من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
ومن فروعه علم الأزياج
وهي صناعة حسابيّة على قوانين عدديّة فيما يخصّ كلّ كوكب من طريق حركته وما أدّى إليه برهان الهيئة في وضعه من سرعة وبطء واستقامة ورجوع وغير ذلك يعرف به مواضع
الكواكب في أفلاكها لأيّ وقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تلك القوانين المستخرجة من كتب الهيئة. ولهذه الصّناعة قوانين كالمقدّمات والأصول لها في معرفة الشّهور والأيّام والتّواريخ الماضية وأصول متقرّرة من معرفة الأوج والحضيض والميول وأصناف الحركات واستخراج بعضها من بعض يضعونها في جدول مرتّبة تسهيلا على المتعلّمين وتسمّى الأزياج، ويسمّى استخراج مواضع الكواكب للوقت المفروض لهذه الصّناعة تعديلا وتقويما. وللنّاس فيه تآليف كثيرة للمتقدّمين والمتأخّرين مثل البتّانيّ وابن الكمّاد. وقد عوّل المتأخّرون لهذا العهد بالمغرب على زيج منسوب لابن إسحاق من منجّمي تونس في أوّل المائة السّابعة. ويزعمون أنّ ابن إسحاق عوّل فيه على الرّصد. وأنّ يهوديّا كان بصقلّيّة ماهرا في الهيئة والتّعاليم وكان قد عني بالرّصد وكان يبعث إليه بما يقع في ذلك من أحوال الكواكب وحركاتها فكان أهل المغرب لذلك عنوا به لوثاقة مبناه على ما يزعمون. ولخّصه ابن البنّاء في آخر سمّاه المنهاج فولع به النّاس لما سهل من الأعمال فيه وإنّما يحتاج إلى مواضع الكواكب من الفلك لتبتني عليها الأحكام النّجوميّة وهو معرفة الآثار الّتي تحدث عنها بأوضاعها في عالم الإنسان من الملك والدّول والمواليد البشريّة والكوائن الحادثة كما نبيّنه بعد ونوضح فيه أدلّتهم إن شاء الله تعالى. والله الموفّق لما يحبّه ويرضاه لا معبود سواه.
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع