تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الفصل الثاني في وجوه المعاش وأصنافه ومذاهبه

اعلم أنّ المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرّزق والسّعي في تحصيله وهو مغفل من العيش. كأنّه لمّا كان العيش الّذي هو الحياة لا يحصل إلّا بهذه جعلت موضعا له على طريق المبالغة ثمّ إنّ تحصيل الرّزق وكسبه: إمّا أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمّى مغرما وجباية وإمّا أن يكون من الحيوان الوحشيّ بافتراسه وأخذه برميه من البرّ أو البحر ويسمّى اصطيادا وإمّا أن يكون من الحيوان الدّاجن باستخراج فضوله المنصرفة بين النّاس في منافعهم كاللّبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحلة أو يكون من النّبات في الزّرع والشّجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته ويسمّى هذا كلّه فلحا وإمّا أن يكون الكسب من الأعمال الإنسانيّة إمّا في موادّ معيّنة وتسمّى الصّنائع من كتابة وتجارة وخياطة وحياكة وفروسيّة وأمثال ذلك أو في موادّ غير معيّنة وهي جميع الامتهانات والتّصرّفات وإمّا أن يكون الكسب من البضائع

وإعدادها للأعواض إمّا بالتّغلّب بها في البلاد واحتكارها وارتقاب حوالة الأسواق فيها. ويسمّى هذا تجارة. فهذه وجوه المعاش وأصنافه وهي معنى ما ذكره المحقّقون من أهل الأدب والحكمة كالحريريّ وغيره فإنّهم قالوا: «المعاش إمارة وتجارة وفلاحة وصناعة». فأمّا الإمارة فليست بمذهب طبيعيّ للمعاش فلا حاجة بنا إلى ذكرها وقد تقدّم شيء من أحوال الجبايات السّلطانيّة وأهلها في الفصل الثّاني. وأمّا الفلاحة والصّناعة والتّجارة فهي وجوه طبيعيّة للمعاش أمّا الفلاحة فهي متقدّمة عليها كلّها بالذّات إذ هي بسيطة وطبيعيّة فطريّة لا تحتاج إلى نظر ولا علم ولهذا تنسب في الخليقة إلى آدم أبي البشر وأنّه معلّمها والقائم عليها إشارة إلى أنّها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطّبيعة. وأمّا الصّنائع فهي ثانيتها ومتأخّرة عنها لأنّها مركّبة وعلميّة تصرف فيها الأفكار والأنظار ولهذا لا يوجد غالبا إلّا في أهل الحضر الّذي هو متأخّر عن البدو وثان عنه. ومن هذا المعنى نسبت إلى إدريس الأب الثّاني للخليقة فإنّه مستنبطها لمن بعده من البشر بالوحي من الله تعالى. وأمّا التّجارة وإن كانت طبيعة في الكسب فالأكثر من طرقها ومذاهبها إنّما هي تحيّلات في الحصول على ما بين القيمتين في الشّراء والبيع لتحصل فائدة الكسب من تلك الفضلة. ولذلك أباح الشّرع فيه المكاسبة لما أنّه من باب المقامرة إلّا أنّه ليس أخذ المال الغير مجّانا فلهذا اختصّ بالمشروعيّة. والله أعلم.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس من الكتاب الأول في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مسائل

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.