من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
بابٌ جرى مجرى الفاعل الذى يتعداه فعلُه إلى مفعولَيْنِ فى اللفظ لا في المعنى
وذلك قولك:
يا سارق الليل أهل الدار
" و " تقول على هذا الحد: سرقت الليل أهلَ الدار، فتجْرِى الليلةَ على الفعل فى سَعَةِ الكلام، كما قال: صِيدَ عليه يومان، ووُلِدَ له ستّون عاماً. فاللفظُ يَجرى على قوله: هذا مُعْطِى زيدٍ درهَماً، والمعنى إنّما هو فى الليلة، وصِيدَ عليه فى اليومين، غيرَ أنّهم أَوقعوا الفعلَ عليه لسَعة الكلام.
وكذلك لو قلت: هذا مُخْرجُ اليومِ الدرهمَ وصائدُ اليومِ الوحشَ.
ومثلُ ما أُجْرِىَ مُجرى هذا فى سَعة الكلام والاستخفافِ قوله عز وجل: " بل مكر الليل والنهار ". فالليلُ والنهار لا يَمكُرانِ، ولكنّ المكرَ فيهما.
فإِنْ نوّنتَ فقلت: يا سارقاً الليلةَ أهلَ الدار، كان حدُّ الكلام أن يكونَ أهلُ الدار على سارقٍ منصوبا، ويَكون الليلةُ ظرفاً، لأنّ هذا موضعُ انفصالٍ. وإن شئت أجريته على الفعل على سَعة الكلام.
ولا يجوز: يا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار إلاّ فى شعرٍ، كراهيةَ أن يفصلوا
بين الجارّ والمجرور. فإِذا كان منوَّنا فهو بمنزلة الفعل الناصبِ، تكون الأسماءُ فيه منفصلة. قال الشاعر، وهو الشَّمَّاخ:
رُبَّ ابنِ عَمَّ لسُلَيمَى مُشْمَعِلّْطَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ
" هذا على: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار ". وقال الأخطل:
وكرار خلف المحجرين وجوادهإذا لم يُحامِ دونَ أُنثَى حَليلها
فإِنْ قلت: كرّارٍ وطبّاخٍ، صار بمنزلة طبختُ وكررت، تُجرِيها مجرى السَّارق حين نوّنتَ، على سعة الكلام.
وقال " رجل من بنى عامر ":
ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعَامِراًقليلٍ سِوىَ الطَّعْنِ النَّهالِ نَوافِلُهْ
" وكما قال: ثَمانِىَ حِجَجٍ حَجَجْتُهنّ بيت اللهِ ".
ومما جاء فى الشعر قد فُصِلَ بينه وبين المجرور قول عمرو بن قَمِيئَةَ.
لمّا رأت ساتسدما اسْتَعْبَرَتلله درُّ اليومَ مَنْ لاَمَهَا
وقال أبو حَيَّةَ النُّمَيْرىُّ:
كما خط الكتاب بكف يوماًيهودي يقارب أو يُزيلُ
وهذا لا يكون فيه إلاّ هذا، لأنَّه ليس فى معنى فِعلٍ ولا اسمِ الفاعلِ الذى جرى مَجرى الفعل.
وممّا جاء مفصولا بينه وبين المجرور قولُ الأعشى:
ولا نقاتل بالعصي ولا نرامي بالحجاره
إلا علالة أو بداهة قارحٍ نَهْدِ الجُزارَهْ
وقال ذو الرمّة:
كأَنَّ أصوات من إيغالهن بناأواخر الميس أصوات الفراريج
فهذا قبيحٌ.
ويجوز فى الشعر على هذا: مررتُ بخيرِ وأَفضلِ مَن ثَمَّ.
وقالت دُرْناَ بنت عَبعَبَةَ، من بني قيس بن ثعلبة:
هما أَخَوَا فى الحَرْبِ مَنْ لا أَخاَ لهإذا خافَ يوماً نَبْوةً فدَعاهما
وقال الفرزدق:
يا من رأى عارضاً أسر بهبَيْنَ ذِراعَىْ وجَبْهِة الأَسَدِ
وأما قوله عز وجل: " فبما نقضهم ميثاقهم " فإِنَّما جاء لأنه ليس
ل " مَا " معنىً سِوى ما كان قبل أن تجيء إلا التوكيد، فمن ثم جاء ذلك، إذْ لم تُرِدْ به أكثرَ من هذا، وكانا حرفينِ أحدُهما فى الآخَر عاملٌ. ولو كان اسماً أو ظرفا أو فعلاً لم يجزْ.
وأمّا قوله: أُدْخِلَ فُوهُ الحَجَرَ، فهذا جرى على سَعة الكلام " والجيِّد أُدخل فاه الحجر "، وكما قال: أَدخلتُ فى رأسى القَلَنْسُوَةَ " والجيّد أَدخلتُ فى القَلنسوة رأسى ". وليس مثلَ اليوم والليلة لأنهما ظرفان، فهو مخالف له فى هذا، مُوافِقٌ " له " فى السعة. قال الشاعر:
تَرى الثَّورَ فيها مُدخِلَ الظل رأْسَهُوسائرُه بادٍ إلى الشمس أَجْمَعُ
فوجه الكلام فيه هذا، كراهيةَ الانفصال.
وإذا لم يكن فى الجرَّ فحدُّ الكلام أن يكون الناصبُ مبدوءاً به.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع