من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قصَّة آدم ﵇
وَقد ذكر الله تَعَالَى، فِيمَا اقتصه من أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، وشدائد ومحنا، استمرت على جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء ﵈، وضروبا جرت عَلَيْهِم من الْبلَاء، وأعقبها بفرج وتحفيف، وتداركهم فِيهَا بصنع جليل لطيف.
فَأول ممتحن رَضِي، فأعقب بصنع خَفِي، وأغيث بفرج قوي، أول الْعَالم وجودا، آدم أَبُو الْبشر، صلى الله عَلَيْهِ، كَمَا ذكر، فَإِن الله خلقه فِي الْجنَّة، وَعلمه الْأَسْمَاء كلهَا، وأسجد لَهُ مَلَائكَته، وَنَهَاهُ عَن أكل الشَّجَرَة، فوسوس لَهُ الشَّيْطَان، وَكَانَ مِنْهُ مَا قَالَه الرَّحْمَن فِي مُحكم كِتَابه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾.
هَذَا بعد أَن أهبطه الله إِلَى الأَرْض، وأفقده لذيذ ذَلِك الْخَفْض، فانتقضت عَادَته، وغلظت محنته، وَقتل أحد ابنيه الآخر، وَكَانَا أول أَوْلَاده.
فَلَمَّا طَال حزنه وبكاؤه، واتصل استغفاره ودعاؤه، رحم الله ﷿ تذلُّله وخضوعه، واستكانته ودموعه، فَتَابَ عَلَيْهِ وهداه، وكشف مَا بِهِ ونجاه.
فَكَانَ آدم ﵇، أول من دَعَا فَأُجِيب، وامتحن فأثيب، وَخرج من ضيق وكرب، إِلَى سَعَة ورحب، وسلى همومه، وَنسي غمومه، وأيقن بتجديد الله عَلَيْهِ النعم، وإزلته عَنهُ النقم، وَأَنه تَعَالَى إِذا استرحم رحم.
فأبدله تَعَالَى بِتِلْكَ الشدائد، وعوضه من الابْن الْمَفْقُود، وَالِابْن الْعَاق الْمَوْجُود، نَبِي الله شِيث صلى الله عَلَيْهِ، وَهُوَ أول الْأَوْلَاد البررة بالوالدين ووالد النَّبِيين
وَالصَّالِحِينَ، وَأَبُو الْمُلُوك الجبارين، الَّذِي جعل الله ذُريَّته هم البَاقِينَ، وخصهم من النعم بِمَا لَا يُحِيط بِهِ وصف الواصفين.
وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن من الشَّرْح لهَذِهِ الْجُمْلَة والتبيان، بِمَا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْمَكَان، وَرُوِيَ فِيهِ من الْأَخْبَار، مَا لَا وَجه للإطالة بِهِ والإكثار.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع