تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قصَّة مُوسَى بن عمرَان ﵇

ومُوسَى بن عمرَان ﵇، فقد نطق الْقُرْآن بِقِصَّتِهِ فِي غير مَوضِع، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾.

فَلَا شدَّة أعظم من أَن يبتلى النَّاس بِملك يذبح أَبْنَاءَهُم، حَتَّى أَلْقَت أم مُوسَى ابْنهَا فِي الْبَحْر مَعَ طفوليته، وَلَا أعظم من حُصُول طِفْل فِي الْبَحْر، فكشف الله, تبَارك اسْمه, ذَلِك عَنهُ، بالتقاط آل فِرْعَوْن لَهُ، وَمَا أَلْقَاهُ فِي قُلُوبهم من الرقة عَلَيْهِ، حَتَّى استحيوه، وَتَحْرِيم المراضع عَلَيْهِ حَتَّى ردُّوهُ إِلَى أمه، وكشف عَنْهَا الشدَّة من فِرَاقه، وَعنهُ الشدَّة فِي حُصُوله فِي الْبَحْر.

وَمعنى وَقَوله تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، أَي: يصير عَاقِبَة أمره مَعَهم إِلَى

عَدَاوَة لَهُم، وَهَذِه لَام الْعَافِيَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخرابوكلكم يصير إِلَى ذهَاب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لدوا للموت وابنوا للخراب»

وَقد علم أَن الْولادَة لَا يقْصد بهَا الْمَوْت، وَالْبناء لَا يقْصد بِهِ الخراب، وَإِنَّمَا عَافِيَة الْأَمر فيهمَا تصير إِلَى ذَلِك.

وعَلى الْوَجْه الأول، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ أَي: إِن عَاقِبَة أَمرهم، وفعلهم، واختيارهم لنفوسهم، يصيرهم إِلَى جَهَنَّم، فيصيرون لَهَا، لِأَن الله ﷿، لم يخلقهم ليقصد تعذيبهم بالنَّار فِي جَهَنَّم، عز الله عَن هَذَا الظُّلم.

وَجعل الله عَاقِبَة أَمر مُوسَى ﵇، من تِلْكَ الشدائد، وشدائد بعْدهَا، إِذْ أرْسلهُ إِلَى فِرْعَوْن، لتخليص بني إِسْرَائِيل، وقصصه الَّتِي قبلهَا، وَحَدِيثه إِذْ خرج خَائفًا يترقب، فَهَذِهِ شدَّة أُخْرَى كشفها الله تَعَالَى عَنهُ من تِلْكَ الشدائد، وشدائد بعْدهَا نالته يَأْتِي ذكرهَا أَن بَعثه نَبيا, وأنقذ بِهِ بني إِسْرَائِيل من الشدائد الَّتِي كَانُوا فِيهَا مَعَ فِرْعَوْن، فَقَالَ ﷿، فِي تَمام هَذِه الْقِصَّة: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾، فَهَذِهِ شدَّة أُخْرَى كشفها الله ﷿.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ

امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾، فَهَذِهِ شدَّة أُخْرَى، لحقته بالاغتراب، وَالْحَاجة إِلَى الِاضْطِرَاب فِي الْمَعيشَة والاكتساب، فوفق الله تَعَالَى لَهُ شعيبا، قَالَ الله ﷿، فِي تَمام هَذِه الْقِصَّة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

ثمَّ أخبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْقِصَّة، كَيفَ زوجه شُعَيْب ابْنَته، بعد أَن اسْتَأْجرهُ ثَمَانِي حجج، وَأَنه خرج بأَهْله من عِنْد شُعَيْب، فَرَأى النَّار، فَمضى يقتبس مِنْهَا، فَكَلمهُ الله تَعَالَى، وَجعله نَبيا، وأرسله إِلَى فِرْعَوْن، فَسَأَلَهُ أَن يُرْسل مَعَه أَخَاهُ هَارُون، فَشد الله تَعَالَى عضده بِهِ، وَجعله نَبيا مَعَه، فَأَي فرج أحسن من فرج أَتَى رجلا خَائفًا، هَارِبا، فَقِيرا، قد أجر نَفسه ثَمَانِي حجج، بِالنُّبُوَّةِ وَالْملك؟ قَالَ الله تَعَالَى فِي ﴿ وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، فَهَذِهِ شدَّة لحقت بني إِسْرَائِيل، فكشفها الله عَنْهُم، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي

الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾.

وَقَالَ تَعَالَى، فِي تَمام هَذِه الْقِصَّة، فِي هَذِه ال ﴿ [، بعد آيَات:] وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، فَأخْبر تَعَالَى عَن صنعه لَهُم، وفلقه الْبَحْر حَتَّى عبروه يبسا، وإغراقه فِرْعَوْن لما اتبعهم.

وكل هَذِه أَخْبَار عَن محن عَظِيمَة انجلت بمنح جليلة، لَا يُؤدى شكر الله عَلَيْهَا، وَيجب على الْعَاقِل تأملها، ليعرف كنه تفضل الله ﷿ بكشف شدائده وإغاثته، بإصلاح كل فَاسد لمن تمسك بِطَاعَتِهِ، وأخلص فِي خَشيته، وَأصْلح من نِيَّته، فسلك هَذِه السَّبِيل، فَإِنَّهَا إِلَى النجَاة من المكاره، أوضح طَرِيق، وَهدى دَلِيل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَابُ الأَوَّلُ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.