تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا بابٌ من الفعل يستعمَلُ فى الاسم ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسمٌ آخَرَ فيَعْمَلُ فيه كما عَمِلَ فى الأوّل

وذلك قولك: رأيتُ قومَك أكثرَهم، ورأيتُ بنى زيد ثُلُثَيْهم، ورأيتُ بنى عمّك ناساً منهم، ورأيتُ عبدَ الله شخصهَ، وصَرفْتُ وجوهها أولها. فهذا يجيء على وجهينِ: على أنَّه أراد: رأيتُ أكثرَ قومك، و " رأيت " ثُلُثَى قومك، وصرفتُ وجوهَ أوّلِها، ولكنَّه ثَنَّى الاسمَ توكيداً، كما قال جلّ ثناؤه: " فَسَجَدَ الملائكة كلهم

أجْمَعُونَ " وأشباه ذلك. فمن ذلك قوله عز وجل: " يسألونك عن الشر الحرام قتال فيه ". وقال الشاعر:

وذكر تَقْتُدَ بَرْدَ مائهاوعَتَكُ البَوْلِ على أنسائِها

ويكون على الوجه الآخرَ الذى أذكره لك، وهو أن يَتكلّمَ فيقولَ: رأيتُ قومَك، ثم يَبْدوَ له أن يبيَّنَ ما الذى رأى منهم، فيقولَ: ثُلُثَيْهم أَو ناساً منهم.

ولا يجوز أن تقول: رأيتُ زيدا أباه، والأبُ غيرُ زيد، لأنّك لا تبينَّه بغيره ولا بشيء ليس منه. وكذلك لا تثنَّى الاسم توكيداً وليس بالأول ولا شيء منه، فإِنَّما تثنَّيه وتُؤكَّدُهُ مُثَنًّى بما هو منه أو هو هو. وإنّما يجوز رأيتُ زيداً أباه

ورأيت عمراً، أَن يكون أراد أن يقول: رأيتُ عمرا أو رأيتُ ابا زيد، فَغَلِطَ أو نَسِىَ، ثم استَدرك كلامَه بعدُ؛ " وإمّا أن يكون أَضْرَبَ عن ذلك فنَحَّاه وجعل عمراً مكانَه ".

فأَمّا الأوّل فجيّدٌ عربى، مثلُه قوله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع عليه سبيلا " لأنهم من الناس. ومثلُه إلاَّ أنَّهم أعادوا حرفَ الجرّ: " قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين اشتضعفوا لمن آمن منهم ".

ومن هذا الباب " قولك ": بعت متاعك أسفله قبل أَعلاه، واشتريتُ متاعَك أسفلَه أسَرعَ من اشترائى أَعلاه، واشتريتُ متاعَك بعضَه أعجلَ من بعض، وسقيت إبلك صغارها أحسن من سقي كِبارَها، وضربت الناسَ بعضَهم قائما وبعضَهم قاعداً، فهذا لا يكون فيه إلاَّ النصبُ؛ لأنَّ ما ذكرتَ بعده ليس مبنيّا عليه فيكونَ مبتدأ، وإنَّما هو من نعتِ الفعل، زعمتَ أنّ بَيْعَه أسفلَه كان قبل بيعه أعلاه، وأنّ الشَّراءَ كان فى بعضٍ أعجلَ من بعض، وسَقْيَه الصغارَ كان أحسنَ من سَقيه الكبار، ولم تَجعله خبراً لما قبله.

ومن ذلك قولك: مررتُ بمتاعك بعضِه مرفوعاً وبعضِه مطروحاًن فهذا

لا يكون مرفوعاً؛ لأنك حملت النعتَ على المرور فجعلته حالاً " للمرور " ولم تجعلْه مبنياًّ على المبتدأ. وإن لم تجعله حالاً للمرور جاز الرفع.

ومن هذا الباب: أَلزمتُ الناسَ بعضَهم بعضاً، وخَوّفتُ الناس ضعيفَهم قَوِيَّهم. فهذا معناه في الحديث المعنى " الذي " في قولك: خاف الناس ضعيفهم قويهم، ولَزِمَ الناسُ بعضُهم بعضاً، فلما قلت: أزلمت وخوّفتُ صار مفعولا، وأجريتَ الثانىَ على ما جرى عليه الأوّلُ وهو فاعلٌ، فصار فِعْلا تعدّى إلى مفعولينِ.

وعلى ذلك دَفعتُ الناسَ بعضَهم ببعضٍ، على قولك: دَفَعَ الناسُ بعضُهم بعضاً. ودخولُ الباء ههنا بمنزلة قولك: ألزمتُ، كأنَّك قلت فى التمثيل: أَدْفَعْتُ، كما أنكَ تقول: ذهبتَ به " من عندنا " وأَذهبتَه من عندنا، وأخرجتَه " معك " وخرجتَ به معك. وكذلك مَيَّزتُ متاعَك بعضَه من بعضٍ، وأَوصلتُ القومَ بعضَهم إلى بعضٍ، فجعلتَه مفعولا على حدّ ما جَعلتَ الذى قبله وصار قوله إلى بعض ومن بعض، فى موضع مفعولٍ منصوبٍ.

ومن ذلك: فضَّلتُ متاعَك أسفلَه على أعلاه، " فإنَّما جعله مفعولا من قوله: خَرَجَ متاعُك أسفُله على أعلاه "، كأنه قال فى التمثيل: فضَلَ متاعُك أسفلُه على أعلاه، " فعلى أعلاه فى موضع نصب ".

ومثل ذلك: صَكَكتُ الحَجَريْنِ أَحَدَهما بالآخَر، على أنَّه مفعول، من أصْطَكَّ الحجرانِ أحدُهما بالآخَر. ومثل ذلك " قوله عز وجل ": " وَلَوْلاَ دِفَاعُ

اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ".

وهذا ما يَجرى منه مجرورا كما يجرى منصوبا، وذلك قولك: عجبتُ من دَفْعِ الناسِ بعضِهم ببعضٍ، إذا جعلت الناسَ مفعولِينَ كان بمنزلة قولك: عَجِبْتُ من إذهابِ الناسِ بعضِهم بعضاً، لأنَّك إذا قلت: أَفعلتُ، استغنيتَ عن الباء، وإذا قلت: فَعلتُ احتجتَ إليها، وجرى فى الجرّ على قولك: دفعتُ الناسَ بعضَهم ببعضٍ. وإن جعلت الناسَ فاعِلينَ قلت: عجبتُ من دفعِ الناسِ بعضِهم بعضاً، جرى فى الجرَّ على حدَّ مجراه فى الرفع، كما جرى فى الأوَّل على مجراه فى النَّصب، وهو قولك: دفعَ الناسُ بعضُهم بعضاً.

وكذلك جميعُ ما ذكرنا إذا أَعملتَ فيه المصدرَ فجرى مجراه فى الفعل.

و" من " ذلك قولك: عَجِبْتُ من موافقةِ الناسِ أسودِهم أَحمرَهم، جرى على قولك: وافَقَ الناسُ أَسودُهم أَحمرَهم. وتقول: سمعتُ وَقعَ أَنْيابِه بعضِها فوقَ بعض، جرى على قولك: أَنْيابُه بعضُها فوق بعض. وتقول: عجبت من إيقاع أنيابه فوق بعض، على حد قولك: أوقعت أنيابه بعضها فوق بعض.

هذا وجهُ اتّفاقِ الرفعِ والنصبِ فى هذا الباب، واختيارِ النصب، واختيار الرفع.

تقول: رأيتُ متاعَك بعضُه فوقَ بعضٍ، إذا جعلتَ فوقاً فى موضع الاسم المبنىّ على المبتدإ وجعلتَ الأوّل مبتدأَ، كأنك قلت: رأيتُ متاعَك بعضُه أَحسنُ من بعض، ففوق فى موضع أحسَنُ.

وإن جعلتَه حالاً بمنزلة قولك: مررتُ بمتاعك بعضِه مطروحا وبعضِه مرفوعا، نصبتَه لأنه لم تَبْنِ عليه شيئاً فتَبتدِئَه. وإن شئت قلت: رأيت متاعك بعضه أحسن من بعض، فيكون بمنزلة قولك: رأيتُ بعضَ متاعِك الجيَّد، فوصلتَه إلى مفعولين لأنَّك أَبدلت، فصرتَ كأنّك قلت: رأيتُ بعضَ متاعك. والرفعُ فى هذا أَعْرَفُ، لأنّهم شبَّهوه بقولك: رأيتُ زيداً أبوه أَفضلُ منه، لأنّه اسمٌ هو للأوّل ومن سببه، " كما أن هذا له ومن سببه "، والآخِرُ هو المبتدأ الأول، كما أن الآخِر ههنا هو المبتدأُ الأوّل. وإن نصبتَ فهو عربىّ جيدّ.

ومما جاء فى الرفع قوله تعالى: " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ".

وممَّا جاء فى النصب أنّا سمعنا من يُوثَق بعربيّته يقول: خَلَقَ الله الزرافة يديها طول من رِجْلَيْها.

وحدّثنا يونسُ أنَّ العرب تُنْشِدُ هذا البيت، وهو لعَبْدةَ بن الطَّبيب:

فما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍولكنّه بُنيانُ قومٍ تَهَدَّمَا
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

وقال رجل من بَجيلَة أو خَثْعَمٍ:

ذَرِينى إنّ أَمْرَكِ لَنْ يُطاعَاوما أَلفَيْتِنِى حلِْمى مُضاعَا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال آخر فى البدل:

إن علي الله أن تبايعاتؤخذ كرهاً أو تجيء طائعَا

فهذا عربىٌّ حسَن، والأوّل أَعرف وأَكثر.

وتقول: جعلتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعض، فله ثلاثةُ أَوجُهٍ فى النصب: إن شئتَ جعلتَ فَوْقَ فى موضع الحال، كأنه قال: علمت متاعَك وهو بعضُه على بعض أى فى هذه الحال، كما جعلت ذلك فى رأيتُ في رؤية

العين. وإن شئت نصبتَه على ما نصبتَ عليه رأيته زيدا وجهَه أَحسَنَ من وجه فلان، " تريد رؤية القلب ".

وإن شئت نصبتَه على أنّك إذا قلت: جَعَلتُ متاعَك يدخله معنى أَلقيتُ، فيصيرُ كأَنّك قلت: أَلقيتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعض؛ لأنّ أَلقيتُ كقولك: أَسقطتُ متاعَك بعضَه على بعضٍ، وهو مفعولٌ من قولك: سَقَط متاعُك بعضُه على بعضٍ، فجرى كما جرى صَكَكْتُ الحَجَرَينِ أحدَهما بالآخَر. فقولك " بالآخر " ليس فى موضع اسمٍ هو الأوّلُ، ولكنّه فى موضعِ الاسم الآخِر فى قولك: صَكَّ الحَجَرَانِ أحدُهما الآخَرَ، ولكَّنك أَوصلتَ الفعلَ بالباء، كما أنّ مررتُ بزيدٍ الاسمُ منه في موضع اسمٍ منصوبٍ.

ومثل هذا: طرحتُ المتاعَ بعضَه على بعضٍ، لأن معناه أَسقطتُ فأُجرى مُجراه وإن لم يكن من لفظه فاعلٌ. وتصديقُ ذلك قولُه عز وجل: " ويجعل الخبيث بعضه على بعض ".

والوجه الثالث: أن تجعله مثل: ظننتُ متاعَك بعضَه أحسنَ من بعض. والرفعُ فيه أيضاً عربىّ كثير. تقول: جعلتُ متاعَك بعضُه على بعض، فوجهُ الرفع فيه على ما كان فى رأيتُ.

وتقول: أَبكيتُ قومَك بعضَهم على بعض، وحَزَّنتُ قومَك بعضَهم على بعض، فأَجريتَ هذا على حدّ الفاعل إذا قلت: بَكى قومُك بعضُهم على بعض، " وحَزِن قومُك بعضُهم على بعض "، فالوجه هنا النصب؛ لأنك

إذا قلت: أَحزنتُ قومَك بعضَهم على بعض، وأَبكيتُ قومَك بعضهم على بعض، لم ترد أن تقول: بعضُهم على بعض فى عَونٍ، ولا أَنّ أَجسادَهم بعضُها على بعض، فيكونَ الرفعُ الوَجْهَ؛ ولكنَّك أَجريته على قولك: بَكى قومك بعضها بعضاً، فإِنَّما أَوصلتَ الفعلَ إلى الاسم بحرف جرّ، والكلامُ فى موضع اسم منصوب، كما تقول: مررتُ على زيد ومعناه مررت زيداً.

فإِنْ قيل: حزَّنتُ قومَك بعضُهم أَفضلُ من بعضٍ، " وأَبكيتُ قومَك بعضُهم أكرمُ من بعضٍ "، كان الرفعة الوجهَ؛ لأنَّ الآخِر هو الأوّل ولم تجعله فى موضع مفعولٍ هو غيرُ الأوّل. وإن شئت نصبته على قولك: حزنت قومك بعضهم قائماً وبعضَهم قاعداً على الحال، لأنك قد تقول: رأيت قومك أكثرهم وحزنت قومك بعضَهم، فإِذا جاز هذا أَتْبَعتَهُ ما يكون حالاً. وإن كان مما يَتعدَّى إلى مفعولينِ أَنفذتَه إليه، لأنَّه كأَنه لم تذكر قبله شيئاً كأنه رأيتُ قومَك، وحزّنت قومك. إلاّ أَنَّ أَعربَه وأكثرَه إذا كان الآخِرُ هو الأوّلَ أن يُبْتَدَأَ. وإنْ أَجريتَه على النَّصب فهو عربىٌّ جيّد.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.