تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب ما يكون من المَصادر مفعولا فيرتَفعُ كما يَنتصب إذا شغلت الفعل به، ويَنتصب إذا شغلتَ الفعل بغيره

وإنما يجيء ذلك على أَن تبيَّنَ أَىَّ فعلٍ فعلتَ أو توكيدا.

فمن ذلك قولك على قول السائلِ: أََىَّ سَير سيرَ عليه؟ فتقول: سِيرَ عليه سَيْرٌ شديدٌ، وضُرِبَ به ضربٌ ضعيفٌ. فأَجريتَه مفعولا، والفعلُ له.

فإِن قلت: ضُرِبَ به ضَرْباً ضعيفاً، فقد شغلتَ الفعلَ بغيره عنه. ومثله: سير عليه سيراً شديداً. وكذلك إن أردتَ هذا المعنى ولم تَذْكر الصفَّة، تقول: سير عليه سيرٌ وضُرِبَ به ضربٌ، كأَنَّك قلت: سير عليه ضربٌ من السير، أو سير عليه شيء من السير.

وكذلك جميع المصادر تَرتفعُ على أفعالها إذا لم تشغَل الفعلَ بغيرها.

وتقول: سيرَ عليه أَيُّما سَيرٍ سَيْراً شديدا، كأَنك قلت: سير عليه بَعيرُك سَيرا شديدا.

وتقول: سيرَ عليه سَيرَتانِ أيَّما سَيرٍ، كأنك قلت: سير عليه بعيرُك أيَّما سيرٍ، فجرى مجرى ضرب زيد أيما ضرب، وضرب عمرو ضرباً شديدا.

وتقول على قول السائل: كَمْ ضَربةً ضرب به، وليس في هذا إضمار شيء سوى كَمْ والمفعولُ كَمْ، فتقول: ضُرِبَ به ضربتانِ، وسير عليه سَيْرتانِ، لأنه أراد أن يبيَّن له العدّةَ، فجرى على سعة الكلام والاختصار، وإنْ كانت الضربتانِ

لا تُضْربَان، وإنما المعنى: كَمْ ضُرِبَ الذى وقع به الضَّربَ من ضربةٍ، فأَجابه على هذا المعنى، ولكنه اتَّسع واختَصر.

وكذلك هذه المصادرُ التى عَمِلتْ فيها أَفعالُها إنما يُسألُ عن هذا المعنى، وكلنه يَتّسِعُ ويَخْزِلُ الذى يقع به الفعلُ اختصاراً واتّساعا. وقد عُلم أنَّ الضرب لا يُضرَبُ.

ومن ذلك: سير عليه خَرْجتانِ، وصِيدَ عليه مرّتانِ. وليس ذلك بأَبعدَ من قولك: وُلِدَ له ستّون عاماً.

وسمعتُ من أَثِقُ به من العرب يقول: بُسِطَ عليه مرّتانِ، وإنَّما يريد: بُسِطَ عليه العذابُ مرتّين.

وتقول: سير عليه طَورانِ: طَوْرٌ كذا وطَوْرٌ كذا، والنصبُ ضعيف جداً إذا ثنّيتَ كقولك: طورٌ كذا وطورٌ كذا. وقد يكون في هذا النصبُ إذا أَضمرتَ.

وقد تقول: سير عليه مرّتينِ، تجعله على الدَّهر، أىْ ظرفا. وتقول: سير عليه طَوْرَيْنِ، وتقول: ضُرِبَ به ضربتَيْنِ، أى قَدْرَ ضربتينِ من الساعات، كما تقول: سير عليه تَرْويحتَيْنِ. فهذا على الأحيان.

ومثل ذلك: انتُظر به نَحْرَ جَزُورَيْنِ، إنَّما جعله على الساعات، كما قال: مَقْدَمَ الحاجّ وخفُوقَ النجم، فكذلك جَعَلَه ظرفا. وقد يجوز فيه الرفع إذا شغلتَ به الفعل.

وإن جعلتَ المرّتينِ، وما أشبههما مثل السّيَر رفعتَ ونصبت إذا أضمرت.

ومما يجيء توكيداً ويُنْصَبُ قوله: سيرَ عليه سَيْراً، وانطُلِقَ به انطلاقا، وضُرِبَ به ضَربْا، فيُنْصَبُ على وجهينِ: أحدهُما على أنّه حال، على حدّ قولك: ذُهِبَ به مَشْياً وقُتِلَ به صَبْراً. وإن وصفتَه على هذا الحدّ كان نصباً، تقول: سيرَ به سيرا عَنيفاً، كما تقول: ذُهِبَ به مَشْياً عَنيفاً.

وإن شئت نصبتَه على إضمار فعلٍ آخرَ، ويكون بدلا من اللفظ بالفعل فتقول: سِير عليه سيراً وضُرب به ضَربا، كأنّك قلت بعد ما قلت: سِير عليه وضُرب به: يَسيرونَ سَيْرا ويَضربون ضَربا، ويَنطلقون انطلاقا، ولكنَّه صار المصدر بدلاً من اللفظ بالفعل، نحو يَضربون ويَنطلقون، وجرى على قوله: إنَّما أنت سَيْراً سَيْراً، وعلى قوله: الحَذَرَ الحذَرَ. وإنْ أنت قلت على هذا المعنى: سير عليه وضُرب به الضَّربَ جاز، على قوله: الحَذَرَ الحَذَرَ، وعلى ما جاء فيه الألفُ واللام نحوُ العِرَاك وكان بدلاً من اللفظ بالفعل، وهو عربىّ جيدَّ حسن.

ومثله: سِير عليه سيرَ البَريِد، وإن وصفتَ على هذه الحال لم يغيره الوصفُ كما لم يغيَّر الوصفُ ما كان حالاً.

ولا يجوز أن تُدْخِلَ الألفَ واللام فى السَّير إذا كان حالاً، كما لم يجز أن تقول: ذُهِبَ به المَشْىَ العَنيفَ وأنت تريد أن تجعله حالاً. قال الرَّاعى:

نَظَّارةً حِينَ تَعْلُو الشَّمسُ راكبَهاطَرحاً بعَيْنَىْ لياحٍ فيه تَحْديدُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «نظارة حين تعلو الشمس راكبها»

فأَكّد بقوله طَرْحاً وشَدّد، لأنَّه يَعلم المخاطَبُ حين قال: نَظَّارةً أنها تطَرح.

وإن شئت قلت: سيرَ عليه السَّيرُ، كما قلت: سيرَ عليه سَيرٌ شديدٌ. وإنْ وصفتَه كان أقوى وأَبيَنَ، كما كان ذلك فى قوله: سيرَ عليه ليلٌ طويلٌ ونهارٌ طويلٌ.

وجميعُ ما يكون بدلاً من اللفظ بالفعل لا يكون إلاّ على فِعلٍ قد عَمِل فى الاسم، لأنك لا تَلْفِظُ بالفعل فارِغاً، فمن ثمَّ لم يكن فيه الرفعُ فى كلامهم، لأنَّه إنما يَعمَلُ فيه ما هو بمنزلة اللفظ به إلاَّ أنَّه صار كأَنه فِعْلٌ قد لُفِظَ به، فأَوْلَى ما عَمِلَ فيه ما هو بمنزلة اللفظ به.

ومما يسبق فيه الرفع لأنَّه يراد به أن يكون فى موضع غير المصدر قوله: قد خِيفَ منه خوفٌ، وقد قيل فى ذلك قول. إنَّما يريد: قد

خيف منه أمر أو شيء، وقد قيل فى ذلك خيرٌ أو شرٌ. ومثل هذا فى المعنى كان منه كونٌ، أى كان من ذلك أمرٌ. وإنْ حملتَه عليه السَّيرَ والضربَ فى التوكيد، حالاً وقع فيه الفعلُ، أو بدلاً من اللفظ بالفعل، نصبتَ.

وإن كان المَفْعَلُ مصدراً أُجرى مُجَرى ما ذكرنا من الضَّرب والسيرِ وسائرِ المَصادر التى ذكرنا؛ وذلك قولك: إنّ فى ألفِ درهمٍ لمَضرَبا، أى إن فيها لضرباً؛ فإِذا قلت: ضُرِبَ به ضَرباً، قلت: ضُرِبَ به مَضْربا، وإن رفعتَ رفعتَ.

ومثل ذلك: سُرَّحَ به مُسَرَّحاً، أى تسريحا. فالمُسَرَّحُ والتسريح بمنزلة الضَّرب والمَضرَب. قال جرير:

أَلَمْ تَعْلَم مُسَرَّحِىَ القَوافىفلا عِيًّا بهنّ ولا اجتلابَا

أى تسريحى القوافى.

وكذلك تَجرى المَعْصِيَةُ مجرى العِصيانِ، والمَوجِدة بمنزلة المصدر لو كان

الوَجْْدُ يُتكلم به.

قال الشاعر، وهو أبن أَحمرَ:

تَداركْنَ حيًّا من نُمَيْرِ بنِ عامرٍأُسارَى تُسامُ الذُّلَّ قَتْلاً ومَحْرَبَا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عرانين من عبد بن غنم أبوهم»

فإِنْ قلت: ذُهِبَ به مذهبٌ، أو سُلِكَ به مَسْلَكٌ، رفعتَ لأنَّ المَفْعَلَ ههنا ليس بمنزلة الذَّهابِ والسُّلوكِ، وإنما هو الوجه الذى يُسْلَكُ فيه والمكانُ الذى يُذْهَبُ إليه، وإنَّما هو بمنزلة قولك: ذُهِبَ به السُّوقُ وسُلِكَ به الطريقُ.

وكذلك المَفعَل إذا كان حيناً، نحوُ قولهم: أتت الناقة على مضربها، أى على زمان ضرِابِها. وكذلك مَبعَثُ الجُيوش، تقول: سيرَ عليه مَبعَثُ الجيوش، ومَضْرِبُ الشَّوْلِ. قال حُمَيْدُ بن ثور:

وما هى إلاّ فى إزارٍ وعلقةٍمُغارَ ابنِ هَمّامٍ على حَىَّ خَثْعَماً
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

فصَيَّرَ مُغاراً وقتاً، وهو ظرفٌ.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.