تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وأربعين وسبعمائة

فيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الحرّاني ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي.

ولد سنة اثنتين وسبعمائة، وسمع من ابن الموازيني وغيره، وطلب بنفسه، وكتب الكثير، وسمع الكثير أيضا، وتفقّه في المذهب وأصول الفقه، وهو الذي بيّض مسودة الأصول لابن تيمية، ورتّبها.

ذكره الذهبي في «المعجم المختص» فقال: من أعيان أهل مذهبه في دين وتقوى ومعرفة بالفقه، أخذ عنّي ومعي.

وتوفي في جمادى الآخرة بدمشق ودفن بمقبرة باب الصّغير.

وفيها علم الدّين سنجر بن عبد الله الأمير الكبير الجاولي الشافعي.

ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة بآمد. ثم صار لأمير من الظاهريّة يسمّى جاولي. وانتقل بعد موته إلى بيت المنصور، وتنقلت به الأحوال إلى أن صار مقدّما بالشام، وكانت داره بدمشق غربي جامع تنكز، وبعضها شماليّه، فسأله تنكز عند بناء الجامع إضافة ما بين جامعه وبين الميدان، وكان هناك إصطبل وغيره، فأبى ذلك كلّ الإباء ووقفها، وكان ذلك سببا لنقله من دمشق، ثم ولي نيابة غزّة، ثم قبض عليه في شعبان سنة عشرين، اتّهم بأنه يريد الدخول إلى اليمن، وسجن

بالإسكندرية، وأحيط على أمواله، ثم أفرج عنه آخر سنة ثمان وعشرين، ثم استقر أميرا مقدّما بمصر واستقر من أمراء المشورة، ثم ولي حماة بعد موت الناصر مدة يسيرة، ثم ولي نيابة غزة فأقام بها أربعة أشهر، ثم عاد إلى مصر.

وقد روى «مسند الشافعي» عن قاضي الشّوبك دانيال، وحدّث به غير مرة، ورتّب «مسند الشافعي» ترتيبا حسنا، وشرحه في مجلدات بمعاونة غيره. جمع بين شرحيه لابن الأثير والرافعي، وزاد عليهما من «شرح مسلم» للنووي، وبنى جامعا بالخليل في غاية الحسن، وجامعا بغزة، ومدرسة بها، وخانقاه بظاهر القاهرة.

قال ابن كثير: وقف أوقافا كثيرة بغزة والقدس وغيرهما، وكان له معرفة بمذهب الشافعي، ورتّب «المسند» ترتيبا حسنا فيما رأيته، وشرحه في مجلدات فيما بلغني.

قال الحافظ زين الدين العراقي: إنه رتّب «الأم» للشافعي.

توفي في رمضان ودفن بالخانقاه التي أنشأها.

وفيها جلال الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن أحمد الفقيه الحنفي النحوي العراقي الكوفي، المعروف بابن الفصيح.

طلب الحديث وسمع من الخزرجي والذهبي، وشارك في الفضائل. مولده في شوال سنة اثنتين وسبعمائة. قاله الصفدي.

وفيها نجم الدّين أبو الحسن علي بن داود بن يحيى بن كامل بن يحيى بن جبارة الزّبيري القرشي الأسدي.

قال الصّفدي: شيخ أهل دمشق في عصره خصوصا في العربية، قرأ عليه أهل دمشق، وانتفعوا به ولد في جمادى الأولى سنة ثمان وستين وستمائة، وقرأ

النحو على العلاء بن المطرّز، والفقه على الشمس الحريري، والأصول على البدر بن جماعة، والعربية على الشرف الفزاري، والمجد التونسي والمعاني والبيان على البدر بن النحوية، والميقات على البدر بن دانيال، وسمع الحديث على النجم الشّقراوي، والبرهان بن الدّرجي.

قال: ولم أصنّف شيئا لمؤاخذتي للمصنّفين فكرهت أن أجعل نفسي غرضا غير أني جمعت منسكا للحج.

وله النظم والنثر والكتابة المنسوبة ولي تدريس الركنية، ثم نزل عنها ورعا، وخطب بجامع تنكز.

ومن شعره:

أضمرت في القلب هوى شادنمشتغل في النّحو لا ينصف
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وصفت ما أضمرت يوما لهفقال لي المضمر لا يوصف
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

توفي في رابع عشري رجب.

وفيها سراج الدّين عمر بن عبد الرحمن ابن عمر البهبهائي. صاحب «الكشف على الكشّاف».

قرأ على قوام الدّين الشيرازي، وهو قرأ على القطب العالي، وكان له حظّ وافر من العلوم، سيّما العربية، واخترمته المنية شابا عن سبع أو ثمان وثلاثين سنة.

وفيها أبو عبد الله محمد بن علي المصري النحوي.

قال الخزرجي في «طبقات أهل اليمن»: كان فقيها فاضلا عارفا بالنحو والفقه واللغة والحديث والتفسير والقراءات.

أعاد بالمؤيدية بثغر رودس وبالمجاهدية بها.

وفيها شمس الدّين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن حمدان بن النّقيب.

ولد تقريبا سنة اثنتين وستين وستمائة، وأخذ شيئا من الفقه عن الشيخ محيي الدّين النّووي وخدمه، وتفقه بالشيخ شرف الدّين المقدسي، وسمع الحديث، وسمع منه البرزالي وغير واحد، وأخذ عنه جمال الدّين بن جملة قديما.

وولي قضاء حمص فطرابلس ثم حلب ثم صرف عنها وعاد إلى دمشق، وولي تدريس الشامية البرانية.

قال السبكي: له الدّيانة، والعفّة، والورع، الذي طرد به الشيطان وأرغم أنفه، كان من أساطين المذهب.

توفي في ذي القعدة ودفن بالصالحية.

وفيها تقي الدّين أبو الفتح محمد بن محمد بن علي بن همام- بالضم والتخفيف- ابن راجي الله بن سرايا بن ناصر بن داود الإمام المحدّث العسقلاني الأصل المصري، المعروف بابن الإمام الشافعي.

مولده في شعبان سنة سبع وسبعين وستمائة. وطلب الحديث، وقرأ وكتب بخطّه، وحصل الأجزاء والكتب الحديثية، وتخرج بالحافظ الدمياطي، وسمع من جماعة، وكان إماما بالجامع الصالحي ظاهر القاهرة وساكنا به، وصنف كتابا حسنا في الأذكار والأدعية، سماه «سلاح المؤمن»، وكتاب «الاهتداء في الوقف والابتداء» من أخصر ما ألّف وأحسنه، وكتابا في المتشابه مرتبا على السور، واشتهر كتابه «سلاح المؤمن» في حياته. واختصره الذهبي.

توفي في ربيع الأول.

وفيها شمس الدّين محمد بن مظفّر الدّين الخلخالي، ويعرف أيضا بالخطيبي الشافعي.

قال الإسنوي: كان إماما في العلوم العقلية والنقلية، ذا تصانيف كثيرة مشهورة، منها «شرح المصابيح» و «مختصر ابن الحاجب» و «المفتاح» و «التلخيص» في علم البيان، وصنّف أيضا في المنطق.

وتوفي بأرّان بهمزة مفتوحة، وراء مهملة مشددة [سنة خمس وأربعين وسبعمائة تقريبا].

والخلخالي: نسبة إلى الخلخال، بخاءين معجمتين مفتوحتين، آخره لام:

قرية من نواحي السلطانية.

وفيها الإمام أثير الدين أبو حيّان محمد بن يوسف ابن علي بن يوسف بن حيّان الأندلسي الغرناطي النّفزي - نسبة إلى نفزة بكسر النون وسكون الفاء قبيلة من البربر- نحوي عصره ولغويّه ومفسّره ومحدّثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه.

ولد بمطخشارش مدينة من حظيرة غرناطة في آخر شوال سنة أربع وخمسين وستمائة. وأخذ القراءات عن أبي جعفر بن الطّبّاع، والعربية عن أبي الحسن الأبذي، وأبي جعفر بن الزّبير، وابن أبي الأحوص، وابن الصائغ، وبمصر عن البهاء بن النحّاس وجماعة، وتقدم في النحو وأقرأ في حياة شيوخه بالمغرب، وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية والإسكندرية ومصر والحجاز من نحو أربعمائة وخمسين شيخا، منهم أبو الحسن بن ربيع وابن أبي الأحوص، والقطب القسطلاني وأجاز له خلق من المغرب والمشرق، منهم الشرف الدمياطي، وابن

دقيق العيد، والتّقي بن رزين، وأبو اليمن بن عساكر.

وأكب على طلب الحديث، وأتقنه، وشرع فيه، وفي التفسير والعربية والقراءات والأدب والتاريخ، واشتهر اسمه، وطار صيته، وأخذ عنه أكابر عصره، وتقدموا في حياته كالشيخ تقي الدّين السبكي، وولديه، والجمال الإسنوي، وابن قاسم، وابن عقيل، والسمين، وناظر الجيش، والسّفاقسي، وابن مكتوم، وخلائق.

قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يشغل أو يكتب، أو ينظر في كتاب.

وكان ثبتا قيّما عارفا باللغة، وأما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما، خدم هذا الفن أكثر عمره حتّى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض فيهما.

وله اليد الطّولى في التفسير والحديث وتراجم الناس، ومعرفة طبقاتهم خصوصا المغاربة، وأقرأ الناس قديما وحديثا، وألحق الصغار بالكبار، وصارت تلامذته أئمة وشيوخا في حياته، والتزم أن لا يقرئ أحدا إلّا في «كتاب سيبويه» أو «التسهيل» أو مصنّفاته، وكان سبب رحلته عن غرناطة أنه حملته حدّة الشبيبة على التعرض لأستاذه أبي جعفر بن الطّبّاع. وقد وقعت بينه وبين أبي جعفر بن الزّبير واقعة فنال منه وتصدّى لتأليف في الردّ عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى السلطان، فأمر بإحضاره وتنكيله، فاختفى ثم ركب البحر، ولحق بالمشرق.

وقال السيوطي: ورأيت في كتابه «النضار» الذي ألّفه في ذكر مبدئه واشتغاله وشيوخه ورحلته أنّ مما قوّى عزمه على الرحلة عن غرناطة أن بعض العلماء بالمنطق والفلسفة والرياضي والطبيعي قال للسلطان: إني قد كبرت وأخاف أن أموت فأرى أن ترتب لي طلبة أعلمهم هذه العلوم لينتفعوا من بعدي. قال أبو حيان: فأشير إلى أن أكون من أولئك ورتّب لي راتب جيد وكسوة وإحسان فتمنّعت ورحلت مخافة أن أكره على ذلك.

قال الصفدي: وقرأ على العلم العراقي، وحضر مجلس الأصبهاني وتمذهب للشافعي، وكان أبو البقاء يقول: إنه لم يزل ظاهريا.

وقال ابن حجر: كان أبو حيّان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه.

وقال الأدفوي: كان يفخر [بالبخل كما] يفخر الناس بالكرم، وكان ثبتا صدوقا حجّة، سالم العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم، ومال إلى مذهب أهل الظّاهر، وإلى محبّة علي بن أبي طالب، كثير الخشوع، والبكاء عند قراءة القرآن، وكان شيخا طوالا حسن النّغمة، مليح الوجه، ظاهر اللّون، مشربا بحمرة، منوّر الشيبة، كبير اللحية، مسترسل الشعر، وكان يعظم ابن تيمية، ثم وقع بينه وبينه في مسألة نقل سيبويه في تبيين موضع من كتابه فأعرض عنه، ورماه في تفسيره «النهر» بكل سوء.

وقال الصفدي: وكان له إقبال على الطلبة الأذكياء وعنده تعظيم لهم وهو الذي جسّر الناس على مصنفات ابن مالك، ورغّبهم في قراءتها، وشرح لهم غامضها، وخاض لهم في لججها، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب هذه نحو الفقهاء، تولّى تدريس التفسير بالمنصورية والإقراء بجامع الأقمر، وكانت عبارته فصيحة لكنه في غير القرآن يعقد القاف قريبا من الكاف، وله من التصانيف «البحر المحيط» في التفسير [، من التصانيف «البحر المحيط» في التفسير]، ومختصره «النهي وإتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب» و «التذييل» و «التّكميل في شرح التسهيل»، و «مطوّل الارتشاف»، ومختصره مجلدان، ولم يؤلّف في العربية أعظم من هذين الكتابين، ولا أجمع، ولا أحصى للخلاف والأحوال.

قال السيوطي: وعليهما اعتمدت في كتابي «جمع الجوامع»، نفع الله به.

ومن مؤلفاته: «التّنحيل» الملخّص من «شرح التّسهيل» للمصنف وابنه بدر الدين، «والإسفار» الملخّص من شرح سيبويه للصّفّار، والتجويد لأحكام سيبويه، والتذكرة في العربية، أربع مجلدات كبار، «والتقريب» في مختصر المقرّب، «والتّدريب» في شرحه، و «المبدع في التّصريف» و «الارتضاء في الضاد والظاء» و «عقد اللآلئ» في القراءات على وزن الشاطبية وقافيتها، و «الحلل الحالية في أسانيد القراءات العالية» و «نحاة الأندلس» و «الأبيات الوافية في علم القافية» و «منطق الخرس في لسان الفرس» و «الإدراك للسان الأتراك» و «زهو الملك في نحو التّرك» و «الوهّاج في اختصار المنهاج» للنووي، وغير ذلك مما لم يكمل ك «مجاني الهصر في تواريخ أهل العصر».

ومن شعره:

عداي لهم فضل عليّ ومنّةفلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتهاوهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
للشاعر أبو حيان الأندلسي، اقرأ القصيدة

ومنه:

سبق الدّمع بالمسير المطاياإذ نوى من أحبّ عنّي نقله
فأجاد السّطور في صفحة الخدولم لا يجيد وهو ابن مقله

ومنه:

راض حبيبي عارض قد بدايا حسنه من عارض رائض
للشاعر أبو حيان الأندلسي، اقرأ القصيدة
وظنّ قوم أنّ قلبي سلاوالأصل لا يعتدّ بالعارض
للشاعر أبو حيان الأندلسي، اقرأ القصيدة

مات بالقاهرة في ثامن عشر صفر، ودفن بمقبرة الصّوفية، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.