من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب أسماء القبائل والأحياء وما يضاف إلى الأب والأم
أمَّا ما يضاف إلى الآباء والأمهات فنحو قولك: هذه بنو تميمٍ، وهذه بنو سلولٍ، ونحو ذلك.
فإذا قلت: هذه تميمٌ، وهذه أسدٌ، وهذه سلولٌ، فإنَّما تريد ذلك المعنى، غير أنَّك إذا حذفت المضاف تخفيفاً، كما قال عز وجل: " واسأل القرية "، ويطؤهم الطريق، وأنَّما يريدون: أهل القرية وأهل الطريق. وهذا في كلام العرب كثير، فلمَّا حذفت المضاف وقع عل المضاف إليه ما يقع على المضاف، لأنه صار في مكانه فجرى مجراه. وصرفت تميماً وأسداً؛ لأنك لم تجعل واحداً منهما اسماً للقبيلة؛ فصارا في الانصراف على حالهما قبل أن تحذف المضاف. ألا ترى أنَّك لو قلت: اسأل واسطاً كان في الانصراف على حاله إذا قلت: أهل واسطٍ فأنت لم تغير ذلك المعنى وذلك التأليف، إلا أنَّك حذفت. وإن شئت قلت: هؤلاء تميمٌ وأسدٌ؛ لأنَّك تقول: هؤلاء بنو أسدٍ وبنو تميم، فكما أثبتَّ اسم الجميع ههنا أثبت هنالك اسم المؤنث، يعني في: هذه تميمٌ وأسدٌ.
فإن قلت: لم لم يقولوا: هذا تميمٌ، فيكون الفظ كلفظه إذا لم ترد معنى الإضافة حين تقول: جاءت القرية، تريد: أهلها؟ فلأنَّهم أرادوا أن يفصلوا بين الإضافة وبين إفرادهم الرجل، فكرهوا الالتباس.
ومثل هذا القوم، هو واحدٌ في اللفظ، وصفته تجري على المعنى، لا تقول القوم ذاهبٌ.
وقد أدخلوا التأنيث فيما هو أبعد من هذا، أدخلوه فيما لا يتغير منه المعنى
لو ذكرَّت، قالوا: ذهبت بعض أصابعه وقالوا: ذهبت بعض أصابعه، وقالوا: ما جاءت حاجتك. وقد بين أشباه هذا في موضعه.
وإن شئت جعلت تميماً وأسداً اسم قبيلة في الموضعين جميعاً فلم تصرفه. والدليل على ذلك قول الشاعر
نَبَا الخزُّ عن روحٍ وأنْكَرَ جِلْدَهُوعَجّتْ عجيجاً مِن جُذامَ المَطارِفُ
وسمعنا من العرب من يقول، للأخطل:
فإنْ تَبْخَلْ سَدُوسُ بدِرْهَمَيْهافإنَّ الريح طيَّبة قَبولُ
فإذا قالوا: ولد سدوسٌ كذا وكذا، أو ولد جذامٌ كذا وكذا، صرفوه: ومما يقويِّ ذلك أن يونس زعم: أنَّ بعض العرب يقول: هذه تميم بنت مرٍّ. وسمعناهم يقولون: قيس بنت عيلان، وتميم صاحبة ذلك. فإنَّما قال: بنت حين جعله اسماً لقبيلة.
ومثل ذلك قوله: باهلة بن أعصر، فباهلة امرأةٌ ولكنَّه جعله اسماً للحي، فجاز له أن يقول: ابن.
ومثل ذلك تغلب ابنة وائلٍ.
غير أنه قد يجيء الشيء يكون الأكثر في كلامهم أن يكون أباً، وقد يجيء الشيء يكون الأكثر في كلامهم أن يكون اسماً للقبيلة. وكلٌّ جائز حسن.
فإذا قلت: هذه سدوس، فأكثرهم يجعله اسماً للقبيلة. وإذا قلت: هذه تميمٌ فأكثرهم يجعله اسماً للأب. وإذا قلت: هذه جذام فهي كسدوس. فإذا قلت: من بني سدوسٍ فالصرف، لأنَّك قصدت قصد الأب.
وأما أسماء الأحياء فنحو: معدٍّ، وقريشٍ، وثقيفٍ. وكلُّ شيء لا يجوز لك أن تقول فيه: من بني فلان، ولا هؤلاء بنو فلان، فإنمَّا جعله اسم حي فإن قلت: لم تقول هذه ثقيفٍ، فإنهم إنما أرادوا: هذه جماعة ثقيف أو هذه جماعة فإنهم إنما أرادوا: هذه جماعة ثقيفٍ أو هذه جماعةٌ من ثقيف ثم حذفوها ههنا كما حذفوا في تميمٍ. ومن قال: هؤلاء جماعة ثقيف قال: هؤلاء ثقيف. فإن أرادت الحيَّ ولم ترد الحرف قلت: هؤلاء ثقيف، كما تقول: هؤلاء قومك، والحيّ جينئذٍ بمنزلة القوم، فكينونة هذه الأشياء للأحياء أكثر.
وقد تكون تميمٌ اسماً للحي. وإن جعلتها اسماً للقبائل فجائز حسن، ويعني قريش وأخواتها. قال الشاعر:
غلَبَ المَساميحَ الوَليدُ سَماحةًوكَفَى قُرَيشَ المُعْضِلاتِ وسادَهَا
وقال:
عَلِمَ القَبائِلُ مِن معدَّ وغيرِهاأنّ الجَوادَ محمَّد بنُ عُطارِدِ
وقال:
ولَسْنا إذا عدَّ الحَصَى بأقلةٍوإنْ معدَّ اليومَ مودٍ ذَليلُهَا
وقال:
وأنت أمرؤٌ من خير قومِك فيهِمُوأنتَ سِواهمْ في معدَّ مخيَّر
وقال زهير:
تمدُّ عليهمْ من يمينٍ واشملٍبحورٌ له مِن عَهْدِ عادَ وتبعَّا
وقال:
لو شَهْدَ عادَ في زمانِ عادلا بتزَّها مبارك الجلاد
وتقول: هؤلاء ثقيف بن قسيٍ، فتجعله اسم الحي وتجعل ابن وصفاً، كما تقول: كلٌّ ذاهبٌ وبعضٌ ذاهبٌ، فهذه الأشياء إنمَّا هي آباءٌ، والحدُّ فيها أن تجري ذلك المجرى، وقد جاز فيها ما جاز في قريشٍ إذا كانت جمعاً لقوم. قال الشاعر فيما وصف به الحيُّ ولم يكن جمعاً:
بحيٍّ نميريٍّ عليه مهابةٌجميعٍ إذا كان اللِّئامُ جَنادِعَا
وقال
سادُوا البِلادَ وأصْبَحُوا في آدمٍبَلَغُوا بها بِيضَ الوجُوهِ فُحولاَ
فجعله كالحي والقبيلة.
وقال بعضهم: بنو عبد القيس؛ لأنه أب.
فأما ثمود وسبأ، فهما مرةً للقبيلتين، ومرةً للحيين، وكثرتهما سواءٌ. وقال تعالى: " وعاداً وثموداً " وقال تعالى: " ألا
إنَّ ثموداً كفروا ربَّهم " وقال: " وآتينا ثمود النَّاقة مبصرةً "، وقال: " وأمَّا ثمود فهديناهم "، وقال: " لقد كان لسبأٍ في مساكنهم " وقال " من سبأٍ بنبأٍ يقين " وكلن أبو عمرٍ ولا يصرف سبأ، يجعله اسماً للقبيلة. وقال الشاعر:
مِنْ سَبَأَ الحاضِرينَ مَأْرِبَ إذيَبْنونَ مِنْ دُونِ سَيْله العَرِمَا
وقال في الصرف، للنابغة الجعدي:
أضحت ينفرها الوالدان مِنْ سبأٍكأنّهم تحت دَفَّيْها دَحاريج
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع