تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الموشحات والأزجال للأندلس

وأمّا أهل الأندلس فلمّا كثر الشّعر في قطرهم وتهذّبت مناحيه وفنونه وبلغ التّنميق فيه الغاية استحدث المتأخّرون منهم فنّا منه سمّوه بالموشّح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضها المختلفة. ويسمّون المتعدّد منها بيتا واحدا ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات. ويشتمل كلّ بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد. وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفه النّاس جملة الخاصّة والكافّة لسهولة تناوله وقرب طريقه. وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافر الفريريّ من شعراء الأمير عبد الله بن محمّد المروانيّ. وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربّه صاحب كتاب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخّرين ذكر وكسدت موشّحاتهما. فكان أوّل من برع في هذا الشّأن عبادة القزّاز شاعر المعتصم ابن صمادح صاحب المرية. وقد ذكر الأعلم البطليوسيّ أنّه سمع أبا بكر بن زهير يقول: كلّ الوشّاحين عيال على عبّادة القزّاز فيما اتّفق له من قوله:

بدر تمّ. شمس ضحاغصن نقا. مسك شمّ
ما أتمّ. ما أوضحاما أورقا ما أنمّ
للشاعر عبادة القزاز، من قصيدة «بدرتمّ شمس ضحى»
لا جرم. من لمحاقد عشقا. قد حرم
للشاعر عبادة القزاز، من قصيدة «بدرتمّ شمس ضحى»

وزعموا أنّه لم يسبقه وشّاح من معاصريه الّذين كانوا في زمن الطّوائف.

وذكر غير واحد من المشايخ أنّ أهل هذا الشّأن بالأندلس يذكرون أنّ

جماعة من الوشّاحين اجتمعوا في مجلس بأشبيليّة وكان كلّ واحد منهم اصطنع موشّحة وتأنّق فيها فتقدّم الأعمى الطّليطليّ للإنشاد فلمّا افتتح موشّحته المشهورة بقوله:

ضاحك عن جمان. سافر عن درّضاق عنه الزّمان. وحواه صدري

صرف ابن بقيّ موشّحته وتبعه الباقون. وذكر الأعلم البطليوسيّ أنّه سمع ابن زهر يقول: ما حسدت قطّ وشّاحا على قول إلّا ابن بقيّ حين وقع له:

أما ترى أحمد. في مجده العالي لا يلحقأطلعه الغرب. فأرنا مثله يا مشرق

وكان في عصرهما من الموشّحين المطبوعين أبو بكر الأبيض. وكان في عصرهما أيضا الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التّلاحين المعروفة ومن الحكايات المشهورة أنّه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشّحته الّتي أوّلها:

جَرِّرِ الذَّيْلَ أيَّمَا جَرِوصِل الشُّكْرَ مِنْكَ بالشكْرِ
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «صاح لاح الصباح للحبر»

فطرب الممدوح لذلك لمّا ختمها بقوله:

عقد الله راية النّصرلأمير العلا أبي بكر

فلمّا طرق ذلك التّلحين سمع ابن تيفلويت صاح: وا طرباه: وشقّ ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وختمت وحلف بالأيمان المغلّظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلّا على الذّهب. فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه. وذكر أبو الخطّاب بن زهر أنّه جرى في مجلس أبي بكر بن زهير ذكر أبي بكر الأبيض الوشّاح المتقدّم الذّكر فغصّ منه بعض الحاضرين فقال كيف تغصّ ممّن يقول:

ما لذّ لي شراب راح «على رياض الأقاحلولا هضيم الوشاح» إذا أسا في الصّباح
أو في الأصيل «أضحى يقول:ما للشمول» لطمت خدّي؟
وللشّمال «هبّت فمالغصن اعتدال» ضمّه بردي
ممّا أباد القلوبا «يمشي لنا مستريبايا لحظه ردّ نوبا» ويا لماه الشّنيبا
برّد غليل «صبّ عليللا يستحيل» فيه عن عهدي
ولا يزال «في كلّ حاليرجو الوصال» وهو في الصّدّ

واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحّدين محمّد بن أبي الفضل بن شرف. قال الحسن بن دويدة: رأيت حاتم بن سعيد على هذا الافتتاح:

شمس قاربت بدراراح ونديم

وابن بهرودس الّذي له:

يا ليلة الوصل والسعودباللَّه عودي

وابن مؤهّل الّذي له:

ما العيد في حلّة وطاق. وشمّ وطيب.وإنّما العيد في التّلاقي. مع الحبيب

وأبو إسحاق الرّوينيّ قال ابن سعيد: سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: إنّه دخل على ابن زهير وقد أسنّ وعليه زيّ البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس. وجرت المحاضرة فأنشد لنفسه موشّحة وقع فيها:

كحل الدّجى يجري «من مقلةالفجر» على الصّباح
ومعصم النّهر «في حللخضر» من البطاح

فتحرّك ابن زهير وقال أنت تقول هذا؟ قال: اختبر! قال: ومن تكون؟

فعرّفه، فقال: ارتفع فو الله ما عرفتك، قال ابن سعيد وسابق الحلبة الّذي أدرك هؤلاء أبو بكر بن زهير وقد شرّقت موشّحاته وغرّبت، قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول قيل لابن زهير لو قيل لك ما أبدع وأرفع ما وقع لك في التّوشيح قال كنت أقول:

ما للمولّه من سكره لا يفيق. يا له سكران. من غير خمر. ما للكئيب المشوق.

يندب الأوطان.

هل تستعاد. أيامنابالخليج. وليالينا
للشاعر ابن زهر الحفيد، من قصيدة «ما للموله من سكره لا يفيق»
أو نستفاد. من النسيمالأريج. مسك دارينا
أو هل يكاد. حسن المكانالبهيج. أن يحيّينا؟

روض أظلّه. دوح عليه أنيق. مورق الأفنان. والماء يجري. وعائم وغريق.

من جنى الرّيحان.

واشتهر بعده ابن حيّون الّذي له من الزّجل المشهور قوله:

يفوّق سهمه كلّ حينبما شئت من يد وعين

وينشد في القصيد:

خلقت مليح علمت راميفليس تخلّ ساع من قتال
وتعمل بذي العينين متاعيما تعمل يديّ بالنبال

واشتهر معهما يومئذ بغرناطة المهر بن الفرس، قال ابن سعيد، ولمّا سمع ابن زهر قوله:

للَّه ما كان من يوم بهيجبنهر حمص على تلك المروج
للشاعر المهر بن الفرس، اقرأ القصيدة
ثمّ انعطفنا على فمّ الخليجنفضّ في حانه مسك الختام
للشاعر المهر بن الفرس، اقرأ القصيدة

عن عسجد زانه صافي المدام ورداء الأصيل ضمّه كف الظلام

قال ابن زهر: أين كنّا نحن عن هذا الرداء وكان معه في بلده مطرّف. أخبر ابن سعيد عن والده أنّ مطرّفا هذا دخل على ابن الفرس فقام له وأكرمه، فقال:

لا تفعل! فقال ابن الفرس: كيف لا أقوم لمن يقول:

قلوب تصاب بألحاظ تصيبفقل كيف تبقى بلا وجد

وبعد هذا ابن حزمون بمرسية. ذكر ابن الرائس أنّ يحيى الخزرجيّ دخل عليه في مجلسه فأنشده موشّحة لنفسه فقال له ابن حزمون: لا يكون الموشّح بموشّح حتّى يكون عاريا عن التّكلّف، قال على مثل ماذا؟ قال على مثل قولي:

يا هاجري هل إلى الوصالمنك سبيل
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
أو هل ترى عن هواك ساليقلب العليل

وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة. قال ابن سعيد كان والدي يعجب بقوله:

إنّ سيل الصباح في الشرقعاد بحرا في أجمع الأفق

فتداعت نوادب الورق

أتراها خافت من الغرقفبكت سحرة على الورق

واشتهر بأشبيليّة لذلك العهد أبو الحسن بن الفضل، قال ابن سعيد عن والده، سمعت سهل ابن مالك يقول له: يا ابن الفضل لك على الوشّاحين الفضل بقولك:

وا حسرتا لزمان مضىعشيّة بأنّ الهوى وانقضى
وأفردت بالرغم لا بالرضىوبتّ على جمرات الغضى
أعانق بالفكر تلك الطّلولوألثم بالوهم تلك الرّسوم

قال وسمعت أبا بكر بن الصابونيّ ينشد الأستاذ أبا الحسن الدّباج موشّحاته غير ما مرّة، فما سمعته يقول له للَّه درّك، إلّا في قوله:

قسما بالهوى لذي حجرما للّيل المشوّق من فجر
للشاعر السلطان أحمد المنصور، اقرأ القصيدة

جمد الصّبح ليس يطرد ما للّيليّ فيما أظنّ غد اصح يا ليل إنّك الأبد

أو قفصت قوادم النسرفنجوم السماء لا تسري

ومن محاسن موشّحات ابن الصابوني قوله:

ما حال صبّ ذي ضنى واكتئابأمرضه يا ويلتاه الطبيب
عامله محبوبه باجتنابثمّ اقتدى فيه الكرى بالحبيب
جفا جفوني النوم لكننيلم أبكه الا لفقد الخيال
وذا الوصال اليوم قد غرّنيمنه كما شاء وشاء الوصال
فلست باللائم من صدّنيبصورة الحقّ ولا بالمحال

واشتهر ببرّ أهل العدوة ابن خلف الجزائريّ صاحب الموشّحة المشهورة:

الإصباح قدحت زنادالأنوار في مجامز الزهر

وابن خرز البجائيّ وله من موشّحة:

ثغر الزمان موافقحباك منه بابتسام

ومن محاسن الموشّحات للمتأخّرين موشّحة ابن سهل شاعر إشبيليّة وسبتة من بعدها فمنها قوله:

هَلْ دَرَى ظَبْيُ الْحِمَى أَنْ قَدْ حَمَىقَلْبَ صَبٍّ حَلَّهُ عَنْ مَكْنِسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
فهو في نار وخفق مثل مالعبت ريح الصّبا بالقبس

وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره وقد مرّ ذكره فقال:

جَادَكَ الْغَيْثُ إِذَا الْغَيْثُ هَمَىيَا زَمَانَ الْوَصْلِ بِالْأَنْدَلُسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
لَمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إِلَّا حُلُمًافِي الْكَرَى أَوْ خُلْسَةَ الْمُخْتَلِسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
إذ يقود الدّهر أشتات المنىينقل الخطو على ما يرسم
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
زمرا بين فرادى وثنامثل ما يدعو الوفود الموسم
والحيا قد جلّل الرّوض سنىفثغور الزّهر فيه تبسم
وَرَوَى النُّعْمَانُ عَنْ مَاءِ السَّمَاكَيْفَ يَرْوِي مَالِكٌ عَنْ أَنَسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
فَكَسَاهُ الْحُسْنُ ثَوْبًا مُعْلَمًايَزْدَهِي مِنْهُ بِأَبْهَى مَلْبَسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
فِي لَيَالٍ كَتَمَتْ سِرَّ الْهَوَىبِالدُّجَى لَوْلَا شُمُوسُ الْغُرَرِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
مَالَ نَجْمُ الْكَأْسِ فِيهَا وَهَوَىمُسْتَقِيمَ السَّيْرِ سَعْدَ الْأَثَرِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
وَطَرٌ مَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ سِوَىأَنَّهُ مَرَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
حين لذّ النّوم منّا أو كماهجم الصّبح هجوم الحرس
غَارَتِ الشُّهْبُ بِنَا أَوْ رُبَّمَاأَثَّرَتْ فِينَا عُيُونُ النَّرْجِسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
أَيُّ شَيْءٍ لِامْرِئٍ قَدْ خَلَصَافَيَكُونُ الرَّوْضُ قَدْ مُكِّنَ فِيهِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
تَنْهَبُ الْأَزْهَارُ فِيهِ الْفُرَصَاأَمِنَتْ مِنْ مَكْرِهِ مَا تَتَّقِيهِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
فإذا الماء يناجي والحصاوخلا كلّ خليل بأخيه
تُبْصِرُ الْوَرْدَ غَيُورًا بَرِمًايَكْتَسِي مِنْ غَيْظِهِ مَا يَكْتَسِي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
وترى الآس لبيبا فهمايسرق الدّمع بأذني فرس
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
يَا أُهَيْلَ الْحَيِّ مِنْ وَادِي الْغَضَاوَبِقَلْبِي مَسْكَنٌ أَنْتُمْ بِهِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
ضَاقَ عَنْ وَجْدِي بِكُمْ رَحْبُ الْفَضَالَا أُبَالِي شَرْقَهُ مِنْ غَرْبِهِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
فأعيدوا عهد أنس قد مضىتنقذوا عانيكم من كربه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَحْيُوا مُغْرَمًايَتَلَاشَى نَفَسًا فِي نَفَسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
حبس القلب عليكم كرماأفترضون خراب الحبس
وَبِقَلْبِي مِنْكُمْ مُقْتَرِبٌبِأَحَادِيثِ الْمُنَى وَهْوَ بَعِيدُ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
قمر أطلع منه المغربشقوة المغري به وهو سعيد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
قَدْ تَسَاوَى مُحْسِنٌ أَوْ مُذْنِبٌفِي هَوَاهُ بَيْنَ وَعْدٍ وَوَعِيدْ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
سَاحِرُ الْمُقْلَةِ مَعْسُولُ اللَّمَىجَالَ فِي النَّفْسِ مَجَالَ النَّفَسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
سَدَّدَ السَّهْمَ فَأَصْمَى إِذْ رَمَىبِفُؤَادِي نَبْلَةُ الْمُفْتَرِسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
إِنْ يَكُنْ جَارَ وَخَابَ الْأَمَلُوَفُؤَادُ الصَّبِّ بِالشَّوْقِ يَذُوبُ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
فَهْوَ لِلنَّفْسِ حَبِيبٌ أَوَّلُلَيْسَ فِي الْحُبِّ لِمَحْبُوبٍ ذُنُوبُ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
أَمْرُهُ مُعْتَمَلٌ مُمْتَثَلُفِي ضُلُوعٍ قَدْ بَرَاهَا وَقُلُوبْ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
حَكَّمَ اللَّحْظَ بِهَا فَاحْتَكَمَالَمْ يُرَاقِبْ فِي ضِعَافِ الْأَنْفُسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
يُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِمَّنْ ظَلَمَاوَيُجَازِي الْبَرَّ مِنْهَا وَالْمُسِي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
مَا لِقَلْبِي كُلَّمَا هَبَّتْ صَبَاعَادَهُ عِيدٌ مِنَ الشَّوْقِ جَدِيدُ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
كَانَ فِي اللَّوْحِ لَهُ مُكْتَتَبًاقَوْلُهُ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدُ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
جَلَبَ الْهَمَّ لَهُ وَالْوَصَبَافَهْوَ لِلْأَشْجَانِ فِي جَهْدٍ جَهِيدِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
لَاعِجٌ فِي أَضْلُعِي قَدْ أُضْرِمَافَهِيَ نَارٌ فِي هَشِيمِ الْيَبَسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
لم يدع من مهجتي إلّا الدّماكبقاء الصّبح بعد الغلس
سلّمي يا نفس في حكم القضاواعبري الوقت برجعى ومتاب
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
واتركي ذكرى زمان قد مضىبين عتبى قد تقضّت وعتاب
واصرفي القول إلى المولى الرّضىملهم التّوفيق في أمّ الكتاب
الْكَرِيمِ الْمُنْتَهَى وَالْمُنْتَمَىأَسَدِ السَّرْجِ وَبَدْرِ الْمَجْلِسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
يَنْزِلُ النَّصْرُ عَلَيْهِ مِثْلَمَايَنْزِلُ الْوَحْيُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»

وأمّا المشارقة فالتّكلّف ظاهر على ما عانوه من الموشّحات. ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشّحة ابن سناء الملك الّتي اشتهرت شرقا وغربا وأوّلها:

حبيبي ارفع حجاب النورعن العذار
تنظر المسك على كافورفي جلنار
كلّلي يا سحب تيجان الربىبالحلى واجعلي

سوارها منعطف الجدول

ولمّا شاع فنّ التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامّة من أهل الأمصار على منواله، ونظّموا في طريقته بلغتهم الحضريّة من غير أن يلتزموا فيها إعرابا. واستحدثوا فنّا سمّوه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاءوا فيه بالغرائب واتّسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة.

وأوّل من أبدع في هذه الطّريقة. الزجليّة أبو بكر بن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، لكن لم يظهر حلاها، ولا انسبكت معانيها واشتهرت رشاقتها إلّا في زمانه. وكان لعهد الملّثمين، وهو إمام الزجّالين على الإطلاق.

قال ابن سعيد: ورأيت أزجاله مرويّة ببغداد أكثر ممّا رأيتها بحواضر المغرب.

قال: وسمعت أبا الحسن بن جحدر الإشبيليّ، إمام الزجّالين في عصرنا يقول:

ما وقع لأحد من أئمّة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة، وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصبّ الماء من فيه على صفائح من الحجر متدرّجة فقال:

وعريش قد قام على دكانبحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبانمن غلظ ساق
وفتح فمه بحال إنسانبيه الفراق
وانطلق من ثم على الصفاحوألقى الصياح

وكان ابن قزمان، مع أنّه قرطبيّ الدار، كثيرا ما يتردّد إلى إشبيليّة ونيتاب نهرها، فاتّفق أن اجتمع ذات يوم جماعة من أعلام هذا الشأن. وقد ركبوا في النّهر للنزهة، ومعهم غلام جميل الصورة من سروات أهل البلد وبيوتهم. وكانوا مجتمعين في زورق للصيد، فنظموا في وصف الحال، وبدأ منهم عيسى البليديّ فقال:

يطمع بالخلاص قلبي وقد فاتووقد ضمني عشقو لشهماتو
تراه قد حصل مسكين محلاتويغلق وكذاك أمر عظيم صاباتو
توحش الجفون الكحل إن غابووذيك الجفون الكحل أبلاتو

ثمّ قال أبو عمرو بن الزاهر الإشبيليّ:

نشب والهوى من لج فيه ينشبترى ايش دعاه يشقى ويتعذب
مع العشق قام في بألوان يلعبوخلق كثير من ذا اللعب ماتوا

ثمّ قال أبو الحسن المقرّيّ الدانيّ:

نهار مليح يعجبن أوصافوشراب وملاح من حولي قد طافوا
والمقلين يقول من فوق صفصافووالبوري أخرى فقلاتو

ثمّ قال أبو بكر بن مرتين:

الحق تريد حديث بقالي عادفي الواد النزيه والبوري والصياد
لسنا حيتان ذيك الّذي يصطادقلوب الورى هي في شبيكاتو

ثمّ قال أبو بكر بن قزمان:

إذا شمر كمامو يرميهاترى البوري يرشق لذاك الجيها
وليس مرادو أن يقع فيهاإلا أن يقبل بدياتو

وكان في عصرهم بشرق الأندلس محلف الأسود، وله محاسن من الزّجل منها قوله:

قد كنت منشوب واختشيت النشبوردّني ذا العشق لأمر صعب
حتى تنظر الخدّ الشريق البهيتنتهي في الخمر ألما تنتهي
يا طالب الكيميا في عينيّ هيتنظر بها الفضة وترجع ذهب

وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس، وقعت له العجائب في هذه الطريقة، فمن قوله في زجله المشهور:

ورذاذ دق ينزلوشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضضوترى الآخر يذهب
والنبات يشرب ويسكروالغصون ترقص وتطرب
وتريد تجي إليناثم تستحي وتهرب

ومن محاسن أزجاله قوله:

لاح الضيا والنجوم حيارىفقم بنا ننزع الكسل
شربت ممزوج من قراعاأحلى هي عندي من العسل
يا من يلمني كما تقلدقلدك الله بما تقول
يقول بان الذنوب تولدوأنّه يفسد العقول
لارض الحجاز موريكن لك أرشدايش ما ساقك معي في ذا الفضول
مر أنت للحج والزياراودعني في الشرب منهمل
من ليس لو قدره ولا استطاعالنية أبلغ من العمل

وظهر بعد هؤلاء بأشبيليّة ابن جحدر الّذي فضل على الزّجالين في فتح ميورقة بالزّجل الّذي أوّله هذا:

من عاند التوحيد بالسيف يمحقأنا بري ممن يعاند الحق

قال ابن سعيد لقيته ولقيت تلميذه المعمع صاحب الزّجل المشهور الّذي أوّله:

يا ليتني ان رأيت حبيبيأفتل اذنو بالرسيلا
ليش أخذ عنق الغزيلوسرق فم الحجيلا

ثمّ جاء من بعدهم أبو الحسن سهل ابن مالك إمام الأدب، ثمّ من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب إمام النظم والنثر في الملّة الإسلاميّة غير مدافع، فمن محاسنه في هذه الطريقة:

امزج الأكواس واملالي تجدّدما خلق المال إلا أن يبدّد

ومن قوله على طريقة الصوفيّة وينحو منحى الشّشتريّ منهم:

بين طلوع وبين نزولاختلطت الغزول
ومضى من لم يكنوبقي من لم يزول

ومن محاسنه أيضا قوله في ذلك المعنى:

البعد عنك يا بني أعظم مصائبيوحين حصل لي قربك سببت قاربي

وكان لعصر الوزير ابن الخطيب بالأندلس محمّد بن عبد العظيم من أهل وادي آش، وكان إماما في هذه الطريقة وله من زجل يعارض به مدغليس في قوله:

لاح الضياء والنجوم حيارى بقوله:

حل المجون يا أهل الشطارامذحلت الشمس في الحمل
تجدّدوا كل يوم خلاعالا تجعلوا بينها ثمل
إليها يتخلعوا في شنبلعلى خضورة ذاك النبات
وحل بغداد واجتياز النيلأحسن عندي من ذيك الجهات
وطاقتها أصلح من أربعين ميلان مرت الريح عليه وجات
لم تلتق الغبار اماراولا بمقدار ما يكتحل
وكيف ولاش فيه موضع رقاعاإلا ونسرّح فيه النحل

وهذه الطريقة الزجليّة لهذا العهد هي فنّ العامّة بالأندلس من الشّعر، وفيها نظمهم حتّى أنّهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر، لكن بلغتهم العاميّة ويسمّونه الشّعر الزجليّ مثل قول شاعرهم:

دهر لي نعشق جفونك وسنينوأنت لا شفقة ولا قلب يلين
حتى ترى قلبي من أجلك كيف رجعصنعة السكة بين الحدادين
الدموع ترشرش والنار تلتهبوالمطارق من شمال ومن يمين
خلق الله النصارى للغزووأنت تغزو قلوب العاشقين

وكان من المجيدين لهذه الطريقة لأوّل هذه المائة الأديب أبو عبد الله اللّوشيّ وله فيها قصيدة يمدح فيها السلطان ابن الأحمر:

طل الصباح قم يا نديمي نشربوونضحكو من بعد ما نطربو
سبيكة الفجر أحكت شفقفي ميلق الليل فقم قلبو
ترى عيارها خالص أبيض نقيفضة هو لكن الشفق ذهبو
فتنتفق سكتوا عند البشرنور الجفون من نورها يكسبو
فهو النهار يا صاحبي للمعاشعيش الغني فيه باللَّه ما أطيبوا
والليل أيضا للقبل والعناقعلى سرير الوصل يتقلبو
جاد الزمان من بعد ما كان بخيلولش ليفلت من يديه عقربو
كما جرع مرو فما قد مضىيشرب بيننو ويأكل طيبو
قال الرقيب يا أدبا أيش ذافي الشرب والعشق ترى ننجبو
وتعجبوا عذالي من ذا الخبرفقلت يا قوم من ذا تتعجبوا
نعشق مليح الا رقيق الطباععلاش تكفروا باللَّه أو تكتبوا
ليش يربح الحسن إلا شاعر أديبيفض بكرا ويدع ثيبو
أما الكاس فحرام نعم هو حرامعلى الّذي ما يدري كيف يشربو
ويد الّذي يحسن حسابه ولميقدر يحسن ألفاظ أن يجلبوا
وأهل العقل والفكر والمجونيغفر ذنوبهم لهذا إن أذنبوا
ظبي بهي فيها يطفي الجمروقلبي في جمر الغضى يلهبو
غزال بهي ينظر قلوب الأسودوبالوهم قبل النظر يذهبوا
ثم يحييهم إذا ابتسم يضحكواويفرحوا من بعد ما يندبوا
فميم كالخاتم وثغر نقيخطيب الأمّة للقبل يخطبو
جوهر ومرجان أي عقد يا فلانقد صففه الناظم ولم يثقبو
وشارب أخضر يريد لاش يريدمن شبهه بالمسك قد عيبو
يسبل دلال مثل جناح الغرابليالي هجري منه يستغربوا
على بدن أبيض بلون الحليبما قط راعي للغنم يحلبوا
وزوج هندات ما علمت قبلهاديك الصلا يا ريت ما أصلبوا
تحت العكاكن منها خصر رقيقمن رقتو يخفي إذا تطلبوا

أرق هو من ديني فيما تقول جديد عتبك حق ما أكذبوا أي دين بقا لي معاك وأي عقل من يتبعك من ذا وذا تسلبوا تحمل ارداف ثقال كالرقيب حين ينظر العاشق وحين يرقبو ان لم ينفس غدر أو ينقشع في طرف ديسا والبشر تطلبوا يصير إليك المكان حين تجي وحين تغيب ترجع في عيني تبو محاسنك مثل خصال الأمير أو الرمل من هو الّذي يحسبو عماد الأمصار وفصيح العرب من فصاحة لفظه يتقرّبو بحمل العلم انفرد والعمل ومع بديع الشعر ما أكتبوا ففي الصدور بالرمح ما أطعنه وفي الرقاب بالسيف ما أضربوا من السماء يحسد في أربع صفات فمن يعدّ قلبي أو يحسبو الشمس نورو والقمر همتو الغيث جودو والنجوم منصبو يركب جواد الجود ويطلق عنان الاغنيا والجند حين يركبوا من خلعتو يلبس كل يوم بطيب منه بنات المعالي تطيبوا نعمتو تظهر على كل من يجيه قاصد ووارد قط ما خيبوا قد أظهر الحق وكان في حجاب لاش يقدر الباطل بعد ما يحجبو وقد بنى بالسر ركن التقى من بعد ما كان الزمان خربو تخاف حين تلقاه كما ترتجيه فمع سماحة وجهو ما أسيبو يلقى الحروب ضاحكا وهي عابسة غلاب هو لا شيء في الدنيا يغلبو إذا جبد سيفه ما بين الردود فليس شيء يغني من يضربو وهو سميّ المصطفى والإله للسلطنة اختار واستنخبو تراه خليفة أمير المؤمنين يقود جيوشو ويزين موكبو لذي الإمارة تخضع الرءوس نعم وفي تقبيل يديه يرغبوا ببيته بقي بدور الزمان يطلعوا في المجد ولا يغربوا

وفي المعالي والشرف يبعدوا وفي التواضع والحيا يقربوا والله يبقيهم ما دار الفلك وأشرقت شمسه ولاح كوكبو وما يغني ذا القصيد في عروض يا شمس خدر ما لها مغربو

ثمّ استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشّعر، في أعاريض مزدوجة كالموشّح، نظموا فيه بلغتهم الحضريّة أيضا وسمّوه عروض البلد، وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير، فنظم قطعة على طريقة الموشّح ولم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب إلّا قليلا مطلعها:

أبكاني بشاطئ النهر نوح الحمامعلى الغصن في البستان قريب الصباح
وكف السحر يمحو مداد الظلاموماء الندى يجري بثغر الاقاح
باكرت الرياض والطل فيها افتراقكثير الجواهر في نحور الجوار
ودمع النواعير ينهرق انهراقيحاكي ثعابين حلقت بالثمار
لووا بالغصون خلخال على كل ساقودار الجميع بالروض دور السوار
وأيدي الندى تخرق جيوب الكمامويحمل نسيم المسك عنها رياح
وعاج الصبا يطلى بمسك الغماموجرّ النسيم ذيلو عليها وفاح
رأيت الحمام بين الورق في القضيبقد ابتلت ارياشو بقطر الندى
تنوح مثل ذاك المستهام الغريبقد التف من توبو الجديد في ردا
ولكن بما أحمر وساقو خضيبينظم سلوك جوهر ويتقلدا
جلس بين الأغصان جلسة المستهامجناحا توسد والتوى في جناح
وصار يشتكي ما في الفؤاد من غراممنها ضمّ منقاره لصدره وصاح
قلت يا حمام أحرمت عيني الهجوعأراك ما تزال تبكي بدمع سفوح
قال لي بكيت حتى صفت لي الدموعبلا دمع نبقي طول حياتي ننوح
على فرخ طار لي لم يكن لو رجوعألفت البكا والحزن من عهد نوح
كذا هو ألوفا وكذا هو الزمامانظر جفون صارت بحال الجراح
وأنتم من بكى منكم إذا تم عاميقول عناني ذا البكا والنواح
قلت يا حمام لو خضت بحر الضنىكنت تبكي وترثي لي بدمع هتون
ولو كان بقلبك ما بقلبي أناما كان يصير تحتك فروع الغصون
اليوم نقاسي الهجر كم من سناحتى لا سبيل جمله تراني العيون
ومما كسا جسمي النحول والسقامأخفاني نحولي عن عيون اللواح
لو جتنى المنايا كان يموت في المقامومن مات بعد يا قوم لقد استراح
قال لي لو رقدت لا وراق الرياضمن خوفي عليه ودا النفوس للفؤاد
وتخضبت من دمعي وذاك البياضطوق العهد في عنقي ليوم التناد
أمّا طرف منقاري حديثو استفاضبأطراف البلد والجسم صار في الرماد

فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته، وتركوا الإعراب الّذي ليس من شأنهم، وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم ونوّعوه أصنافا إلى المزدوج والكازي والملعبة والغزل. واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها. فمن المزدوج ما قاله ابن شجاع من فصولهم وهو من أهل تازا:

المال زينة الدنيا وعز النفوسيبهي وجوها ليس هي باهيا
فها كل من هو كثير الفلوسولوه الكلام والرتبة العاليا
يكبر من كثر ما لو ولو كان صغيرويصغر عزيز القوم إذ يفتقر
من ذا ينطبق صدري ومن ذا تغيروكاد ينفقع لولا الرجوع للقدر
حتى يلتجي من هو في قومو كبيرلمن لا أصل عند وو لا لو خطر
لذا ينبغي يحزن على ذي العكوسويصبغ عليه ثوب فراش صافيا
اللي صارت الاذناب أمام الرءوسوصار يستفيد الواد من الساقيا
ضعف الناس على ذا وفسد ذا الزمانما يدروا على من يكثروا ذا العتاب
اللي صار فلان يصبح بو فلانولو رأيت كيف يردّ الجواب
عشنا والسلام حتى رأينا عيانأنفاس السلاطين في جلود الكلاب
كبار النفوس جدّا ضعاف الاسوسهم ناحيا والمجد في ناحيا
يرو أنهم والناس يروهم تيوسوجوه البلد والعمدة الراسيا

ومن مذاهبهم قول ابن شجاع منهم في بعض مزدوجاته:

تعب من تبع ذا الزمانأهمل يا فلان لا يلعب الحسن فيك
ما منهم مليح عاهد الا وخانقليل من عليه تحبس ويحبس عليك
يهبوا على العشاق ويتمنعواويستعمدوا تقطيع قلوب الرجال
وان واصلوا من حينهم يقطعواوان عاهدوا خانوا على كل حال
مليح كان هويتو وشت قلبي معووصيرت من خدّي لقدمو نعال
ومهدت لو من وسط قلبي مكانوقلت لقلبي أكرم لمن حل فيك
وهوّن عليك ما يعتريك من هوانفلا بدّ من هول الهوى يعتريك
حكمتوا علي وارتضيت بو أميرفلو كان يرى حالي إذا يبصرو
يرجع مثل در حولي بوجه الغديرمرديه ويتعطس بحال انحرو
وتعلمت من ساعا بسبق الضميرويفهم مرادو قبل أن يذكرو
ويحتل في مطلو لو أن كانعصر في الربيع أو في الليالي يريك
ويمشي بسوق كان ولو بأصبهانوايش ما يقل يحتاج لو يجيك

حتّى أتى على آخرها.

وكان منهم عليّ بن المؤذّن بتلمسان، وكان لهذه العصور القريبة من فحولهم بزرهون من ضواحي مكناسة رجل يعرف بالكفيف، أبدع في مذاهب هذا الفنّ. ومن أحسن ما علق له بمحفوظي قوله في رحلة السلطان أبي الحسن وبني مرين إلى إفريقية يصف هزيمتهم بالقيروان، ويعزّيهم عنها ويؤنسهم بما وقع لغيرهم بعد أن عيّبهم على غزاتهم إلى إفريقية في ملعبة من فنون هذه الطريقة

يقول في مفتحها، وهو من أبدع مذاهب البلاغة في الأشعار بالمقصد في مطلع الكلام وافتتاحه ويسمّى براعة الاستهلال:

سبحان مالك خواطر الأمراونواصيها في كل حين وزمان
ان طعناه أعظم لنا نصراوان عصيناه عاقب بكل هوان

إلى أن يقول في السؤال عن جيوش المغرب بعد التخلّص:

كن مرعى قل ولا تكن راعيفالراعي عن رعيته مسئول
واستفتح بالصلاة على الداعيللإسلام والرضا السني المكمول
على الخلفاء الراشدين والاتباعواذكر بعدهم إذا تحب وقول
أحجاجا تخللوا الصحراودّوا سرح البلاد مع السكان
عسكر فاس المنيرة الغرّاوين سارت بو عزايم السلطان
أحجاج بالنبيّ الّذي زرتموقطعتم لو كلاكل البيدا
عن جيش الغرب حين يسألكمالمتلوف في افريقيا السودا
ومن كان بالعطايا يزوّدكمويدع برية الحجاز رغدا
قام قل للسد صادف الجزراويعجز شوط بعد ما يخفان
ويزف كر دوم تهب في الغبراأي ما زاد غزالهم سبحان
لو كان ما بين تونس الغرباوبلاد الغرب سدّ السكندر
مبنى من شرقها إلى غرباطبقا بحديد أو ثانيا بصفر
لا بد الطير أن تجيب نباأو يأتي الريح عنهم بفرد خبر
ما أعوصها من أمور وما شرالو تقرأ كل يوم على الديوان
لجرت بالدم وانصدع حجراوهوت الخراب وخافت الغزلان
أدر لي بعقلك الفحاصوتفكر لي بخاطرك جمعا
ان كان تعلم حمام ولا رقاصعن السلطان شهر وقبله سبعا
تظهر عند المهيمن القصاصوعلامات تنشر على الصمعا
الا قوم عاريين فلا سترامجهولين لا مكان ولا إمكان
ما يدروا كيف يصوروا كسراوكيف دخلوا مدينة القيروان
أمولاي أبو الحسن خطينا البابقضية سيرنا إلى تونس
فقنا كنا على الجريد والزابواش لك في أعراب افريقيا القوبس
ما بلغك من عمر فتى الخطابالفاروق فاتح القرى المولس
ملك الشام والحجاز وتاج كسرىوفتح من افريقيا وكان
ردّ ولدت لو كرّه ذكرىونقل فيها تفرّق الاخوان
هذا الفاروق مردي الأعوانصرح في افريقيا بذا التصريح
وبقت حمى إلى زمن عثمانوفتحها ابن الزبير عن تصحيح
لمن دخلت غنائمها الديوانمات عثمان وانقلب علينا الريح
وافترق الناس على ثلاثة أمراوبقي ما هو للسكوت عنوان
إذا كان ذا في مدّة البرارااش نعمل في أواخر الأزمان
وأصحاب الحضر في مكناساتاوفي تاريخ كأنا وكيوانا
تذكر في صحتها أبياتاشق وسطيح وابن مرانا
ان مرين إذا تكف براياتالجدّا وتونس قد سقط بنيانا
قد ذكرنا ما قال سيد الوزراعيسى بن الحسن الرفيع الشان
قال لي رأيت وأنا بذا أدريلكن إذا جاء القدر عميت الأعيان
ويقول لك ما دهى المرينيامن حضرة فاس إلى عرب دياب
أراد المولى بموت ابن يحيىسلطان تونس وصاحب الأبواب

ثمّ أخذ في ترحيل السلطان وجيوشه، إلى آخر رحلته ومنتهى أمره، مع أعراب إفريقية، وأتى فيها بكلّ غريبة من الإبداع. وأمّا أهل تونس فاستحدثوا فنّ الملعبة أيضا على لغتهم الحضريّة، إلّا أنّ أكثره رديء ولم يعلق بمحفوظي منه شيء لرداءته

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.