تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب الفاعلَيْنِ والمفعولَيْن اللذين كلُّ واحد منهما يَفْعَلُ بفاعله مثل الذى يَفْعَلُ به وما كان نحو ذلك

وهو قولك: ضربتُ وضَربَنَى زيدٌ، وضربَنى وضربتُ زيداً، تَحمل الاسمَ على الفعل الذى يَليه. فالعاملُ في اللفظ أحدُ الفعلينِ، وأمّا في المعنى

فقد يُعْلم أنَّ الأوّل قد وقع إلاّ أنّه لا يُعْمَلُ في اسمٍ واحدٍ نصبٌ ورفعٌ.

وإنّما كان الذى يليه أوْلَى لقُربِ جِواره وأنه لا ينقُضُ معنىً، وأنّ المخاطَبَ قد عَرَفَ أنَّ الأوّلَ قد وقع بزَيْدٍ، كما كان خَشَّنْتُ بصدرِه وصدرِ زيدٍ، وجهَ الكلاِم، حيث كان الجرُّ في الأول وكانتِ الباءُ أقربَ إلى الاسم من الفعل ولا تَنقض معنّى، سَوَّوْا بيْنهما في الجرّ كما يَسْتَوِيان في النصب.

ومما يقوَّى تركَ نحوِ هذا لعلم المخاطَب، قولُه عز وجل: " والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " فلم يُعْمِل الآخِرَ فيما عمل فيه الأوّلُ استغناءً عنه ومثلُ ذلك: ونَخْلَعُ ونَتْرُكُ من يَفْجُرك.

وجاء في الشعر من الاستغناء أشدُّ من هذا، وذلك قول قيسِ بن الخَطيم:

نَحْنُ بِما عِنْدنا وأنتَ بِماعِنْدَكَ راضٍ والرأي مختلف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وقال ضابيء البرجمي:

فمن يك أمسى بالمدينة رَحْلُهُفإِنّى وقَيّاراً بها لَغَرِيبُ

وقال ابن أَحمرَ:

رَمانى بأمرٍ كنتُ منه ووالِدِىبَرِيئاً ومن أَجْلِ الطوِىَّ رَمانِى
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «رماني بأمر كنت منه ووالدي»

فوَضع في موضع الخبر لفظَ الواحد لأنّه قد عَلِم أنَّ المخاطَبَ سيَستدلّ به على أن الآخَرِين في هذه الصفة. والأولُ أجودُ لأنّه لم يَضَعْ واحداً في موضع جمعٍ، ولا جمعاً في موضع واحدٍ.

ومثله قولُ الفرزدق:

إنَّى ضَمِنْتُ لمنْ أَتانِى ما جَنَىوأَبَى فكانَ وكنتُ غيرَ غَدُورِ

تركَ أن يكون للأول خبرٌ حين استغنى بالآخِر لعِلم المخاطَب أنَّ الأوّلَ قد دخل في ذلك. ولو تَحْمِل الكلامَ على الآخِرِ لقلتَ: ضربتُ وضربوني قومَك، وإنّما كلامُهم: ضربتُ وضربَنى قومُك. وإذا قلت ضربَنىِ، لم يكنَ سبيلٌ للأوّلَ، لأنّك لا تقول ضربَنى وأنت تَجعْلُ المُضْمَر جميعاً، ولو أعملتَ الأوّلَ لقلتَ مررتُ ومرَّ بي بزيدٍ. وإنَّما قُبح هذا أَنَّهم قد جعلوا الأقربَ أولى إذا لم يَنْقُضْ معنًى. قال الشاعر، وهو الفرزدق:

ولكِنّ نِصفاً لو سبَبَْتُ وسبَنَّىبَنُو عَبْدِ شَمْسِ من مَنافٍ وهاشم

وقال طُفيلٌ الغنوىّ:

وكمْتاً مُدَمّاةً كأنّ مُتونَهاجَرَى فوقَها واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ
للشاعر طفيل الغنوي، من قصيدة «مطوت بهمْ حتى تكلَّ مطيهم»

وقال رجل من باهلةَ:

ولَقَدْ أَرَى تَغْنَى به سَيْفانَةتُصْبِى الحَلِيمَ ومثلُها أَصْبَاهُ

فالفعلُ الأوّل في كل هذا مُعْمَلٌ في المعنى وغيرُ مُعْمَلِ في اللفظ، والآخِرُ مُعْمَلٌ في اللفظ والمعنى.

فإِن قلتَ: ضربتُ وضربوني قومَك نصبتَ، إلا في قول من قال: أَكَلُونى البراغيثُ، أو تَحملُه على البَدَل فتجعله بدلاً من المضمَر، كأنّك قلت: ضربتُ وضربنى ناسٌ بنو فلان.

وعلى هذا الحدَّ تقول: ضربتُ وضربنى عبدَ الله، تُضْمِرُ فى ضربَنْى كما أضمرتَ فى ضربونى.

فإن قلت: ضربَنى وضربَتُهم قومُك رفعتَ لأنَّك شغلتَ الآخِر فأضمرتَ فيه، كأنّك قلت ضربَنْى قومُك وضربتهم على التقديم والتأخير، إلاّ أن تَجعل ههنا البدل كما جعلته فى الرفَع. فإن فعلت ذلك لم يكن بدٌّ من ضربونى لأنّك تضْمِرُ فيه الجمعَ. قال عُمَرُ بنُ أبى ربيعةَ:

إذا هى لم تَسْتَكْ بِعُودِ أراكَةٍتُنُخَّلَ، فاسْتَاكتْ به، عُودُ إسْحِلِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ديار لسعدى إذ سعاد جداية»

لأنه أضمرَ فى آخر الكلام. وقال المرار الأسدي:

فرد على الفُؤاد هَوًى عَميداًوسُوئلَ لو يُبينُ لنا سؤالاَ
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
وقد نَغْنَى بها ونرى عُصوراًبها يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدالاَ
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

حدّثنا به أبو الخَطَّاب عن شاعرِه.

وإذا قلت: ضربونى وضربتُهم قومَك جعلتَ القومَ بدلا من هُمْ؛ لأنَّ الفعل لا بد له من فاعلٍ، والفاعلُ ههنا جماعةٌ وضميرُ الجماعة الواوُ.

وكذلك تقول: ضربوني وضربتُ قومَك، إذا أَعْمَلْتَ الآخِر فلا بدَّ فى الأّوّل من ضمير الفاعلِ لئلاَّ يَخْلُوَ من فاعلٍ. وإنَّما قلت: ضربتُ وضربَنى قومُك فلم تَجعل في الأوّل الهاءَ والميمَ، لأنّ الفعل قد يكون بغير مفعول ولا يكون الفعلُ بغير فاعل.

وقال امرؤ القيس:

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةكفانِى ولم أطْلُبْ قليلٌ مِنَ المَالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فإنَّما رفعَ لأنَّه لم يَجعل القليلَ مطلوباً، وإنَّما كانَ المطلوبُ عندهَ المُلْكَ وجعل القليل كافياً، ولو لم يرد ونصبَ فَسَدَ المعنى.

وقد يجوز ضربتُ وضربَنى زيدا؛ لأنَّ بعضَهم قد يقول: متى رأيتَ أو قلتَ زيداً منطلقاً، والوجهُ متى رأيتَ أو قلتَ زيدٌ منطلقٌ.

ومثلُ ذلك فى الجوازِ ضربَنى وضربتُ قومُك، والوجهُ أن تقولَ: ضربونى وضربتُ قومَك، فتحملَه على الآخِر. فإن قلت: ضربَنى وضربتُ قومَك

فجائز وهو قبيحٌ، أَنْ تَجعل اللفظ كالواحد كما تقول: هو أَحسنُ الفِتيانِ وأجملُه وأَكرمُ بَنِيه وأَنبَلُه.

ولا بد من هذا، لأنّه لا يَخلو الفعلُ من مضمَرٍ أو مظهَرٍ مرفوعٍ من الأسماء، كأنّك قلت إذا مثّلتَه: ضربَنى مَن ثَمَّ وضربتُ قومَك. وتركُ ذلك أجود وأحسن، للتبيان الذي يجيء بعده، فأُضمر مَنْ لذلك.

قال الأخفش: فهذا رديء في القياس يَدخل فيه أنْ تقول: أَصحابُك جلس، تضمر شيئاً يكون في اللفظ واحداً. فقولهم: هو أَظْرَفُ الفِتيانِ وأجملُه لا يُقاس عليه، ألا ترى أنَّك لو قلت وأنت تريد الجماعةَ: هذا غلامُ القومِ وصاحبهُ لم يَحسن.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.