تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب ما يكون فيه المصدرُ حِيناً لسعة الكلام والاختصار

وذلك قولك: مَتَى سير عليه؟ فيقول الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلانس، وصَلاةَ العَصْر. فإِنَّما هو: زَمَنَ مَقْدمِ الحاجَّ، وحينَ خُفوقِ النجم، ولكنَّه على سعة الكلام والاختصار.

وإن قال: كَمْ سيرَ عليه، فكذلك.

وإن رفعته أجمع كان عربياً كثيراص. وينتصب على أن تَجعل كَمْ ظَرْفا. وليس هذا فى سعة الكلام والاختصار بأَبعدَ من: صيد عليه يومان، وولد له ستون عاما.

وتقول: سير عليه فرسخانِ يومَيْنِ، لأنَّك شغلت الفعلَ بالفرسخَيْنِ، فصار كقولك: سير عليه بَعيرُك يومَيْنِ. وإن شئت قلت: سير عليه فرسخَيْنِ يومانِ، أيُّهما رفعتَه صار الآخَرُ ظرفا. وإن شئت نصبته على الفعل فى سعة الكلام لا على الظَّرف، كما جاز: يا ضارِبَ اليوم زيدا، أوْ يا سائرَ اليومِ فرسخَينِ.

وتقول: صِيدَ عليه يومَ الجُمُعةِ غُدوةُ يا فتى، وإن شئتَ جعلته ظرفاً؛ لأنّك كأنَّك قلت: السَّيْرُ فى يوم الجُمُعة فى هذه الساعة. وإن شئت قلت: سير عليه الجُمُعَةِ غُدوةَ، كما تقول: سيرَ عليه يومُ الجُمُعة صَباحاً، أى سيرَ عليه يومُ الجمعة فى هذه الساعة. وإنَّما المعنى كان ابتداءُ السَّير فى هذه الساعة.

ومثلُ ذلك: ما لقِيتُه مُذْ يومِ الجمعة صَباحاً، أى فى هذه الساعة، وإنّما معناه أنَّه فى هذه الساعة وقَعَ الَّلقاءُ، كما كان ذلك فى: سِيرَ عليه يومُ الجمعة غدوةَ.

وتقول: سيرَ عليه يومُ الجمعة غدوةُ، تجعل غدوةُ بَدَلا من اليوم، كما تقول: ضُرِبَ القومُ بعضُهم.

وتقول: إذا كان غد فأتى، وإذا كان يومُ الجمعة فالْقَنى؛ فالفعل لغدٍ واليوم، كقولك: إذا غد فأتى. وإن شئت قلت: إذا كان غداً فأتى، وهى لغة بنى تميم، والمعنى أَنّه لقى رجلا فقال له: إذا كان ما نحن عليه من السَّلامة أو كان ما نحن عليه من البلاء في غد فأتى، ولكنَّهم أَضمروا استخفافاً، لكثرةِ كانَ فى كلامهم، لأنَّه الأصلُ لما مَضى وما سَيَقَعُ. وحذفوا كما قالوا: حِينَئِذٍ الآنَ، وإنّما يريد: حينئذٍ واسْمَعْ إلىَّ الآنَ، فحَذَفَ واسمعْ، كما قال: تالله ما رأيت كاليوم زجلاً، أى كرجلٍ أَراه اليومَ رَجُلاً.

وإنَّما أضمرُوا ما كان يقَع مُظهَرا استخفافاً، ولأن المخاطَب يعلم ما يعنى، فجرى بمنزلة المثل، كما تقول: لا عليكَ، وقد عَرَفَ المخاطبُ ما تعنى، أَنّه لا بأْسَ عليك، ولا ضَرَّ عليك، ولكنَّه حُذِف لكثرة هذا فى كلامهم. ولا يكون هذا في غير عليك.

وقد تقول: إذا كان غَداً فأْتِنى، كأنّه ذكر أمراً إمَّا خُصومًة وإمّا صُلحاً، فقال: إذا كان غداً فأْتِنى.

فهذا جائزٌ فى كلّ فِعْلٍ، لأنَّك إنما أَضمرتَ بعد ما ذكرتَ مظهَراً، والأوَّلُ محذوفٌ منه لفظُ المظهَر، وأضمروا استخفافاً.

فإِن قلت: إذا كان الليلَ فأتِنى، لم يَجُزْ ذلك، لأنَّ الليل لا يكون

ظرفاً إلاَّ أَنْ تَعْنِىَ الَّليلَ كلَّه على ما ذكرت لك من التكثير؛ فإِن وجَّهتَه على إضمار شيء قد ذكرتَ على ذلك الحدّ جاز، وكذلك: أخوات الليل.

ومما لا يسن فيه إلاّ النصبُ قولهم: سير عليه سَحَرَ، لا يكون فيه إلاّ أن يكون ظرفاً، لأنَّهم إنما يتكلّمون به فى الرفع والنصب والجرّ، بالألف واللام، يقولون: هذا السَّحَرُ، وبأَعلى السَّحرِ، وإنّ السَّحَرَ خيرٌ لك من أوّل الليل. إلاّ أن تَجعله نكرةً فتقولَ: سير عليه سَحَرٌ من الأسحار، لأنَه يَتمكّن فى الموضع. وكذاتحقيره إذا عنيت سَحَرَ ليلتِكَ، تقول: سيرَ عليه سُحَيْراً. ومثله: سير عليه ضُحىً، إذا عنيتَ ضُحَى يومِك، لأنَّهما لا يَتمكّنان من الجرّ فى هذا المعنى، لا تقول: موعدُك ضُحىً ولا عند ضُحىً ولا موعدُك سُحَيْرٌ، إلاَّ أن تنصبَ.

ومثل ذلك: صِيدَ عليه صَباحا، ومَساءً، وعشيّةً، وعِشاءً، إذا أردت عِشاء يومِك ومَساءَ ليلتك؛ لأنَّهم لم يَستعملوه على هذا المعنى إلاَّ ظرفا. ولو قلت: موعدُك مساءٌ، أو أتانا عند عشاءٍ، لم يحسُن.

ومثل ذلك: سير عليه ذاتَ مرةٍ، نصبٌ، لا يجوز إلاّ هذا. ألاَ ترى أنَّك لا تقول: إنَّ ذاتَ مرّةٍ كان موعدَهم، ولا تقولُ: إنَّما لك ذاتُ مرّةٍ، كما تقول: إنَّما لك يومٌ.

وكذلك: إنَّما يُسارُ عليه بُعَيْداتِ بَيْنٍ، لأنَّه بمنزلة ذاتِ مرّةٍ.

ومثل ذلك: سير عليه بَكَراً. ألا تَرى أنه لايجوز: موعدك بكراً، ولا مُذْ بَكَرٌ. فالبَكَرُ لا يَتمكّن فى يومك، كما لم يتمكن مرّة وبُعَيداتِ بَينٍ.

وكذلك: ضَحْوَةٌ فى يومك الذى أنت فيه، يجرى مجرى عشيّةِ يومِك الذى أنت فيه. وكذلك: سير " عليه " عَتَمةً، إذاأردت عتمةَ ليلتِك، كما تقول: صبَاحا ومساءً وبَكَراً.

وكذلك: سير عليه ذاتَ يومٍ، وسِيرَ عليه ذات ليلةٍ، بمنزلة ذاتَ مرةٍ.

وكذلك: سير عليه ليلاً ونهارا، إذا أردت ليلَ ليلِتك ونهارَ نهارِك، لأنَّه إنما يُجْرَى على قولك: سير عليه بََصراً، وسير عليه ظَلاما، إلاّ أن تريدَ " معنى " سير عليه ليلُ طويلُ ونهارُ طويلُ، فهو على ذلك الحدّ غيرُ متمكنَّ، وفى هذا الحال متمكنُ، كما أنَّ السَّحَرَ بالألف واللام متصرفُ في المواصع التى ذكرتُ، وبغَيْرِ الألف واللام غيرُ متمكَّن فيها.

وذو صباحٍ بمنزلة ذاتَ مرةٍ. تقول: سير عليه ذا صباحٍ، أَخبرَنا بذلك يونسُ عن العرب، إلا أنّه قد جاء فى لغةٍ لخَثْعَم مفارقا لذاتِ مرةٍ وذاتِ ليلةٍ. وأَمّا الجيّدةُ العربيّة فأن تكون بمنزلتها.

وقال رجل من خَثعَمٍ:

عزمت على إقامة ذي صباحلشيء مّا يسوَّدُ مَنْ يَسُودُ

فهو على هذه اللغة يجوز فيه الرفعُ.

وجميع ما ذكرنا من غير المتمكَّن إذا ابتدأتَ اسماً لم يجز أن تبنيَه عليه وترفعَ إلاَّ أَن تجعلَه ظرفا، وذلك قولك: موعدُك سُحَيراً، وموعدُك صباحا. ومثل ذلك: إنّه لَيُسارُ عليه صباحَ مَساءَ، إنما معناه صَبَاحاً ومَساءً، وليس يريد بقوله صباحا ومساءً صباحا واحداً ومساءً واحداً، ولكنه يريد صباحَ أَيّامه ومساءَها. فليس يجوز هذه الأسماءُ التى لم تتمكّنْ من المصادر التى وُضِعَتْ للحِين وغيرِها من الأسماء أن تُجْرَى مُجرى يوم الجمعة وخُفوقِ النجم ونحوِهما.

ومما يُختار فيه أن يكون ظرفاً ويقبُحُ أن يكون غيرَ ظرف، صفةُ الأحيان، تقول: سير عليه طويلاً، وسير عليه حديثا، وسير عليه كثيراً، وسير عليه قليلا، وسير عليه قديما. وإنّما نُصِبَ صفةُ الأَحيان على الظرف ولم يجز الرفعُ لأنَّ الصفَّة لا تقع مَواقِعَ الاسم، كما أنَّه لا يكون إلاّ حالا قولُه: أَلاَ ماءَ ولو بارداً، لأنه لو قال: ولو أتانى باردٌ، كان قبيحا. ولو قلت: آتيك بجيدٍ، كان قبيحا حتَّى تقولَ: بدِرْْهَمٍ جيّدٍ، وتقولَ: آتيك به جيّداً. فكما

لا تَقوى الصَّفةُ فى هذا إلاَّ حالاً أو تجري على اسم، كذلك هذه الصفة لا تجوز إلاَّ ظرفا أو تَجرِىَ على اسم. فإِنْ قلت: دهرٌ طويل، أي شيء كثيرٌ أو قليلٌ، حَسُنَ.

وقد يَحْسُنُ أن تقول: سير عليه قَريبٌ؛ لأَنك تقول: لقيتُه مُذْ قَريبٌ. والنصب عربىّ جيّد كثير.

وربَّما جرت الصفةُ فى كلامهم مجرى الاسم، فإِذا كان كذلك حَسُنَ. فمن ذلك: الأَبرقُ والأبطحُ وأَشباهُهما، ومن ذلك ملىٌ من النهار واللَّيل، تقول: سير عليه ملىٌ، والنصبُ فيه كالنصب فى قريبٍ.

ومما يبيَّن لك أنَّ الصفة لا يَقْوَى فيها إلاّ هذا، أنَّ سائلا لو سأَلَك فقال: هل سير عليه؟ لقلت: نَعَمْ سير عليه شديدا، وسير عليه حسناً. فالنصبُ فى هذا على أنَّه حال. وهو وجهُ الكلام، لأنَّه وصفُ السَّيْرِ. ولا يكون فيه الرفعُ لأنَّه لا يقع موقعَ ما كان اسماً. ولم يكن ظرفاً، لأنه ليس بحينٍ يقع فيه الأمرُ. إلاَّ أن تقول: سِيرَ عليه سَيْرٌ حسنٌ، أو سيرَ عليه سَيْرٌ شديدٌ. فإِن قلت: سيرَ عليه طويلٌ من الدهر وشديدٌ من السير، فأطلت الكلام ووصفتَ، كان أَحسنَ وأَقوى وجاز، ولا يَبلغ فى الحُسْن الأسماءَ. وإنَّما جاز حين وصفتَ وأَطلتَ، لأنَّه ضارَعَ الأسماءَ، لأنَّ الموصوفةَ فى الأصل هى الأسماءُ.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.