من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب الأفعال التي تستعمل وتلغى فهي ظننت، وحَسِبتُ، وخِلتُ، وأُريتُ ورأَيتُ، وزعمتُ، وما يتصرفّ من أفعالهن
فإِذا جاءتْ مستعمَلةً فهى بمنزلة رأيت وضربتُ وأََعطيتُ فى الإِعمال والبناءِ على الأوَّل، فى الخبر والاستفهام وفي كل شيء. وذلك قولك: أظُنُّ زيدا منطلقا، وأظنّ عمراً ذاهباً، وزيدا أظنُّ أخاك، وعمرا زعمتُ أباك.
وتقول: زيدٌ أظنّه ذاهبا. ومن قال: عبدَ الله ضربتُه نصَبَ " فقال ": عبدَ الله أظنّه ذاهبا.
وتقول: أظنُّ عمراً منطلقا وبكرا أظنّه خارجاً، كما قلت: ضربت زيداً وعمراً كلمه، وإن شئتَ رفعتَ على الرفع فى هذا.
فإِن ألغيتَ قلت: عبدُ الله أظنُّ ذاهبٌ، وهذا إخالُ أخوك، وفيها أُرَى أبوك. وكلَّما أردتَ الإِلغاء فالتأخيرُ أقوى. وكلٌّ عربىٌّ " جيدّ ".
وقال اللَّعين يهجو العجَّاج:
أَبِالأراجيزِ يا ابنَ اللُّؤْمِ توعدُِنُيوفى الأراجيز خِلْتُ اللُّؤْمُ والخَوَرُ
أنشدَنَاه يونسُ مرفوعا عنهم. وإنما كان التأخير أقوى لأنه " إنما " يجيء بالشكّ بعدما يَمْضِى كلامُه على اليقين، أو بعدما ما بتبدئ وهو يريد اليقينَ ثم يُدْرِكُه الشكُّ، كما تقول: عبدُ الله صاحبُ ذاك بلغَنى، وكما قال: من يقول ذاك تَدرِى، فأَخّرَ ما لم يَعمَلْ فيأوله كلامه. وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعدما مَضى كلامُه على اليقين، وفيما يَدرى.
فإذا ابتدأ كلامَه على ما فى نيّته من الشكَ أَعْملَ الفعلَ قدّم أوْ أخَّر، كما قال: زيداً رأيتُ، ورأَيتُ زيدا.
وكلَّما طال الكلامُ ضعُفَ التأخيرُ إذا أعملتَ، وذلك قولك: زيداً أخاك أظنُّ، فهذا ضعيفً كما يضعُفُ زيداً قائماً ضربتُ؛ لأنّ الحدَّ أن يكونَ الفعلُ مبتدأً إذا عَمِلَ.
وممّا جاء فى الشعر معمّلا فى زعمتُ زعمتُ قول أبى ذؤيب:
فإِن تَزْعُمينى كنتُ أجل فيكمفإني شربت الحِلَم بعدكِ بالجَهلِ
وقال النابغة الجعدىّ:
عَددتَ قُشَيْراً إذ عَددتَ فلم أُسَأْبذاك ولم أَزْعمْكَ عن ذاك مَعْزِلاَ
وتقول: أين تُرَى عبدَ الله قائما، وهل تُرَى زيداً ذاهبا، لأنَّ هل وأين كأَنَّك لم تذكرهما، لأنّ ما بعدهما ابتداءٌ، كأَنك قلت: أَتُرَى زيداً ذاهبا، وأتَظُنُّ عمرا منطلقا.
فإِن قلت: أين، وأنت تريد أن تجعلها بمنزلة " فيها " إذا استغنَى بها الابتداءُ، قلت: أين ترى زيدٌ، وأين تُرَى زيدا.
واعلم أن " قلت " إنما وقعت في كلام العرب على أن يُحْكى بها، وإنما تَحْكِى بعد القول ما كان كلاماً لا قولاً، نحو قلتُ: زيدٌ منطلقٌ لأنه يَحسن أن تقول: زيدٌ منطلقٌ، ولا تدخل " قلت ". وما لم يكن هكذا أسقط القول عنه.
وتقول: قال زيدٌ إنّ عمراً خيرُ الناس. وتصديق ذلك قوله جل ثناؤه: " وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك "، ولولا ذلك لقال: " أَنّ " الله.
وكذلك " جميع " ما تصرَّفَ من فعله، إلاّ " تَقولُ " فى الاستفهام، شبهوها بتظن، ولم يجعلوا كيظن وأظنّ في الاستفهام، لأنّه لا يَكادُ يُستفهَمُ المخاطَبُ عن ظنَّ غيره ولا يُستفَهم هو إلاّ عن ظنَّه، فإِنما جُعلتْ كتَظنّ، كما أنّ ما كَليسَ فى لغة أهل الحجاز ما دامت فى معناها، وإذا تَغّيرت عن ذلك أو قُدّم الخبرُ رجعتْ إلى القياس، وصارت اللُّغاتُ فيها كلغة تميمٍ.
ولم تُجْعَلْ " قلتُ " كظننتُ لأنَّها إنّما أصلُها عندهم أن يكون ما بعدها محكياً، فلم تُدْخَلْ فى باب ظننتُ بأكثرَ من هذا، كما أنّ " ما " لم تَقْوَ قوّةَ
ليس، ولم تقع فى كلّ مواضعها؛ لأنّ أصلها " عندهم " أن يكون ما بعدها مبتدأ.
وسأفسَّر لك إن شاء الله ما يكون بمنزلة الحرف فى شيء ثم لا يكون معه على أكثر أحواله، وقد بُيّن بعضُه فيما مضى.
وذلك قولك: متى تقول زيداً منطلقا، وأتقول عمراً ذاهبا، وأكلَّ يوم تقول عمراً منطلقاً، لا يفصل بها كما لا يُفْصَلْ بها فى: أكلَّ يوم زيدا تضربه. فإِن قلت: أََأَنت تقول زيدٌ منطلقٌ رفعتَ، لأنه فُصِلَ بينه وبين حرف الاستفهام، كما فصل فى قولك: أَأَنت زيدٌ مررتَ به، فصارت بمنزِلة أخواتها، وصارت على الأصل. قال الكميت:
أَجُهّالاً تَقول بنى لُؤَيٍّلَعَمْرُ أَبيكَ أم متجاهلينا
وقال عُمَرُ بن أبى ربيعة:
أمّا الرَّحيلُ فدونَ بَعْدِ غَدٍفَمتى تقولُ الدارَ تَجْمَعُنا
وإن شئتَ رفعتَ بما نصبتَ فجعلته حكاية.
وزعم أبو الخطّاب - وسألتُه عنه غير مرّة - أنا ناساً من العرب يوقف بعربيّتهم، وهم بنو سُلَيْمٍ، يجعلون بابَ قلتُ أجْمَعَ مثلَ ظننتُ.
واعلم أنَّ المصدر قد يُلْغَى كما يُلْغَى الفعلُ، وذلك قولُك: متى زيدٌ ظَنُّك ذاهبَّ، وزيدٌ ظنىَّ أخوك، وزيدٌ ذاهب ظني. فإن ابتدأ فقلت: ظنى زيدٌ ذاهبٌ كان قبيحاً، " لا يجوز البتّة، كما ضَعُفَ أَظُنُّ زيدٌ ذاهبٌ. وهو فى متى وأين أَحسنُ، إذا قلت: متى ظَنُّك زيدٌ ذاهبٌ "، ومتى تَظنُّ عمرو منطلقٌ؛ لأنَّ قبله كلاماً. وإنَّما ضعف هذا فى الابتداء كما يَضْعُفُ: غيرَ شكٍّ زيدٌ ذاهبٌ، وحقاَّ عمروٌ منطلقٌ.
وإن شئتَ قلتَ: متى ظنُّك زيداً أميراً، كقولك: متى ضربُك عمراً.
وقد يجوز أن تقول: عبدُ الله أظنُّه منطلقٌ، تجعلُ هذه الهاء على ذاك، كأَنَّك قلت: زيدٌ منطلقٌ أظنُّ ذاك، لا تجعل الهاء لعبد الله، ولكنّك تجعلُها ذاك المصدرَ، كأَنه قال: أظنُّ ذاك الظنَّ، أو أظنُّ ظنّى. فإِنّما يَضعُف هذا إذا ألغيتَ، لأنَّ الظنَّ يُلْغَى فى مواضعِ أَظنُّ حتى يكونَ بدلاً من اللفظ به، فكرِهَ إظهارُ المصدرِ ههنا، كما قَبُحَ أ، يظهر ما انتصب عليه سَقْياً. " وسترى ذلك إن شاء الله مبيَّنا ".
ولفظك بذاك أحسن من لفظ بظني. فإذا قلت: أظنُّ ذاك عاقلٌ، كان أحسنَ من قولك: زيدٌ أظنُّ ظنىَّ عاقل ذاك أحسن، لأنه ليس بمصدر، وهو اسمٌ مُبْهَمٌ يقع على كل شيء. ألا ترى أنَّك لو قلت: زيدٌ ظنىَّ منطلقٌ، لم يحسُن ولم يجز أن تضع ذاك موضع ظنّى. وتَرْكُ ذاك فى أظنُّ إذا كان لَغْواً أقوى منه إذا وقع على المصدر " لأنَّ ذاك إذا كان مصدراً فإنك لا تجيء به، لأن المصدر يقبح أن تجيء به ههنا، فإِذا قَبُحَ المصدرُ فمجيئُك بذاك أقبحُ لأنّه مصدر ". وإذا ألغيت فقلت: عبد الله أظنُّ منطلق، فهذا أجمل من قولك: أظنّه. وأظنّ بغير هاءٍ أحسن لئلا يلتبس بالاسم، وليكون أبْينَ فى أنه ليس يَعْمَلُ.
فأمّا ظننت أنّه منطلقٌ فاستُغْنى بخبر أنَّ، تقولُ: أظنُّ أّنّه فاعلٌ كذا
وكذا، فتستغنى. وإنّما يُقْتصَرُ على هذا إذا علم أنه مستغن بخبر أنه.
وقد يجوز أن تقول: ظننتُ زيداً، إذا قال: من تظنُّ، أى من تَتهمُ؟ فتقول: ظننتُ زيداً، كأَنه قال: أتَّهَمْتُ زيدا. وعَلَى هذا قيل: ظَنينٌ " أى مُتَّهَمٌ ". ولم يَجْعَلوا ذاك فى حَسِبتُ وخِلْتُ وأُرَى؛ لأنّ من كلامهم أن يدخلوا المعنى في الشيء لا يَدْخل فى مثله.
وسألتُه عن أيُّهم، لِمَ لَمْ يقولوا: أَيَّهم مررتَ به؟ فقال: لأن أَيَّهم " هو " حرف الاستفهام، لا تَدخل عليه الألفُ وإِنما تُرِكَتِ الألفُ استغناءً فصارت بمنزلة الابتداء. ألا ترى أنّ حَدّ الكلام أن تؤخَّرَ الفعلَ فتقولَ: أَيَّهم رأيتَ، كما تَفْعَلُ ذلك بالألف، فهى نفسُها بمنزلة الابتداء.
وإن قلت: أَيُّهم زيداً ضَرَبَ قَبُح، كما يقبح فى متى ونحوها، وصار أَن يَلِيَهَا الفعلَ هو الأصلُ، لأنّها من حروف الاستفهام، ولا يُحتاجُ إلى الألف،
فصارت كأََينَ.
وكذلك مَنْ وما، لأنَّهما يَجريان معها ولا يُفارِقانها. تقول: مَنْ أَمَةَ الله ضَرَبَها، وما أَمَةَ الله أَتاها، نَصْبٌ فى كلَّ ذا، لأنّه أَنْ يَلِىَ هذه الحروفَ الفعلُ أولى، كما أنه لو اضطُرَّ شاعرٌ فى متى وأخواتها نصبَ. فقال: متى زيداً رأيته.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع