تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهارُه فى غير الأمر والنَّهى

وذلك قولك: أخذته بدرهم فصاعِداً، وأخذتُه بدرهم فزائدا. حذفوا الفعَل لكثرة استعمالهم إيّاه، ولأنَّهم أمِنوا أن يكونَ على الباء، لو قلتَ: أخذتُه بصاعد كان قبيحا، لأنه صفة ولا تكون في موضع الاسم، كأنه قال: اخذته بدرهم فزاد الثمنُ صاعداً، أو فذهَبَ صاعِداً.

ولا يجوز أن تقول: وصاعدٍ، لأنَّك لا تريد أن تُخْبِرَ أنّ الدرهم مع صاعدٍ ثمنٌ لشيء، كقولك: بدرهمٍ وزيادةٍ، ولكنَّك أخبرت بأَدنى الثمن فجلته

أولاً، ثم قروت شيئاً بعد شيء لأَثمانٍ شتَّى. فالواوُ لم تُرِدْ فيها هذا المعنى، ولم تلزم الواو الشيئين أَنْ يكون أحدُهما بعد الآخَر. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنك مررت بعمرو بعد زيد. وصاعد بدل من زاد ويزيد.

وثم بمنزلة الفاءِ، تقول: ثُمَّ صاعداً، إلاّ أَنَّ الفاءَ أكثرُ فى كلامهم.

ومما يَنتصب فى غير الأمر والنهى على الفعل المتروك إظهارُه قولك: يا عبد الله، والنَّداءُ كلُّه. وأَمّا يا زيدُ فله عِلَّةٌ ستراها فى باب النَّداء إن شاء الله تعالى، حذفوا الفعلَ لكثرة استعمالهم هذا فى الكلام، وصار يَا بدلا من اللَّفظ بالفعل، كأَنه قال: يَا، أُريدُ عبدَ الله، فحذَف أُريدُ وصارت يا بدلاً منها، لأنّك إذا قلت: يا فلانُ، علم أنك تريده.

ومما يدلك على أنّه يَنتصب على الفعل وأنّ يا صارت بدلا من اللفظ بالفعل، قولُ العرب: يا إيّاك، إنما قلتَ: يا إيّاك أَعْنى، ولكنَّهم حذفوا الفعلَ وصار يا وأَيَا وأَىْ بَدَلاً من اللفظ بالفعِل.

وزعم الخليل رحمه الله أنّه سمعَ بعضَ العرب يقول: يا أنت. فزعَم أنهم جعلوه موضعَ المفرد. وإن شئت قلت: يا فكان بمنزلة يا زيد، ثم تقول: إياك. أى إيَّاكَ أعنى. هذا قول الخليل رحمه الله فى الوجهين.

ومن ذلك قول العرب: مَنْ أنتَ زيداً، فزعم يونسُ أنّه على قوله: مَنْ أنت تَذكُر زيداً، ولكنه كثر فى كلامهم واستُعمل واستغنوا عن إظهارِه، فإِنّه قد عُلم أنَّ زيداً ليس خبراً " ولا مبتدأ "، ولا مبنياًّ على مبتدإ، فلا بدَّ من أنْ يكونَ على الفعل، كأَنه قال: مَنْ أنتَ، معرَّفاً ذا الاسمَ، ولم يحمل زيداً على مَنْ ولا أنت. ولا يكون مَنْ أنتَ زيداً إلاَّ جوابا، كأَنَّه لمّا قال: أنا زيدٌ، قال: فَمَنْ أنتَ ذاكِراً زيداً.

وبعضُهم يَرفع، وذلك قليل، كأَنه قال: مَنْ أنت كلامُك أو ذكرُك زيدٌ. وإنَّما قَلَّ الرفعُ لأن إعمالَهم الفعلَ أحسنُ من أن يكون خبراً لمصدرٍ ليس له، ولكنه يجوز على سعة الكلام، وصار كالمثل الجارى، حتّى إنهم لَيسْألون الرجل عن غيره فيقولون للمسؤول: مَنْ أنتَ زيدا، كأَنّه يكِلّمُ الذى قال: أنا زيدٌ، أى أنت عندى بمنزلة الذى قال: أنا زيدٌ، فقيل له: من أنت زيداً، كما تقول للرجل: " أَطِرَّى إنّكِ ناعلةٌ واجمعى ". أى أنتَ عندى بمنزلة التى يقال لها هذا.

سمعنا رجُلا منهم يَذكر رجلا، فقال لرجل ساكتٍ لم يَذكْر ذلك الرجلَ: مَنْ أنتَ فلاناً.

ومن ذلك قول العرب: أَمّا أنتَ منطلقاً انطلقت معك، وأَمّا زيدٌ ذاهباً ذهبتُ معه.

وقال الشاعر، وهو عباس بن مِرداسٍ:

أَبا خُراشَةَ أَمَّا أنتَ ذا نَفَرِفإِنّ قومِىَ لم تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أبا خراشة أما أنت ذا نفر»

فإِنَّما هى " أَنْ " ضُمَّت إليها " ما " وهى ما التوكيِد، ولزمتْ كراهيةَ أن يُجحفِوا بها لتكون عوضاً من ذَهابِ الفعل، كما كانت الهاءُ والألفُ عوضا

فى الزَّنادقة واليَمانِى من الياء.

ومثل أَنْ فى لزوم " ما " قولُهم إمَّا لاَ، فألزموها ما عوضاً. وهذا أَحْرَى أن يُلزموا فيه إذْ كانوا يقولون: آثِراً ما، فيُلزِمُون ما، شبّهوها بما يَلزم من النُّونات فى لأفعلنَّ، واللامِ فى إن كان لَيَفعلُ، وإن كان ليس مثلَه، وإنَّما هو شاذٌ كنحوِ ما شُبّه بما ليس مثلَه، فلمّا كان قبيحّا عندهم أن يذكروا الاسمَ بعد أَنْ ويَبتدئوه بعدها كقُبْحِ كَىْ عبدُ الله يقولَ ذاك، حملوه على الفعلِ حتَّى صار كأَنّهم قالوا: إذ صرتَ منطلقا فأنا أَنطلِقُ " معك "، لأنَّها فى معنى إذْ فى هذا الموضع وإذ في معناها أيضاً في هذا الموضع، إلاّ أنّ إذ، لا يُحذَفُ معها الفعل.

و" أما " لا يُذْْكَرُ بعدها الفعلُ المضمَرُ، لأنَّه من المضمَرِ المتروكِ إظهارُه، حتَّى صار ساقطاً بمنزلة تركِهم ذلك فى النداء وفى مَنْ أنت زيداً. فإن أظهرتَ الفعلَ قلت: إمَّا كنتَ منطلقاً انطلقتُ، إنّما تريد: إنْ كنتَ منطلقا انطلقتُ، فحذفُ الفعل لا يجوز ههنا كما لم يجز ثَمَّ إظهارُه؛ لأنَّ أمّا كثرتْ في كلامهم واستعملت حتَّى صارت كالمثل المستعمَل.

وليس كلُّ حرفٍ هكذا، كما أنَّه ليس كلُّ حرف بمنزلة لم أُبَلْ ولم يَكُ، ولكنهم حذفوا هذا لكثرته وللاستخفاف، فكذلك حذفوا الفعل من أَمّا.

ومثل ذلك قولهم: إمّا لاَ، فكأَنَّه يقول: افْعَلْ هذا إنْ كنتَ لا تَفْعَلْ

غيرَه، ولكنهم حذفوا " ذا " لكثرة استعمالهم إيّاه وتصرفُّهم حتى استغَنوا عنه بهذا.

ومن ذلك قولهم: مَرْحَباً، وأَهلاً، وإن تأتِنى فأَهْلَ اللَّيل والنهارِ.

وزعم الخليل رحمه الله حين مثّله، إنّه بمنزلة رَجُلٍ رأيتَه قد سدَّد سهمه فقلتَ: القِرطاسَ، أى أَصَبتَ القرطاسَ، أى أنت عندى ممن سيُصِيبُه. وإن أَثْبتَ سهمَه قلت: القرطاسَ، أى قد استَحقَّ وقوعَه بالقرطاس. فإنَّما رأَيتَ رجلاً قاصدا إلى مكانٍ أو طالبا أمرّا فقلتَ: مَرْحَباً وأَهْلاً، أى أدركتَ ذلك وأُصبتَ، فحذفوا الفعلَ لكثرة استعمالهم إيّاه، وكأَنّه صار بدلاً من رَحُبَتْ بلادُك وأَهِلَتْ، كما كان الحَذَرَ بَدَلا من احْذَرْ. ويقول الرادُّ: وبكَ وأَهْلاً وسَهْلاً، وبك أَهْلاً. فإذا قال: وبك وأهلاً، فكأَنّه قد لَفَظَ بمرحباً بك وأهلا. وإذا قال: وبك أهلا فهو يقول: ولك الأَهْلُ إذا كان عندك الرُّحْبُ والسعةُ. فإِذا رددتَ فإِنَّما تقول: أنت عندى ممّن يقال له هذا لو جئَتنى. وإنَّما جئتَ ببك لنبين مَن تَعنى بعد ما قلتَ: مرحبّا، كما قلتَ: لك، بعد سَقْياً. ومنهم من يَرفع فيجَعل ما يُضمِرُهُ هو ما أَظْهَرَ. وقال طفيل الغنوي:

وبالسهب ميمون القبة قولُهلمُلتمِسِ المعروفِ: أَهْلٌ ومَرْحَبُ

أى هذا أهلٌ ومرحبٌ. وقال أبو الأسود:

إذا جئتُ واباً له قال: مَرْحَباًأَلا مَرْحَبٌ واديكَ غير مَضِيقِ

فاعرفْ فيما ذكرتُ لك أنّ الفِعْلَ يَجرى فى الأسماءِ على ثلاثة مَجارٍ: فِعْلٌ مُظْهَرٌ لا يَحسن إضمارُه، وفِعْلٌ مُضْمَرٌ مستعمَلٌ إظهارُه، وفِعْلٌ مُضمَرٌ متروكٌ إظهارُه.

فأَمّا الفعل الذى لا يَحسن إضمارُه فإنّه أَنْ تَنْتَهِىَ إلى رجل لم يكن فى ذِكْرِ ضَرْبٍ ولم يَخطُرِْ بباله، فتقول: زيدا. فلا بدَّ له من أن تقول له:

اضربْ زيدا، وتقولَ له: قد ضربتَ زيدا. أو يكون موضعاً يقبح أن يعرى من الفعل نحو أَنْ وقَدْ وما أَشبه ذلك.

وأمّا الموضعُ الذى يُضْمَرُ فيه وإظهارُه مستعمَلٌ، فنحوُ قولك: زيداً، لرجلٍ فى ذِكْرِ ضَرْبٍ، تريد: اضرب زيداً.

وأما الموضع الذي لا يستعمَل فيه الفعلُ المتروكُ إظهاره فمِن الباب الذى ذُكِرَ فيه إيّاك إلى الباب الذى آخِرُه ذكرُ مرحباً وأهلاً. وسترى ذلك فيما يستقبل إن شاء الله.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.