تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب ما يَجْرِى ممّا يكون ظرفاً هذا المجرَى

وذلك قولك يومُ الجُمعة أَلقاك فيه، وأقلُّ يومٍ لا أَلقاك فيه، وأَقلُّ يومٍ لا أصومُ فيه، وخَطيئُة يومٍ لا أَصيدُ فيه، ومكانُكم قمتُ فيه. فصارت هذه الأَحرفُ تَرتفع بالابتداء كارتفاع عبِد الله، وصار ما بعدها مبنيَّا عليها كبناء الفعل على الاسم الأوّل، فكأنّك قلتَ: يومُ الجمعةُ مبارَكٌ ومكانُكم حسنٌ، وصار الفعُل فى موضع هذا.

وإنَّما صار هذا كهذا حين صار فى الآخِرِ إضمارُ اليوم والمكانِ، فخرج مِنْ أنْ يكونَ ظرفا كما يخُرجُ إِذا قلتَ: يومُ الجمعةِ مبارَكٌ، فإِذا قلت: يومُ الجمعة صُمتْهُ فصُمتهُ فى موضع مباركٍ حيثُ كان المُضْمَرُ هو الأوَّلَ كما كان المبارَكُ هو الأوّلَ.

ويدَخل النصبُ فيه كما دخل فى الاسم الأوّل، ويجوز فى ذلك يومَ الجمعةِ آتيك فيه وأَصومُ فيه، كما جاز فى قولك: عبدَ الله مررتُ به كأنه قال: أَلقاك يومَ الجمعةِ، فنصبَه لأنّه ظرفٌ ثم فسَّر فقال أَلقاكَ فيه. وإن شاء نصبه على الفعل نفسِه كما أَعمل فيه الفعلَ الذى لا يتعدى إلى مفعول، كل ذلك عربي جيّد. أوْ نَصبهَ لأنّه ظرفٌ لفعلٍ أَضْمَرَه، وكأنّه قال: يومَ الجمعةِ أَلقاك.

والنصبُ فى: يومَ الجمعة صُمْته ويومَ الجمعة سِرْتُه، مثلُه فى قولِك: عبدَ الله ضربتُه، إِلاّ أنّه إِن شاء نصبَهَ بأنّه ظرفٌ، وإِن شاء أَعمَلَ فيه الفعلَ كما أَعملَهُ فى عبد الله، لأنّه يكونُ ظرفاً وغيرَ ظرفٍ.

ولا يحسُنُ فى الكلام أن يَجْعَلَ الفعلَ مبنيَّا على الاسم ولا يَذْكُرَ علامةَ إِضمارِ الأوّل حتى يَخرج من لفظِ الإِعمال فى الأوّل ومن حالِ بناء الاسم عليه ويَشْغَلَه بغير الأوّل حتى يمتنِعَ من أن يكونَ يَعْمَلُ فيه، ولكنّه قد يجوز فى الشعر، وهو ضعيفٌ فى الكلام. قال الشاعر، وهو أبو النجم العِجْلىّ:

قد أَصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعىعلّى ذَنْباً كلُّه لم أَصْنَعِ

فهذا ضعيفٌ، وهو بمنزلته فى غير الشَّعر؛ لأنّ النصب لا يسكر البيتَ ولا يُخِلُّ به تركُ إِظهار الهاء. وكأنه قال: كلُّه غيرُ مصنوع. وقال امرُؤُ القيس:

فأَقْبَلتُ زَحْفاً علَى الرُّكْبَتَيْنِفثَوْبٌ لبست وثَوْبٌ أَجُرّْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «فَأَقْبَلت زحفا على الرُّكْبَتَيْنِ»

وقال النَّمِرُ بن تَوْلَبٍ:

فَيْومٌ عَلينا ويوم لناويومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرّْ
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

سمعناه من العرب ينشدونه. يريدون: نُساءُ فيه ونُسَرّْ فيه.

وزعموا أنّ بعض العرب يقول: شهرٌ ثَرى، وشهرٌ تَرى، وشهرٌ مرْعَى. يُريد: تَرى فيه. وقال:

ثَلاثُ كلّهُنّ قَتلتُ عَمْدافاَخْزَى الله رابعة تَعُودُ

فهذا ضعيفٌ، والوجهُ الأكثرُ الأعرفُ النصبُ، وإنَّما شبّهوه بقولهم:

الذى رأيتُ فلانٌ، حيث لم يَذكروا الهاء. وهو فى هذا أحسن، لأن رأيتُ تمامُ الاسم، به يتم، وليس بخبرٍ ولا صفةٍ، فكَرهوا طولَه حيث كان بمنزلة اسمٍ واحدٍ، كما كرِهوا طولَ اشْهِيبابٍ فقالوا: اشْهِباب. وهو فى الوصف أمثلُ منه فى الخبر وهو على ذلك ضعيفٌ، ليس كحُسنْه بالهاء، لأنّه فى موضع ما هو من الاسم وما يَجْرِى عليه، وليس بمنقطعٍ منه خبرا مبنيًّا عليه ولا مبتدأً، فضارَعَ ما يكون من تَمامِ الاسم وإن لم يكن تماماً له ولا منه فى البناء. وذلك قولُك: هذا رجلٌ ضربتهُ، والناسُ رجلانِ: رجلٌ أكرمته ورجلٌ أهنتهُ، كأنّه قال: هذا رجلٌ مضروبٌ، والناسُ رجلانِ: رجلٌ مُكْرَمٌ ورجلٌ مْهان. فإن حذفتَ الهاء جاز وكان أَقْوَى ممّا يكون خبراً. وممّا جاء فى الشعر من ذلك قولُ جرير:

أَبَحتَ حِمى تِهامَةَ بَعدَ نَجدٍوَما شَيءٌ حَمَيتَ بِمُستَباحِ
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

يريد الهاء. وقال الشاعر، الحرث بن كَلَدَةَ:

فما أَدْرِى أَغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍوطُولُ العَهْدِ أَمْ مالٌ أَصَابُوا

يريد: أصابوه، ولا سبيلَ إلى النصب وإن تركَتَ الهاء لأنَّه وصفٌ، كما لم يكن النصبُ فيما أَتممتَ به الاسم، يعنى الصلةَ. فمن ثمَّ كان أقوى مما يكون فى موضع المبنىّ على المبتدإ، لأنه لا يُنْصَبُ به. وإنّما مَنَعَهم أن يَنْصِبُوا بالفعل الاسمَ إذا كان صفةً له أن الصفة تمامُ الاسم، ألا ترى أنّ قولَك مررتُ بزيدٍ الأَحمرِ كقولك مررتُ بزيد، وذلك أنكّ لو احتجتَ إلى أن تَنعت فقلتَ: مررتُ بزيد وأنت تريد الأحمرَ وهو لا يُعْرَفُ حتّى تقول الأَحمر، لم يكن تَمَّ الاسمُ، فهو يَجرِى منعوتا مَجْرى مررت بزيد إذا كان يُعْرَف وحدَه، فصار الأَحمر كأنّه من صلته.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.