من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وخمسين وثمانمائة
فيها توفي زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ تقي الدّين أبي الصّدق أبي بكر بن الشيخ نجم الدّين أبي سليمان داود بن عيسى الحنبلي الدمشقي الصّالحي الصّوفي القادري البسطامي شيخ الطّريقة، وعلم الحقيقة، العالم الناسك.
ولد سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، وتفقه بجماعة، منهم برهان الدّين، وأكمل الدين ابنا شرف الدّين بن مفلح صاحب «الفروع» وتخرّج بجماعة، منهم والده. ونشأ على طريقة حسنة، ملازما للذكر وقراءة القرآن والأوراد التي رتّبها والده.
كان محبّبا إلى الناس، يتردد إليه النّواب، والقضاة، والفقهاء، من كل مذهب.
اشتغل في فنون كثيرة، وكتب بخطّه الحسن كثيرا، وألّف كتبا عديدة، منها «الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وهو أجلّها، وكتاب «نزهة النّفوس والأفكار في خواص النبات والحيوان والأحجار» وكتاب «الدرّ المنتقى المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع» و «المولد الشريف».
وكان بشوشا يتعبّد بقضاء الحوائج، مسموع الكلمة في الدولة الأشرفية والظّاهرية، وتكلّم على مدرسة الشيخ أبي عمر، والبيمارستان القيمري، فحصل
له به النّفع من عمارة جهاتهما، وعمل مصالحهما، ورغب الناس في نفع الفقراء بكل ممكن.
وتوفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر، ودفن بالتربة التي أنشأها قبلي زاويته المشرفة على الطريق يمين الداخل.
أخبرني أخي في الله الشيخ أحمد بن علي بن أبي سالم أنه سلّم عليه فردّ ﵇ من قبره، رحمه الله تعالى.
وفيها القاضي أمين الدّين عبد الرحمن بن قاضي القضاة شمس الدّين محمد، وأخو شيخ الإسلام سعد الدّين بن عبد الله بن الدّيري العبسي المقدسي الحنفي، ناظر حرمي القدس والخليل.
ولد بالقدس في شعبان سنة سبع عشرة وثمانمائة، وحفظ القرآن العزيز، وبعض مختصرات في مذهبه، وتفقه بأخيه سعد الدّين، وغلب عليه الأدب، وقال الشعر الجيد، وكان له خفّة وزهو، ويتزيّا بزيّ الأمراء، وله كرم وإفضال على ذويه، وربما يتحمل من الديون جملا بسبب ذلك.
وتوفي على نظر القدس الشريف في أوائل ذي الحجّة.
وفيها علي الدّين أبو الفتوح علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علي القلقشندي الشافعي القرشي.
ولد بالقاهرة في ذي الحجّة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ونشأ بها، وحفظ
القرآن العظيم وعدة متون في مذهبه، وتفقّه بعلماء عصره، كالسّراج البلقيني، وولده جلال الدّين، والعز بن جماعة، وسراج الدّين ابن الملقّن، وغيرهم. وأخذ الحديث عن الزّين العراقي، والنّور الهيثمي، وسمع على جماعة منهم البرهان الشامي، والعلاء بن أبي المجد، والجمال الحلاوي، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، والمعاني، والبيان، والقراآت، وشارك في عدة علوم، وتصدى للإفتاء، والتدريس، والأشغال، وانتفع به الطلبة. وتفقّه به جماعة من الأعيان. وولي تدريس الشافعي، وطلب إلى قضاء دمشق فامتنع، ورشح لقضاء القضاة بالديار المصرية غير مرة، وتصدّر للتدريس وسنّة دون العشرين، وولي عدة مدارس.
وتوفي أول يوم من هذه السنة.
وفيها القاضي كمال الدّين محمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن محمد الجهني الأنصاري الحموي ثم القاهري الشافعي أوحد الرؤساء، كاتب السرّ، بمصر.
كان إماما، عالما، ناظما، نائرا.
ولد بحماة في ذي الحجّة سنة ست وتسعين وسبعمائة، ونشأ بها تحت كنف والده، وحفظ القرآن العظيم، و «التمييز» في الفقه، وقرأه على الحافظ برهان الدّين الحلبي، المعروف بالقوف. ثم قدم الدّيار المصرية مع والده، فتفقه بالولي العراقي، والعزّ بن جماعة، وأخذ عنهما العقليات، وعن القاضي شمس الدّين البساطي المالكي، وغيرهم. وأخذ النحو عن الشيخ يحيى المغربي العجيسي، واجتهد في التحصيل، وساعده فرط ذكائه واستقامة ذهنه، حتى برع في المنطوق والمفهوم، وصارت له اليد الطولى في المنثور والمنظوم.
ومن شعره ما كتب به على سيرة ابن ناهض تهكّما بعد كتابة والده:
مرّت على فهمي وحلو لفظهامكرّر فما عسى أن أصنعا
ووالدي دام بقا سؤددهلم يبق فيها للكمال موضعا
وولي قضاء قضاة دمشق، وحج.
قال في «المنهل»: وكان أعظم من رأينا في هذا العصر.
وتوفي بالقاهرة يوم الأحد سادس عشري صفر.
وفيها يوسف بن الصّفّي الكركيّ ثم القاهري.
كان فاضلا أديبا.
ومن شعره:
كلّ يوم إلى ورابدّل البول بالخرا
فزمانا تهوّداوزمانا تنصّرا
وستصبو إلى المجوس إن الشّيخ عمّرا
توفي في رجب عن نحو تسعين سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع