من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
ومن فروعه الجبر والمقابلة
وهي صناعة يستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة تقتضي ذلك. فاصطلحوا فيها على أن جعلوا للمجهولات مراتب من طريق التّضعيف بالضّرب. أوّلها العدد لأنّه به يتعيّن المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة المجهول إليه وثانيها الشّيء لأنّ كلّ مجهول فهو من جهة إبهامه شيء وهو أيضا جذر لما يلزم من تضعيفه في المرتبة الثّانية وثالثها المال وهو أمر مبهم وما بعد ذلك فعلى نسبة الأسّ في المضروبين. ثمّ يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر من هذه الأجناس فيقابلون بعضها ببعض ويجبرون ما فيها من الكسر حتّى يصير صحيحا. ويحطّون المراتب إلى أقلّ الأسوس إن أمكن حتّى يصير إلى الثّلاثة الّتي عليها مدار الجبر عندهم وهي العدد والشّيء والمال. فإن كانت المعادلة بين واحد وواحد تعيّن فالمال والجذر يزول إبهامه بمعادلة العدد ويتعيّن.
والمال وإن عادل الجذور فيتعيّن بعدّتها. وإن كانت المعادلة بين واحد واثنين أخرجه العمل الهندسيّ من طريق تفصيل الضّرب في الاثنين وهي مبهمة فيعيّنها ذلك الضّرب المفصّل. ولا يمكن المعادلة بين اثنين واثنين. وأكثر ما انتهت
المعادلة بينهم إلى ستّ مسائل لأنّ المعادلة بين عدد وجذر ومال مفردة أو مركّبة تجيء ستّة. وأوّل من كتب في هذا الفنّ أبو عبد الله الخوارزميّ وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم، وجاء النّاس على أثره فيه. وكتابه في مسائله السّتّ من أحسن الكتب الموضوعة فيه. وشرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا ومن أحسن شروحاته كتاب القرشيّ. وقد بلغنا أنّ بعض أئمّة التّعاليم من أهل المشرق أنهى المعاملات إلى أكثر من هذه السّتّة الأجناس، وبلغها إلى فوق العشرين واستخرج لها كلّها أعمالا وأتبعه ببراهين هندسيّة. والله يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه وتعالى
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع