من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب أسماء الأرضين
إذا كان اسم الأرض على ثلاثة أحرف خفيفةٍ وكان مؤنثاً، أو كان الغالب عليه المؤنث كعمان، فهو بمنزلة: قدر، وشمس، ودعد.
وبلغنا عن بعض المفسَّرين أن قوله عز وجل: " اهبطوا مصر "، إنما أراد مصر بعينها.
فإن كان الاسم الذي على ثلاثة أحرف أعجميَّا، لم ينصرف وإن كان خفيفا، لأن المؤنث في ثلاثة الأحرف الخفيفة إذا كان أعجمياً، بمنزلة المذكَّر في الأربعة فما فوقها إذا كان اسما مؤنثاً. ألا ترى أنَّك لو سَّميت مؤنثَّا بمذكر خفيف لم تصرفه، كما لم تصرف المذكَّر إذا سميته بعناق ونحوها.
فمن الأعجمَّية: حمص، وجور، وماه. فلو سميت امرأة بشىء من هذه الأسماء لم تصرفها، كما لا تصرف الرَّجل لو سميَّته بفارس ودمشق.
وأمَّا واسطٌ فالتذكير والصرف أكثر، وإنمَّا سمي واسطاً، لأنه مكانٌ وسط البصرة والكوفة. فلو أرادوا التأنيث قالوا: واسطةٌ. ومن العرب من يجعلها اسم أرض فلا يصرف.
ودابقٌ الصرف والتذكير فيه أجود. قال الراجز، وهو غيلان:
ودابِقُ وأَيْنَ مِّني دابِقُ
وقد يؤنث فلا يصرف.
وكذلك منًى، الصرف والتذكير أجود، وإن شئت أنثت ولم تصرفه.
وكذلك هجر، يؤنث ويذكَّر. قال الفرزدق:
منهنّ ايَّام صِدْقٍ قد عُرِفْتُ بهاأيَّام فارِسَ والأَيَّامُ منْ هجرا
فهذا أنت.
وسمعنا من يقول: " كجالب التَّمر إلى هجر " يا فتى.
وأمَّا حجر اليمامة فيذكَّر ويصرف. ومنهم من يؤنث فيجريه مجرى امرأةٍ سميِّت بعمروٍ، لأن حجرا شيء مذكر سِّمي به المذكَّر.
فمن الأرضين: ما يكون مؤنَّثا ويكون مذكَّرا، ومنها مالا يكون إلا على التأنيث، نحو: عمان، والزاب، وإراب، ومنها ما لا يكون إَّلا على التذكير نحو فلجٍ، وما وقع صفة كواسطٍ ثم صار بمنزلة زيد وعمرو، وإنمَّا وقع لمعنى، نحو قول الشاعر:
ونابِغةُ الجعديُّ بالرَّمل بيتُهعليه ترابٌ من صَفيحٍ موضَّع
أخرج الألف واللام وجعله كواسط.
وأمَّا قولهم: قباء وحراء، فد اختلفت العرب فيهما، فمنهم من يذكر ويصرف، وذلك أنهَّم جعلوهما اسمين لمكانين، كما جعلوا واسطاً بلداً أو مكانا. ومنهم من أنَّث ولم يصرف، وجعلهما اسمين لبقعتين من الأرض.
قال الشاعر، جرير:
ستَعْلَمُ أَيُّنَا خَيْرٌ قديمَاوأَعْظَمُنَا ببَطْنِ حِرَاءَ نارَا
وكذلك أضاخ؛ فهذا أنَّث، وقال غيره فذكر. وقال العجاج:
وربِّ وجهٍ من حراءٍ مُنْحَنِ
وسألت الخليل فقلت: أرأيت من قال: قباء يا هذا، كيف ينبغي له أن يقول إذا سمَّى به رجلاً؟ قال: يصرفه، وغير الصرف خطأٌ، لأنَّه ليس بمؤنَّث معروف في الكلام، ولكنَّه مشتق كجلاس، وليس شيئاً قد غلب عليه عندهم التأنيث كسعاد وزينب. ولكه مشتقٌّ يحتمله المذكَّر ولا ينصرف في المؤنث، كهجر وواسط. ألا ترى أنَّ العرب قد كفتك ذلك لمَّا جعلوا واسطا للمذكَّر صرفوه، فلو علموا أنَّه شيء للمؤَّنث كعناق
لم يصرفوه، أو كان اسماً غلب التأنيث لم يصرفوه، ولكنَّه اسمٌ كغرابٍ ينصرف في المذكَّر ولا في المؤنث؛ فإذا سميت به الرجل فهو بمنزلة المكان.
قلت: فإن سمَّيته بلسان، في لغة من قال: هي اللسان؟ قال: لا أصرفه، من قبل أنَّ اللَّسان قد استقر عندهم حينئذٍ أنَّه بمنزلة: عناق قبل أن يكون اسماً لمعروف، وقباء وحراء ليسا هكذا، إنَّما وقعا علماً علماً على المؤنَّث والمذكر مشتقين وغير مشتقين في الكلام لمؤنَّث من شيء، والغالب عليهما التأنيث، فإنَّما هما كمذكر إذا وقع على المؤنَّث لم ينصرف. وأمَّا اللِّسان فبمنزلة اللذاذ واللذَّاذة، يؤنِّث قوم ويذكر آخرون.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع