تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع عشرة وتسعمائة

فيها كان حريق عظيم بمدينة عدن احترق به من الآدميين نحو ثلاثين نفسا وتلف من الأموال والبيوت ما لا يحصى.

وفيها توفي الشيخ العارف بالله تعالى إبراهيم الشاذلي المصري.

كان ينفق نفقة الملوك ويلبس ملابسهم، وذلك من غيب الله تعالى لا يدري أحد له جهة معينة تأتيه منها الدنيا ولم يطلب الطريق حتى لحقه المشيب فجاء إلى سيدي محمد المغربي الشّاذلي وطلب منه التربية فقال له يا إبراهيم، تريد تربية بيتية وإلا سوقية. فقال له: ما معنى ذلك؟ قال: التربية السوقية هي أن أعلمك كلمات في الفناء والبقاء ونحوهما، وأجلسك على السجادة، وأقول لك خذ كلاما وأعط كلاما من غير ذوق ولا انتفاع. والتربية البيتية بأن تفني اختيارك في اختياري، وتشارك أهل البلاء، وتسمع في حقك ما تسمع فلا تتحرك لك شعرة اكتفاء بعلم الله تعالى. فقال أطلب التربية البيتية. قال: نعم لكن لا يكون فطامك إلّا بعدي على يد الشيخ أبي المواهب. وكان الأمر كذلك، ولذلك لم يشتهر إلا بالمواهبي، ثم قال له الشيخ محمد: قف غلاما اخدم البيت والبغلة، وحسّ الفرس، وافرش تحتها الزبل، وكب التراب، فقال: سمعا وطاعة. فلم يزل يخدم عنده حتّى مات، فاجتمع على سيدي أبي المواهب ولم يزل عنده يخدم كذلك ولم يجتمع مع الفقراء في قراءة حزب ولا غيره حتّى حضرت سيدي أبا المواهب الوفاة فتطاول

جماعة من فقرائه إلى الأذن فقال الشيخ: هاتوا إبراهيم فجاءه، فقال: افرشوا له السجادة فجلس عليها وقال له: تكلم على إخوانك في الطريق فأبدى الغرائب والعجائب، فأذعن له الجماعة كلهم.

وكان له ديوان شعر وموشحات، وشرح «حكم ابن عطاء الله» شرحا حسنا.

وتوفي في هذه السنة ودفن بزاويته بالقرب من قنطرة سنقر وقبره بها ظاهر يزار.

وفيها القطب الرّباني شمس الشّموس أبو بكر بن عبد الله باعلوى.

قال في «النور السّافر»: ولد بتريم- وتريم بتاء مثناة فوقية، ثم راء مكسورة، ثم تحتية، ثم ميم، على وزن عظيم: بلدة من حضرموت، أعدل أرض الله هواء وأصحّها تربة، وأعذبها ماء. وهي قديمة معشش الأولياء ومعدنهم ومنشأ العلماء وموطنهم، وهي مسكن الأشراف آل باعلوى.

روي أن الفقيه محمد بن أبي بكر عبّاد، رحمه الله تعالى، كان يقول: إذا كان يوم القيامة أخذ أبو بكر الصّدّيق، ﵁، آل تريم كلهم قبضة في يده، ورمى بهم في الجنّة.

قال في «النّور»: ولما كانت خير بلاد الله بعد الحرمين وبيت المقدس أكرمها الله تعالى بخير عباده، وأكرمهم عليه الذين زيّنهم باتباع السّنّة الغرّاء، مع صحة نسبهم المتصل بالسيدة الزّهراء، ويذكر أنها تنبت الصّالحين كما تنبت الأرض البقل، واجتمع بها في عصر واحد من العلماء الذين بلغوا رتبة الإفتاء ثلاثمائة رجل، وإن بتربتها ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ وغيرهم من الصّحابة سبعين نفرا. انتهى ملخصا.

ثم قال في «النور»: ولد المترجم بتريم سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وأخذ عن عمّه الشيخ علي والفقيه محمد بن أحمد بالفضل، وقرأ الكثير، وأجازه علماء الآفاق كالسخاوي، والشيخ يحيى العامري اليمني، وغيرهما.

وعدّه جار الله بن فهد في «معجمه» من شيوخه في الحديث.

وقد ذكر العلّامة محمد بن عمر بحرق في كتابه «مواهب القدوس في مناقب ابن العيدروس»: من مناقبه جملة كافية شافية تنشرح بمطالعتها الصدور.

ثم قال في «النّور»: وكان من أكابر الأولياء، بل هو قطب زمانه كما شهد به العارفون بالله تعالى شرقا وغربا ولم يمتر في ذلك ذو بصيرة من أهل الطريق، وكان في الجود آية من آيات الله تعالى، يذبح لسماطه في رمضان كل يوم ثلاثين كبشا، ولذلك بلغت ديونه مائتي ألف دينار، فقضاها الأمير الموفق ناصر الدّين بالحلوان في حياته، فإنه كان يقول: إن الله وعدني أن لا أخرج من الدنيا إلّا وأدى عني ديني.

وحكى من مجاهداته أنه هجر النوم بالليل أكثر من ثلاثين سنة، ومن كراماته أنه لما رجع من الحجّ دخل زيلع، وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق، فاتفق أنه ماتت أم ولد للحاكم المذكور وكان مشغوفا بها، فكاد عقله يذهب لموتها، فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدّة الجزع ليعزيه ويأمره بالصّبر، وهي مسّجاة بين يديه بثوب، فعزّاه وصبّره فلم يفد فيه ذلك، وأكبّ على قدمي الشيخ يقبّلهما، وقال: يا سيدي إن لم يحي الله هذه متّ أنا أيضا، ولم تبق لي عقيدة في أحد، فكشف سيدي عن وجهها وناداها باسمها فأجابته: لبيك، وردّ الله روحها وخرج الحاضرون، ولم يخرج سيدي الشيخ حتى أكلت مع سيدها الهريسة وعاشت مدة طويلة.

قال: وقد صنّف في مناقبه غير واحد من العلماء الأعلام.

وله مؤلّفات منها ثلاثة «أوراد» بسيط، ووسيط، ووجيز، وديوان شعر منه:

أنا الجواد ابن عبد الله إن عرضتللجود مكرمة إني لها الشاري
للشاعر أبو بكر العيدروس، اقرأ القصيدة
وإني العيدروس ابن البتول إذاحرّ تسلسل من أصلاب أطهار
أما ترى أنّني قضيت دين أبيوكان ذاك ثلاثون ألف دينار
للشاعر أبو بكر العيدروس، اقرأ القصيدة
مجدي قديم أخير لا يسايرهمجد لما حزت من صبر وإيثار

توفي ليلة الثلاثاء رابع عشر شوال بعدن وقبره بها أشهر من الشمس الضاحية يقصد للزيارة والتبرك من الأماكن البعيدة. انتهى ملخصا قلت: ولعله هو مبتكر القهوة المتقدم ذكره في سنة تسع وتسعمائة، فليحرر، والله ﷾ أعلم.

وفيها شهاب الدّين أحمد بن كرك الصّالحي الحنفي العدل.

قال ابن طولون: اشتغل على شيخنا الزّيني بن العيني وغيره، وذهب إلى مصر صحبة التاج نائب ديوان القلعة، فمرض في بيت أمير مجلس سودون العجمي، فتوفي يوم السبت تاسع عشر شوال وأوقف وقفا على ذريته وعتقائه وقراءة بخاري. انتهى وبخط القاضي أكمل بن مفلح هذا جدّ والدتي أبو أمها وهو حلبي الأصل يعرف بابن شموا معلم دار الضرب بها ولابن شموا وقف بحلب، وفي آخره كتبه أكمل بن ستيته بنت آمنة بنت أحمد بن كرك. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن عيد الحنفي ولي نيابة القضاء بالقاهرة، وسافر إلى دمشق، وولي بها نيابة القضاء عن ابن يوسف، وتزوج بدمشق زوجة القاضي إسماعيل الحنفي، وطلع هو وهي إلى البستان بالمزّاز فنزل عليه السّراق ليلا فقتلوه وقتلوا غلامه، فأصبح نائب الشام سيباي رسم على زوجته بسببه، وكان ذلك يوم الخميس ثاني عشري ذي الحجة.

قاله في «الكواكب».

وفيها محيى الدّين عبد القادر بن محمد بن عثمان بن علي المارديني الأصل الحلبي المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشافعي، الشهير بالأبّار. هو وأبوه

لأنه كان يصنع الإبر بحانوت له، ثم اشتغل بالعلم ورحل في طلبه، وأخذ الحديث عن السّخاوي، وكتب له إجازة حافلة، وسمع منه المسلسل بالأولية وغيره وأخذ الفقه، وغيره عن الشمس الجوجري. وغيره، وأجازه وأذن له بالإفتاء، وأثنى عليه، ومدحه وأنشده لنفسه ملمحا ومضمنا.

كانت مساءلة الركبان تخبرناعن علمكم ثم عنكم أحسن الخبر
ثم التقينا وشاهدت العجائب منغزير علم حمته دقة النّظر
فقلت حينئذ والله ما سمعتأذناي أحسن مما قد رأى بصري

وبالجملة فقد برع وساد، وأكب واجتهد، حتّى صار فقيه حلب ومفتيها.

وأخذ عنه فضلاؤها، كالبرهان العمادي، والزّين بن الشّماع، وكان مع البراعة حسن العبارة، شديد التحرّي في الطّهارة، طارح التكلّف، ظاهر التقشف، حسن المحادثة، حلو المذاكرة، اتّفق على محبته الخاصّ والعام. وكانت علامة القبول والصّدق ظاهرة في أقواله وأفعاله.

قال ابن الحنبلي: وكان يقول نحن من بيت بماردين مشهور ببيت رسول، وجدنا الشيخ أرسلان الدمشقي غير أني لا أحب بيان ذلك خوفا من أن أنسب إلى تحميل نسبي على الغير وأن يقدح في بذلك.

وتوفي في يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة.

وفيها بدر الدّين محمد بن جمعة الفيّومي الحنفي أحد أعيان علماء مصر ومشاهيرهم.

دخل إلى الرّوم مرتين ودخل فيهما دمشق.

قال النجم الغزّي: وكتب بدمشق عند جوازه بها قاصدا للملك أبي يزيد بن عثمان في نصف صفر سنة ست وتسعين وثمانمائة لغزا صورته:

يا من له أدب وفضل لا يحدومحاسن فوق الحساب فلا تعد
ويحل إن نفث البليغ معانيافي مبهمات اللّفظ فهي لها عقد
ما اسم تركّب من حروف مثلماقد قامت الأركان منّا بالجسد
فاعجب لها من أربع قد ركّبتفردين مع زوجين في اللّفظ انعقد
فرد وزوج أوّلان اتّصلاكأنّ ذا وذاك روح وجسد
وآخران انفصلا بعدهماكعاشق معشوقه عنه انفرد
فبين فردين أتى زوج كذاما بين زوجين لنا فرد ورد
والأول النصف لثان عدّهوالثالث النصف لرابع العدد
والثالث الثلث الأوّل كمارابعه ثلث لثانيه يعد
وعدّ حرف منه ساوى عدد الباقي لمن قابل ذا بذا وعد
حرف له نصف وحرف ثلثوحرف السدس حسابا لن يرد
ذاك ثلاثة وهذا اثنان واللآخر إن تطلبه واحد أحد
يلقى الذي يلقاه أو لم يلقهجوى بقلب واجب طول الأبد
قد بان ما قد بان من لغز يرىطردا وعكسا في نظام اطّرد
فهاك لغزي إن ترد جوابهتجده دونه بدا يا ذا الرّشد
فأت به مبيّنا مفصّلاوحلّ ما في النّظم حلّ وانعقد

فأجابه شيخ الإسلام الجدّ بقوله:

يا سيّدا حاز الفضائل وانفردبمعارف قد جدّ فيها واجتهد
ما زلت تبدي كلّ حين تحفةبعجائب من بحر عرفان تمد
أرسلت لي لغزا بديعا وصفهعقدته بنوادر لا تنتقد
في اسم تركّب من حروف أربعمعلومة مثل الطبائع في العدد
فردين مع زوجين فيها ركّبامن أول مع آخر أيضا ورد
مع ما ذكرت به من الألغاز فينظم ببحر كامل منه استمد
وطلبت فيه جواب ما ألغزتهمنّي بتفصيل يحلّل ما انعقد
وجواب لغزك بيّن أوضحتهبصريح لفظ فيه بالمعنى اتّحد
النصف منه الربع أو إن شئت قلنصف وربع نصفه من غير رد
والربع نصف ربعه أو ضعفهمن طرده أو عكسه حيث اطّرد
والربع نصف سدسه أو سدسههندسة ما ثمّ من لها جحد
والقلب واجبا إذا انتدبتهلذا وليس خافيا على أحد
وهو الصواب إن حذفت أوّلاعوّضته بسورة بلا فند
وهو الجوى بحذف آخر وإنيبدل بدال فجواد ذو مدد
وإنه المسؤول عنه ظاهرافدم بجنّة الرّضا إلى الأبد

توفي الشيخ بدر الدّين بن جمعة صاحب الترجمة في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة. انتهى.

وفيها محمد بن زرعة المصري أحد أتباع الشيخ إبراهيم المتبولي.

قال المناوي في «طبقاته»: كان مشمولا بالبركة، مقبولا في السكون والحركة، أعلام ولايته مشهورة، وألوية مصارفه منشورة، وكان زمنا أقعده الفقراء بقنطرة قد يدار، ولم يزل قاعدا بالشباك الذي دفن فيه، وكان يتكلم ثلاثة أيام ويسكن ثلاثة أيام، ويتكلم على الخواطر. انتهى.

توفي في هذه السنة ودفن في الشباك الذي كان يجلس فيه.

وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن إسماعيل الشيخ الإمام العالم العلّامة الصالح الشهير بالقيراطي الدمشقي الشافعي.

ولد في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة.

قال الحمصي: وكان فاضلا مفننا، حفظ «المنهاج» للنّووي، والتصحيح الكبير عليه للشيخ نجم الدّين بن قاضي عجلون.

وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشر رمضان.

وفيها أقضى القضاة محيى الدّين يحيى بن شهاب الدّين أحمد بن حسن بن عثمان الزّرعي الشهير بالأخنائي الشافعي خليفة الحكم العزيز بدمشق.

ولد في خامس عشر رمضان سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وخطب مرة بالجامع الأموي عن قريبه قاضي القضاة نجم الدّين بن شيخ الإسلام تقي الدّين بن قاضي عجلون لضعف حصل للخطيب سراج الدّين الصّيرفي، فحصل له ارتعاد في الخطبة وكان ذلك تاسع شوال هذه السنة ثم توفي يوم الاثنين سابع القعدة ودفن بباب الصغير عند أبيه وأخيه غربي القلندرية.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.