تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الموشحات والأزجال في المشرق

وكان لعامّة بغداد أيضا فنّ من الشعر يسمّونه المواليا، وتحته فنون كثيرة يسمّون منها القوما، وكان وكان، ومنه مفرد ومنه في بيتين، ويسمّونه دو بيت على الاختلاف المعتبرة عندهم في كلّ واحد منها، وغالبها مزدوجة من أربعة أغصان. وتبعهم في ذلك أهل مصر القاهرة وأتوا فيها بالغرائب، وتبحّروا فيها في أساليب البلاغة بمقتضى لغتهم الحضريّة، فجاءوا بالعجائب، ورأيت في ديوان الصفيّ الحلّي من كلامه «أنّ المواليا من بحر البسيط، وهو ذو أربعة أغصان وأربع قواف، ويسمّى صوتا وبيتين. وأنّه من مخترعات أهل واسط، وأنّ كان وكان فهو قافية واحدة وأوزان مختلفة في أشطاره: الشطر الأوّل من البيت أطول من الشطر الثاني ولا تكون قافيته إلّا مردفة بحرف العلّة وأنّه من مخترعات البغداديّين. وأنشد فيه لنا:

بغمز الحواجب حديث تفسير ومنو أوبو، وأمّ الأخرس تعرف بلغة الخرسان». انتهى كلام الصفيّ. ومن أعجب ما علق بحفظي منه قول شاعرهم:

هذي جراحي طرياوالدما تنضح
وقاتلي يا أخيافي الفلا يمرح
قالوا ونأخذ بثأركقلت ذا أقبح
إلى جرحتي يداوينييكون أصلح

ولغيره:

طرقت باب الخبا قالت من الطارقفقلت مفتون لا ناهب ولا سارق
تبسمت لاح لي من ثغرها بارقرجعت حيران في بحر أدمعي غارق

ولغيره:

عهدي بها وهي لا تأمن علي البينوان شكوت الهوى قالت فدتك العين
لمن يعاين لها غيري غلام الزينذكرتها العهد قالت لك على دين

ولغيره في وصف الحشيش:

دي خمر صرف التي عهدي بها باقيتغني عن الخمر والخمار والساقي
قحبا ومن قحبها تعمل على احراقيخبيتها في الحشى طلت من احداقي

ولغيره:

يا من وصالو لأطفال المحبة بحكم توجع القلب بالهجران أوّه أح
أودعت قلبي حوحو والتصبر بحكل الورى كخ في عيني وشخصك دح

ولغيره:

ناديتها ومسيبي قد طواني طيّجودي عليّ بقبلة في الهوى يا مي
قالت وقد كوت داخل فؤادي كيّما ظن ذا القطن يغشى فمّ من هو حيّ

ولغيره:

رآني ابتسم سبقت سحب أدمعي برقهماط اللثام تبدي بدر في شرقه
اسبل دجى الشعرتاه القلب في طرقهرجع هدانا بخيط الصبح من فرقه

ولغيره:

يا حادي العيس ازجر بالمطايا زجروقف على منزل أحبابي قبيل الفجر
وصيح في حيهم يا من يريد الأجرينهض يصلي على ميت قتيل الهجر

ولغيره:

عيني التي كنت ارعاكم بها باتتترعى النجوم وبالتسهيد اقتاتت
وأسهم البين صابتني ولا فاتتوسلوتي عظم الله أجركم ماتت

ولغيره:

هويت في قنطرتكم يا ملاح الحكرغزال يبلى الأسود الضاريا بالفكر
غصن إذا ما انثنى يسبي البنات البكروان تهلل فما للبدر عند وذكر

ومن الّذي يسمّونه دو بيت:

قد أقسم من أحبه بالباريأن يبعث طيفه مع الأسحار
يا نار أشواقي به فاتقديليلا فعساه يهتدي بالنار

واعلم أنّ الأذواق كلّها في معرفة البلاغة إنّما تحصل لمن خالط تلك اللّغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها حتّى يحصّل ملكتها كما قلناه في اللّغة العربيّة. فلا يشعر الأندلسيّ بالبلاغة الّتي في شعر أهل المغرب ولا المغربيّ بالبلاغة الّتي في شعر أهل الأندلس والمشرق ولا المشرقيّ بالبلاغة الّتي في شعر الأندلس والمغرب. لأنّ اللّسان الحضريّ وتراكيبه مختلفة فيهم. وكلّ واحد منهم مدرك لبلاغة لغته وذائق لمحاسن الشّعر من أهل جلدته وفي خلق السّماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم آيات للعالمين وقد كدنا نخرج عن الغرض.

وجاء مصلّيا خلفه منهم ابن رافع، رأس شعراء المأمون ابن ذي النون صاحب طليطلة. قالوا وقد أحسن في ابتدائه في موشّحته الّتي طارت له حيث يقول:

العود قد ترنّم بأبدع تلحينوسقت المذانب رياض البساتين

وفي انتهائه حيث يقول:

تخطّر ولا تسلم عساك المأمونمروّع الكتائب يحيى بن ذي النون

ثمّ جاءت الحلبة الّتي كانت في دولة الملثّمين، فظهرت لهم البدائع، وسابق فرسان حلبتهم الأعمى الطليطليّ، ثمّ يحيى بن بقيّ، وللطليطليّ من الموشوحات المهذّبة قوله:

كيف السبيل إلىصبري وفي العالم أشجان
والركب وسط الفلابالخرّد النواعم قد بان
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.