من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
باب ما لا يكون إلا على معنى ولكن
فمن ذلك قوله تعالى: " لا عاصمَ اليومَ من أمر الله إلا مَن رحم " أي ولكن من رحم. وقوله عز وجل: " فلولا كانت قرية آمنتْ فنفعها إيمانُها إلا قومَ يونسَ لما آمنوا " أي ولكن قوم يونس لما آمنوا. وقوله عز وجل: " فلَوْلاَ كانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قبلِكم أُولُوا بقيةٍ ينهونَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قلِيلاً ممن أنجينا منهم "، أي ولكن قليلاً مما أنجينا منهم. وقوله عز وجل: " أُخرِجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربُّنا الله "، أي ولكنهم يقولون: ربُنا الله.
وهذا الضربُ في القرآن كثير.
ومن ذلك من الكلام: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلاما بسلام.
ومثل ذلك أيضا من الكلام فيما حدثنا أبو الخطاب: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر. فما مع الفعل بمنزلة اسم نحو النقصان والضرر. كما أنك إذا قلت: ما أحسنَ ما كلم زيدا، فهو ما أحسنَ كلامَ زيدا. ولولا ما لم يجز الفعل بعدُ إلا في ذا الموضع كما لا يجوز بعد ما أحسنَ بغير ما، كأنه قال: ولكنه ضر، وقال: ولكنه نقص. هذا معناه.
ومثل ذلك من الشعر قول النابغة:
وَلا عَيبَ فيهِم غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُمبِهِنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أي ولكن سيوفهم بهن فلول. وقال النابغة الجعدى:
فَتىً كمُلت خيراتُه غيرَ أنهجوادٌ فلا يُبقي من المالِ باقيِاَ
كأنه قال: ولكنه مع ذلك جواد. ومثل ذلك قول الفرزدق:
وَما سَجَنوني غَيرَ أَنّي اِبنُ غالِبٍوَأَنّي مِنَ الأَثرَينِ غَيرِ الزَعانِفِ
كأنه قال: ولكني ابنُ غالب. ومثل ذلك في الشعر كثيرٌ. ومثل ذلك قوله، وهو قول بعض بني مازن يقال له عنزُ بن دجاجة:
من كانَ أشركَ في تفرُّقِ فالجٍفلَبُونه جرِبَت معاً وأغدّتِ
إلاّ كناشرةَ الذي ضيّعتُمكالغُصن في غُلوائه المنبّتِ
كأنه قال: ولكن هذا كناشرة. وقال:
لَولا اِبنُ حارِثَةَ الأَمِيرُ لَقَدأَغضَيتَ مِن شَتمي عَلى رَغمِ
إلاّ كمُعرضٍ المحسّرِ بَكرَهعَمداً يسبّبُني على الظُلْم
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع