من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
الفصل الستون في أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد
اعلم أنّ الشّعر لا يختصّ باللّسان العربيّ فقط بل هو موجود في كلّ لغة سواء كانت عربيّة أو عجميّة وقد كان في الفرس شعراء وفي يونان كذلك وذكر منهم أرسطو في كتاب المنطق أو ميروس الشّاعر وأثنى عليه. وكان في حمير أيضا شعراء متقدّمون. ولمّا فسد لسان مضر ولغتهم الّتي دوّنت مقاييسها وقوانين إعرابها وفسدت اللّغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة فكانت تحيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة وفي كثير من الموضوعات اللّغويّة وبناء الكلمات. وكذلك الحضر أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب وأكثر الأوضاع والتّصاريف وخالفت أيضا لغة الجيل من العرب لهذا العهد. واختلفت هي في نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق فلأهل الشّرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره وتخالفهما أيضا لغة أهل الأندلس وأمصاره. ثمّ لمّا كان الشّعر موجودا بالطّبع في أهل كلّ لسان لأنّ الموازين على نسبة واحدة في أعداد المتحرّكات والسّواكن وتقابلها موجودة في طباع البشر فلم يهجر الشّعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر الّذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه حسبما اشتهر بين أهل الخليقة. بل كلّ جيل وأهل كلّ لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الأمصار يتعاطون منه ما يطاوعهم في انتحاله ورصف بنائه على مهيع كلامهم. فأمّا العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشّعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطوّلات مشتملة
على مذاهب الشّعر وأغراضه من النّسيب والمدح والرّثاء والهجاء ويستطردون في الخروج من فنّ إلى فنّ في الكلام. وربّما هجموا على المقصود لأوّل كلامهم وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشّاعر ثمّ بعد ذلك ينسبون. فأهل أمصار المغرب من العرب يسمّون هذه القصائد بالأصمعيّات نسبة إلى الأصمعيّ راوية العرب في أشعارهم. وأهل المشرق من العرب يسمّون هذا النّوع من الشّعر بالبدويّ والحورانيّ والقيسيّ. وربّما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصّناعة الموسيقيّة. ثمّ يغنّون به ويسمّون الغناء به باسم الحورانيّ نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشّام وهي من منازل العرب البادية ومساكنهم إلى هذا العهد.
ولهم فنّ آخر كثير التّداول في نظمهم يجيئون به معصّبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثّلاثة في رويّه ويلتزمون القافية الرّابعة في كلّ بيت إلى آخر القصيدة شبيها بالمربّع والمخمّس الّذي أحدثه المتأخّرون من المولّدين. ولهؤلاء العرب في هذا الشّعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخّرون والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد وخصوصا علم اللّسان يستنكر صاحبها هذه الفنون الّتي لهم إذا سمعها ويمجّ نظمهم إذا أنشد ويعتقد أنّ ذوقه إنّما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها. وهذا إنّما أتى من فقدان الملكة في لغتهم فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظره وإلّا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة إنّما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه سواء كان الرّفع دالّا على الفاعل والنّصب دالّا على المفعول أو بالعكس وإنّما يدلّ على ذلك قرائن الكلام كما هو في لغتهم هذه. فالدّلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر صحّة الدّلالة وإذا طابقت تلك الدّلالة المقصود ومقتضى الحال صحّت البلاغة ولا عبرة بقوانين النّحاة في ذلك. وأساليب الشّعر وفنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب في أواخر الكلم فإنّ غالب كلماتهم موقوفة الآخر. ويتميّز
عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب.
فمن أشعارهم على لسان الشّريف بن هاشم يبكي الجازية بنت سرحان، ويذكر ظعنها مع قومها إلى المغرب:
قال الشريف ابن هاشم عليترى كبدي حرّى شكت من زفيرها
يغزّ للإعلام أين ما رأت خاطرييردّ غلام البدو يلوي عصيرها
وماذا شكاة الروح مما طرا لهاعداة وزائغ تلف الله خبيرها
يحسّ إن قطاع عامر ضميرهاطوى وهند جافي ذكيرها
وعادت كما خوارة في يد غاسلعلى مثل شوك الطلح عقدوا يسيرها
تجابذوها اثنين والنزع بينهمعلى شوك لعه والبقايا جريرها
وباتت دموع العين ذارفات لشأنهاشبيه دوّار السواني يديرها
تدارك منها النجم حذرا وزادهامرون يجي متراكبا من صبيرها
يصبّ من القيعان من جانب الصّفاعيون ولجاز البرق في غزيرها
هذا الغنى حتى تسابيت غزوةناضت من بغداد حتى فقيرها
ونادى المنادي بالرحيل وشدّواوعرج عاريها على مستعيرها
وشدّ لها الأدهم دياب بن غانمعلى أيدين ماضي وليد مقرب ميرها
وقال لهم حسن بن سرحان غرّبواوسوقوا النجوع إن كان أنا هو غفيرها
ويركض وبيده شهامه بالتسامحوباليمين لا يجدوا في مغيرها
غدرني زيان السيح من عابسوما كان يرضى زين حمير وميرها
غدرني وهو زعما صديقي وصاحبيوأناليه ما من درقتي ما يديرها
ورجع يقول لهم بلال بن هاشمبحر البلاد العطشى ما بخيرها
حرام علي باب بغداد وأرضهاداخل ولا عائد ركيزه من نعيرها
تصدف روحي عن بلاد ابن هاشمعلى الشمس أو حول الغظامن هجيرها
وباتت نيران العذارى قوادحبلوذ وبجرجان يشدوا أسيرها
ومن قولهم في رثاء أمير زناتة أبي سعدى اليفرني مقارعهم بإفريقية وأرض الزاب ورثاؤهم له على جهة التهكّم:
تقول فتاة الحيّ سعدى وهاضهالها في ظعون الباكرين عويل
أيا سائلي عن قبر الزناتي خليفةخذ النعت مني لا تكون هبيل
تراه يعالي وادي ران وفوقهمن الربط عيساوي بناه طويل
أراه يميل النور من شارع النقابه الواد شرقا واليراع دليل
أيا لهف كبدي على الزناتي خليفةقد كان لأعقاب الجياد سليل
قتيل فتى الهيجا دياب بن غانمجراحة كأفواه المزاد تسيل
أيا جائزا مات الزناتي خليفةلا ترحل إلا أن يريد رحيل
ألا واش رحّلنا ثلاثين مرةوعشرا وستا في النهار قليل
ومن قولهم على لسان الشّريف بن هاشم يذكر عتابا وقع بينه وبين ماضي بن مقرب:
تبدّى ماضي الجبار وقال ليأشكر ما نحنا عليك رضاش
أشكر أعد ما بقي ودّ بينناورانا عريب عربا لابسين نماش
نحن غدينا نصدفو ما قضى لناكما صادفت طعم الزباد طشاش
أشكر أعد إلى يزيد ملامهليحدو ومن عمر بلاده عاش
ان كان نبت الشوك يلقح بأرضكمهنا العرب ما زدنا لهن صياش
ومن قولهم في ذكر رحلتهم إلى الغرب وغلبهم زناتة عليه:
وأيّ جميل ضاع لي في الشريف بن هاشموأي رجال ضاع قبلي جميلها
لقد كنت أنا وياه في زهو بيتناعناني بحجة ما غباني دليلها
وعدت كأني شارب من مدامةمن الخمر فهو ما قدر من يميلها
أو مثل شمطامات مظنون كبدهاغريبا وهي مدوّخه عن قبيلها
أتاها زمان السوء حتى تدوّحتوهي بين عربا غافلا عن نزيلها
كذلك أنا مما لحاني من الوجىشاكي بكبد باديتها زعيلها
وأمرت قومي بالرحيل وبكّرواوقوّوا وشدّاد الحوايا حميلها
قعدنا سبعة أيام محبوس نجعناوالبدو ما ترفع عمود يقيلها
نظلّ على حداب الثنايا نوازييظل الجرى فوق النضا ونصيلها
ومن شعر سلطان بن مظفّر بن يحيى من الزواودة أحد بطون رياح وأهل الرئاسة فيهم، يقولها وهو معتقل بالمهديّة في سجن الأمير أبي زكريّا بن أبي حفص أوّل ملوك إفريقية من الموحّدين:
يقول وفي بوح الدجا بعد وهنةحرام على أجفان عيني منامها
يا من لقلب حالف الوجد والأسىوروح هيامي طال ما في سقامها
حجازية بدوية عربيةعداوية ولها بعيد مرامها
مولعة بالبدو لا تألف القرىسوى عانك الوعسا يؤتي خيامها
غيات ومشتاها بها كل شتوةممحونة بيها وبيها صحيح غرامها
ومر باها عشب الأراضي من الحيايواتي من الخور الخلايا جسامها
تشوق شوق العين مما تداركتعليها من السحب السواري عمامها
وماذا بكت بالما وماذا تناحطتعيون غرار المزن عذبا حمامها
كأنّ عروس البكر لاحت ثيابهاعليها ومن نور الأقاحي خزامها
فلاة ودهنا واتساع ومنةومرعى سوى ما في مراعي نعامها
ومشروبها من مخض ألبان شولهاغنيم ومن لحم الجوازي طعامها
تفانت عن الأبواب والموقف الّذييشيب الفتى مما يقاسي زحامها
سقى الله ذا الوادي المشجر بالحياوبلا ويحيى ما بلي من رمامها
فكافأتها بالودّ مني وليتنيظفرت بأيام مضت في ركامها
ليالي أقواس الصبا في سواعديإذا قمت لم تحظ من أيدي سهامها
وفرسي عديد تحت سرجي مشاقةزمان الصبا سرجا وبيدي لجامها
وكم من رداح أسهرتني ولم أرىمن الخلق أبهى من نظام ابتسامها
وكم غيرها من كاعب مرجحنةمطرّزة الأجفان باهي وشامها
وصفقت من وجدي عليها طريجةبكفي ولم ينسى جداها ذمامها
ونار بخطب الوجد توهج في الحشاوتوهج لا يطفأ من الماء ضرامها
أيا من وعدتي الوعد هذا إلى متىفني العمر في دار عماني ظلامها
ولكن رأيت الشمس تكسف ساعةويغمى عليها ثم يبدأ غيامها
بنود ورايات من السعد أقبلتإلينا بعون الله يهفو علامها
أرى في الفلا بالعين أظعان عزوتيورمحي على كتفي وسيري أمامها
بجرعا عتاق النوق من فوق شامسأحب بلاد الله عندي حشامها
إلى منزل بالجعفرية للّوىمقيم بها ما لذ عندي مقامها
ونلقى سراة من هلال بن عامريزيل الصدا والغل عني سلامها
بهم تضرب الأمثال شرقا ومغرباإذا قاتلوا قوما سريع انهزامها
عليهم ومن هو في حمامهم تحيةمدى الدهر ما غنى يفينا حمامها
فدع ذا ولا تأسف على سالف مضىفذي الدنيا ما دامت لأحد دوامها
ومن أشعار المتأخّرين منهم قول خالد بن حمزة بن عمر، شيخ الكعوب، من أولاد أبي اللّيل، يعاتب أقتالهم أولاد مهلهل ويجيب شاعرهم شبل بن مسكيانة بن مهلهل، عن أبيات فخر عليهم فيها بقومه:
يقول وذا قول المصاب الّذي نشاقوارع قيعان يعاني صعابها
يريح بها حادي المصاب إذا سعى فنونا من إنشاد القوافي عذابها محيرة مختارة من نشادها تحدّى بها تام الوشا ملتهابها مغربلة عن ناقد في غضونها محكمة القيعان دأبي ودأبها وهيض بتذكاري لها يا ذوي الندى قوارع من شبل وهذي جوابها اشبل جنينا من حباك طرائفا فراح يريح الموجعين الغنا بها فخرت ولم تقصر ولا أنت عادم سوى قلت في جمهورها ما أعابها لقولك في أمّ المتين بن حمزة وحامي حماها عاديا في حرابها أما تعلم أنه قامها بعد ما لقي رصاص بني يحيى وغلاق دأبها شهابا من أهل الأمر يا شبل خارق وهل ريت من جا للوغى واصطلى بها سواها طفاها أضرمت بعد طفيه وأثنى طفاها جاسرا لا يهابها وأضرمت بعد الطفيتين ألن صحت لفاس إلى بيت المنى يقتدى بها وبان لوالي الأمر في ذا انشحابها فصار وهي عن كبر الاسنة تهابها كما كان هو يطلب على ذا تجنبت رجال بني كعب الّذي يتقى بها
ومنها في العتاب:
وليدا تعاتبتوا أنا أغنى لأننيغنيت بمعلاق الثنا واغتصابها
عليّ ونا ندفع بها كل مبضعبأسياف ننتاش العدا من رقابها
فإن كانت الأملاك بغت عرائسعلينا بأطراف القنا اختضابها
ولا بعدها الارهاف وذبلوزرق كالسنة الحناش انسلابها
بني عمنا ما نرتضي الذل غلمهتسير السبايا والمطايا ركابها
وهي عالما بأنّ المنايا تنيلهابلا شك والدنيا سريع انقلابها
ومنها في وصف الظعائن:
قطعنا قطوع البيد لا نختشي العدافتوق بحوبات مخوف جنابها
ترى العين فيها قل لشبل عرائفوكلّ مهاة محتظيها ربابها
ترى أهلها غبّ الصباح ان يفلهابكل حلوب الجوف ما سدّ بابها
لها كل يوم في الأرامي قتائلورا الفاجر الممزوج عفو رضابها
ومن قولهم في الأمثال الحكميّة
وطلبك في الممنوع منك سفاهةوصدّك عمن صدّ عنك صواب
إذا رأيت أناسا يغلقوا عنك بابهمظهور المطايا يفتح الله باب
ومن قول شبل يذكر انتساب الكعوب إلى برجم:
لشيب وشبان من أولاد برجمجميع البرايا تشتكي من ضهادها
ومن قول خالد يعاتب إخوانه في موالاة شيخ الموحّدين أبي محمّد بن تافراكين المستبدّ بحجابة السلطان بتونس على سلطانها مكفولة أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى وذلك فيما قرب من عصرنا:
يقول بلا جهل فتى الجود خالدمقالة قوّال وقال صواب
مقالة حبر ذات ذهن ولم يكنهريجا ولا فيما يقول ذهاب
تهجست معنا نابها لا لحاجةولا هرج ينقاد منه معاب
وكنت بها كبدي وهي نعم صابةحزينة فكر والحزين يصاب
تفوّهت بادي شرحها عن مآربجرت من رجال في القبيل قراب
بني كعب أدنى الأقربين لدّمنابني عمّ منهم شائب وشباب
جرى عند فتح الوطن منا لبعضهممصافاة ودّ واتّساع جناب
وبعضهم ملنا له عن خصيمهكما يعلموا قولي يقينه صواب
وبعضهمو مرهوب من بعض ملكناجزاعا وفي جوّ الضمير كتاب
وبعضهمو جانا جريحا تسمحتخواطر منها للنزيل وهاب
وبعضهمو نظار فينا بسوّةنقهناه حتى ما عنا به ساب
رجع ينتهي مما سفهنا قبيحهمرارا وفي بعض المرار يهاب
وبعضهمو شاكي من أوغاد قادرغلق عنه في أحكام السقائف باب
فصمناه عنه واقتضي منه موردعلى كره مولى البالقي ودياب
ونحن على دافي المدى نطلب العلالهم ما حططنا للفجور نقاب
وحزنا حمى وطن بترشيش بعد مانفقنا عليها سبقا ورقاب
ومهد من الأملاك ما كان خارجاعلى أحكام والي أمرها له ناب
بردع قروم من قروم قبيلنابني كعب لاواها الغريم. وطاب
جرينا بهم عن كل تأليف في العداوقمنا لهم عن كل قيد مناب
إلى أن عاد من لا كان فيهم بهمةربيها وخيراته عليه نصاب
وركبوا السّبايا المثمنات من أهلهاولبسوا من أنواع الحرير ثياب
وساقوا المطايا يا لشرا لا نسوا لهجماهير ما يغلو بها بجلاب
وكسبوا من أصناف السعايا ذخائرضخام لحزات الزمان تصاب
وعادوا نظير البرمكيين قبل ذاوإلا هلالا في زمان دياب
وكانوا لنا درعا لكل مهمةإلى أن بان من نار العدوّ شهاب
وخلوا الدار في جنح الظلام ولا اتقواملامه ولا دار الكرام عتاب
كسوا الحي جلباب البهيم لسترهوهم لو دروا لبسوا قبيح جباب
كذلك منهم حانس ما دار النباذهل حلمي ان كان عقله غاب
يظنّ ظنونا ليس نحن بأهلهاتمنى يكن له في السماح شعاب
خطا هو ومن واتاه في سوء ظنهبالاثبات من ظنّ القبائح عاب
فوا عزوتي ان الفتى بو محمدوهوب لآلاف بغير حساب
وبرحت الأوغاد منه ويحسبوابروحه ما يحيى بروح سحاب
جروا يطلبوا تحت السحاب شرائعلقوا كل ما يستاملوه سراب
وهو لو عطى ما كان للرأي عارفولا كان في قلة عطاه صواب
وان نحن ما نستاملوا عنه راحةوانه باسهام التلاف مصاب
وان ما وطا ترشيش يضياق وسعهاعليه ويمشي بالفزوع لزاب
وانه منها عن قريب مفاصلخنوج عناز هوالها وقباب
وعن فاتنات الطرف بيض غوانجربوا خلف استار وخلف حجاب
يتيه إذا تاهوا ويصبوا إذا صبوابحسن قوانين وصوت رباب
يضلوه عن عدم اليمين وربّمايطارح حتى ما كأنّه شاب
بهم حازله زمّه وطوع أوامرولذة مأكول وطيب شراب
حرام على ابن تافركين ما مضىمن الودّ إلّا ما بدل بحراب
وان كان له عقل رجيح وفطنةيلجج في اليم الغريق غراب
وأما البدا لا بدّها من فياعلكبار إلى أن تبقى الرجال كباب
ويحمي بها سوق علينا سلاعهويحمار موصوف القنا وجعاب
ويمسي غلام طالب ريح ملكناندوما ولا يمسي صحيح بناب
أيا واكلين الخبز تبغوا أدامهغلطتوا أدمتوا في السموم لباب
ومن شعر عليّ بن عمر بن إبراهيم من رؤساء بني عامر لهذا العهد أحد بطون زغبة يعاتب بني عمّه المتطاولين إلى رياسته:
محبرة كالدرّ في يد صانعإذا كان في سلك الحرير نظام
أباحها منها فيه أسباب ما مضىوشاء تبارك والضعون تسام
غدامنه لام الحيّ حيين وانشطتعصاها ولا صبنا عليه حكام
ولكن ضميري يوم بان بهم إليناتبرّم على شوك القتاد برام
وإلا كأبراص التهامي قوادحوبين عواج الكانفات ضرام
والا لكان القلب في يد قابضأتاهم بمنشار القطيع غشام
لما قلت سما من شقا البين زارنيإذا كان ينادي بالفراق وخام
ألا يا ربوع كان بالأمس عامربيحيى وحله والقطين لمام
وغيد تداني للخطأ في ملاعبدجى الليل فيهم ساهر ونيام
ونعم يشوف الناظرين التحامهالنا ما بدا من مهرق وكظام
وعرود باسمها ليدعو لسربهاواطلاق من شرب المها ونعام
واليوم ما فيها سوى البوم حولهاينوح على اطلال لها وخيام
وقفنا بها طورا طويلا نسألهابعين سخينا والدموع سجام
ولا صحّ لي منها سوى وحش خاطريوسقمي من أسباب إن عرفت أوهام
ومن بعد ذاتدّى لمنصور بو عليسلام ومن بعد السلام سلام
وقولوا له يا بو ألوفا كلح رأيكمدخلتم بحور غامقات دهام
زواخر ما تنقاس بالعود إنمالها سيلات على الفضا وإكام
ولا قستمو فيها قياسا يدلكموليس البحور الطاميات تعام
وعانوا على هلكاتكم في ورودهامن الناس عدمان العقول لئام
أيا غزوة ركبوا الضلالة ولا لهمقرار ولا دنيا لهن دوام
الا غناهمو لو ترى كيف زايهممثل سراب فلاة ما لهن تمام
خلو القنا يبغون في مرقب العلامواضع ما هيا لهم بمقام
وحق النبي والبيت وأركانه العلىومن زارها في كل دهر وعام
لبرّ الليالي فيه ان طالت الحيايذوقون من خمط الكساع مدام
ولا برها تبقى البوادي عواكفبكل رديني مطرب وحسام
وكل مسافة كالسد إياه عابرعليها من أولاد الكرام غلام
وكل كميت يكتعص عض نابهيظل يصارع في العنان لجام
وتحمل بنا الأرض العقيمة مدةوتولدنا من كل ضيق كظام
بالأبطال والقود الهجان وبالقنالها وقت وجنات البدور زحام
أتجحدني وأنا عقيد نقودهاوفي سن رمحي للحروب علام
ونحن كأضراس الموافي بنجعكمحتى يقاضوا من ديون غرام
متى كان يوم القحط يا مير أبو علييلقى سعايا صائرين قدّام
كذلك بو حمو إلى اليسر ابعتهوخلى الجياد العاليات تسام
وخلّ رجالا لا يرى الضيم جارهمولا يجمعوا بدهى العدو زفام
ألا يقيموها وعقد بؤسهموهم عذر عنه دائما ودوام
وكم ثار طعنها على البدو سابقما بين صحاصيح وما بين حسام
فتى ثار قطار الصوى يومنا علىلنا أرض ترك الظاعنين زمام
وكم ذا يجيبوا أثرها من غنيمةحليف الثنا قشاع كل غيام
وإن جاء خافوه الملوك ووسعواغدا طبعه يجدي عليه قيام
عليكم سلام الله من لسن فاهمما غنت الورقا وناح حمام
ومن شعر عرب نمر بنواحي حوران لامرأة قتل زوجها فبعثت إلى أحلافه من قيس تغريهم بطلب ثأره تقول:
تقول فتاة الحيّ أمّ سلامهبعين أراع الله من لا رثى لها
تبيت بطول الليل ما تألف الكرىموجعة كان الشقا في مجالها
على ما جرى في دارها وبو عيالهابلحظة عين البين غير حالها
فقدنا شهاب الدين يا قيس كلكمونمتوا عن أخذ الثار ماذا مقالها
أنا قلت إذا ورد الكتاب يسرّنيويبرد من نيران قلبي ذبالها
أيا حين تسريح الذوائب واللحىوبيض العذارى ما حميتو جمالها
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع