تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

ومن فروعه أيضا الفرائض

وهي صناعة حسابيّة في تصحيح السّهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعدّدت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها وتزاحمها على المال كلّه أو كان في الفريضة إقرار وإنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كلّه إلى عمل يعيّن به سهام الفريضة من كم تصحّ وسهام الورثة من كلّ بطن مصحّحا حتّى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة. فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه وكسره وجذره ومعلومه ومجهوله وترتّب على ترتيب

أبواب الفرائض الفقهيّة ومسائلها. فتشتمل حينئذ هذه الصّناعة على جزء من الفقه وهو أحكام الوراثة من الفروض والعول والإقرار والإنكار والوصايا والتّدبير وغير ذلك من مسائلها وعلى جزء من الحساب وهو تصحيح السّهمان باعتبار الحكم الفقهيّ وهي من أجلّ العلوم. وقد يورد أهلها أحاديث نبويّة تشهد بفضلها مثل الفرائض ثلث العلم وأنّها أوّل ما يرفع من العلوم وغير ذلك. وعندي أنّ ظواهر تلك الأحاديث كلّها إنّما هي في الفرائض العينيّة كما تقدّم لا فرائض الوراثات فإنّها أقلّ من أن تكون في كمّيّتها ثلث العلم. وأمّا الفرائض العينيّة فكثيرة وقد ألّف النّاس في هذا الفنّ قديما وحديثا وأوعبوا ومن أحسن التّآليف فيه على مذهب مالك رحمه الله كتاب ابن ثابت ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفيّ وكتاب ابن المنمّر والجعديّ والصّرديّ وغيرهم. لكنّ الفضل للحوفيّ فكتابه مقدّم على جميعها. وقد شرحه من شيوخنا أبو عبد الله محمّد بن سليمان الشّطّيّ كبير مشيخة فاس فأوضح وأوعب. ولإمام الحرمين فيها تآليف على مذهب الشّافعيّ تشهد باتّساع باعه في العلوم، ورسوخ قدمه، وكذا للحنفيّة والحنابلة. ومقامات النّاس في العلوم مختلفة. والله يهدي من يشاء بمنّه وكرمه لا ربّ سواه.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.