن عمر البصري ولازمه حتّى برع، وأفتى، ومهر في علم الفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والهندسة، والمساحة. ونحو ذلك.

واشتغل في أول عمره بعد التفقه بالكتابة والأعمال الدّنيوية مدة ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم فلازمه مطالعة وكتابة وتدريسا وتصنيفا وإشغالا وإفتاء إلى حين موته.

وصنّف في علوم كثيرة، فمن مصنّفاته «شرح المحرّر» في الفقه ست مجلدات، «شرح العمدة» مجلدان، «إدراك الغاية في اختصار الهداية» مجلد لطيف وشرحه في أربع مجلدات، «تلخيص المنقح في الجدل»، «تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل» «اللّامع المغيث في علم المواريث» واختصر «تاريخ الطبري» في أربع مجلدات، واختصر «الرّد على الرافضي» للشيخ تقي الدين بن تيميّة في مجلدين لطيفين، واختصر «معجم البلدان» لياقوت. وله غير ذلك.

وخرّج لنفسه «معجما» لشيوخه بالسماع والإجازة نحوا من ثلاثمائة شيخ، وسمع منه خلق كثيرون.

وله شعر كثير رائق، منه:

لا ترج غير الله سبحانهواقطع عرى الآمال من خلقه
لا تطلبنّ الفضل من غيرهواضنن بماء الوجه واستبقه
فالرّزق مقسوم وما لامرئسوى الّذي قدّر من رزقه
والفقر خير للفتى من غنىيكون طول الدّهر في رقّه

توفي- رحمه الله تعالى- ليلة الجمعة عاشر صفر ببغداد ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وفيها قاضي حلب ذو الفنون فخر الدّين عثمان بن علي الحلبي، المعروف بابن خطيب جبرين - بالباء الموحدة والراء قرية من قرى حلب - وقد تقدمت ترجمته في سنة ثلاثين، والصحيح وفاته في هذه السنة.

وفيها الشيخ شرف الدّين أبو الحسين علي بن عمر البعلي، شيخ الرّبوة والشّبلية.

حدّث عن الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وابن البخاري، وطائفة.

وتوفي في المحرم وله بضع وثمانون سنة.

وفيها معيد البادرائية المعمّر علاء الدّين علي بن عثمان بن الخرّاط.

حدّث عن ابن البخاري وغيره، وعمل خطبا ومقامات، وتوفي بدمشق.

وفيها الحافظ علم الدّين القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الشافعي.

قال الذهبي: الإمام الحافظ محدّث الشام، وصاحب «التاريخ» و «المعجم الكبير».

أول سماعه في سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وكان له من العمر عشر سنين.

وروى عن ابن أبي الخير، وابن أبي عمر، والعزّ الحرّاني، وخلق كثير. ووقف جميع كتبه، وأوصى بثلثه، وحجّ خمس مرات انتهى.

وقال ابن قاضي شهبة.

ولد سنة ثلاث وستين وستمائة، وسمع الجمّ الغفير، وكتب بخطّه ما لا يحصى كثرة، وتفقه بالشيخ تاج الدّين الفزاري وصحبه، وأكثر عنه، و [نقل عنه] الشيخ تاج الدّين في «تاريخه» وولي مشيخة دار الحديث النّورية، ومشيخة النّفيسية، وصنّف «التاريخ» ذيلا على «تاريخ أبي شامة» بدأ فيه من عام مولده وهو السنة التي مات فيها أبو شامة في سبع مجلدات، و «المعجم الكبير» وبلغ «ثبته» بضعا وعشرين مجلدا، أثبت فيه كل من سمع منه، وانتفع به المحدّثون من زمانه إلى آخر القرن.

وقال الذهبي أيضا في «معجمه»: الإمام، الحافظ، المتقن، الصّادق، الحجّة، مفيدنا ومعلّمنا ورفيقنا، مؤرّخ العصر، ومحدّث الشام.

مشيخته بالإجازة والسماع فوق الثلاثة آلاف، وكتبه وأجزاؤه الصحيحة في عدة أماكن، وهي مبذولة للطلبة وقراءته المليحة الفصيحة مبذولة لمن قصده، وتواضعه وبشره مبذول لكل غني وفقير.

توفي محرما بخليص في ذي الحجّة، وله أربع وسبعون سنة وأشهر.

وفيها بدر الدّين أبو اليسر محمد بن قاضي القضاة الإمام العادل عزّ الدّين محمد بن عبد القادر الأنصاري بن الصّايغ الدمشقي الشافعي.

قال الذهبي: القاضي الإمام القدوة العابد، مدرّس العمادية والدّماغية.

حدّث عن ابن شيبان، والفخر، وطائفة. وحفظ «التّنبيه» ولازم الشيخ برهان الدّين [زمانا]، وجاءه التقليد والتشريف بقضاء القضاة في سنة سبع وعشرين فأصرّ على الامتناع فأعفي، ثم ولي خطابة القدس وتركها.

وكان مقتصدا في أموره، كثير المحاسن، حجّ غير مرّة، وتوفي في جمادى الأولى عن ثلاث وستين سنة.

وفيها قاضي قضاة الإقليمين جلال الدّين محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن دلف بن أبي دلف العجلي القزويني ثم الدمشقي الشافعي.

قال ابن قاضي شهبة: مولده بالموصل سنة ست وستين وستمائة، وتفقه على أبيه، وأخذ الأصلين عن الإربلي، وسكن الرّوم مع أبيه، واشتغل في أنواع العلوم، وسمع من أبي العبّاس الفاروثي وغيره، وخرّج له البرزالي جزءا من حديثه، وحدّث به، وأفتى ودرّس، وناب في القضاء عن أخيه، ثم عن ابن صصرى، ثم ولي الخطابة بدمشق، ثم القضاء بها، ثم انتقل إلى قضاء الدّيار

المصرية لما عمي القاضي بدر الدّين بن جماعة، فأقام بها نحو إحدى عشرة سنة، ثم صرف في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين، ونقل إلى قضاء الشام، وألّف «تلخيص المفتاح» في المعاني والبيان، وشرحه بشرح سمّاه «الإيضاح».

وقال الذهبي: أفتى، ودرّس، وناظر، وتخرّج به الأصحاب، وكان مليح الشكل، فصيحا، حسن الأخلاق، غزير العلم، وأصابه طرف فالج مدة.

وقال ابن رافع: حدّثني، وسمع منه البرزالي، وخرّج له «جزءا» من حديثه عن جماعة من شيوخه.

وصنّف في الأصول كتابا حسنا، وفي المعاني والبيان كتابين كبيرا وصغيرا.

ودرّس بمصر والشام بمدارس، وكان لطيف الذات، حسن المحاضرة، كريم النّفس، ذا عصبية ومودة.

وقال الإسنوي: كان فاضلا في علوم، كريما، مقداما، ذكيا، مصنّفا، وإليه ينسب كتاب «الإيضاح» و «التلخيص» في علمي المعاني والبيان.

توفي بدمشق في جمادى الأولى ودفن بمقابر الصّوفية.

وفيها شمس الدّين محمد بن عبد العزيز بن الشيخ عبد القادر الجيلي.

قال الذهبي: شيخ بلاد الجزيرة، الإمام القدوة.

كان عالما، صالحا، وقورا، وافر الجلالة، حجّ مرتين، وروى عن الفخر عليّ بدمشق وببغداد، وخلّف أولادا كبارا لهم كفاية وحرمة.

وتوفي في أول ذي الحجّة بقرية الجبال من عمل سنجار، عن سبع وثمانين سنة.

وفيها شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن الجزري، صاحب «التاريخ الكبير».

قال الذهبي: كان ديّنا، خيّرا، ساكنا، وقورا، به صمم.

روى عن إبراهيم بن أحمد، والفخر بن البخاري، وسمع ولديه مجد الدّين، ونصير الدّين كثيرا. وكان عدلا أمينا.

وقال غيره: كان من خيار الناس، كثير المروءة، من كبار عدول دمشق. أقام يشهد على القضاة مدة وإذا انفرد بشهادة يكتفون به لوثوقهم به. جمع «تاريخا» كبيرا ذكر فيه أشياء حسنة لا توجد في غيره.

توفي ببستانه الزّعيفرانية في وسط السنة وله إحدى وثمانون سنة.

وفيها بأطرابلس الشيخ ناصر الدّين محمد بن المعلم المنذري. سمع «المسند» من ابن شيبان.

وفيها وجيه الدّين يحيى بن محمد الصّنهاجي المالكي.

قال الذهبي: مات بالإسكندرية قاضيها العلّامة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.