من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
ومن فروع علم العدد صناعة الحساب
وهي صناعة علميّة في حساب الأعداد بالضمّ والتّفريق. فالضّمّ يكون في الأعداد بالأفراد وهو الجمع.
وبالتّضعيف تضاعف عددا بآحاد عدد آخر وهذا هو الضّرب والتّفريق أيضا يكون في الأعداد إمّا بالإفراد مثل إزالة عدد من عدد ومعرفة الباقي وهو الطّرح أو تفصيل عدد بأجزاء متساوية تكون عدّتها محصّلة وهو القسمة. وسواء كان هذا الضّمّ والتّفريق في الصّحيح من العدد أو الكسر. ومعنى الكسر نسبة عدد إلى عدد وتلك النّسبة تسمّى كسرا. وكذلك يكون بالضّمّ والتّفريق في الجذور ومعناها العدد الّذي يضرب في مثله فيكون منه العدد المربّع. فإنّ تلك الجذور أيضا يدخلها الضّمّ والتّفريق وهذه الصّناعة حادثة احتيج إليها للحساب في المعاملات وألّف النّاس فيها كثيرا وتداولوها في الأمصار بالتّعليم للولدان. ومن أحسن التّعليم عندهم الابتداء بها لأنّها معارف متّضحة وبراهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء درب على الصّواب. وقد يقال من أخذ نفسه بتعليم الحساب أوّل أمره إنّه يغلب عليه الصّدق لما في الحساب من صحّة المباني ومناقشة النّفس فيصير ذلك خلقا ويتعوّد الصّدق ويلازمه مذهبا. ومن أحسن التّآليف المبسوطة فيها لهذا العهد بالمغرب كتاب الحصار الصّغير. ولابن البناء المرّاكشيّ فيه تلخيص ضابط لقوانين أعماله مفيد ثمّ شرحه بكتاب سمّاه رفع الحجاب وهو مستغلق على
المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني وهو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظّمه وهو كتاب جدير بذلك. وساوق فيه المؤلّف رحمه الله كتاب فقه الحساب، لابن منعم والكامل للأحدب، ولخّص براهينها وغيّرها عن اصطلاح الحروف فيها إلى علل معنويّة ظاهرة، هي سرّ الإشارة بالحروف وزبدتها. وهي كلّها مستغلقة، وإنّما جاءه الاستغلاق من طريق البرهان ببيان علوم التّعاليم لأنّ مسائلها وأعمالها واضحة كلّها. وإذا قصد شرحها فإنّما هو إعطاء العلل في تلك الأعمال. وفي ذلك من العسر على الفهم ما لا يوجد في أعمال المسائل فتأمّله. والله يهدي بنوره من يشاء وهو القويّ المتين
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع