تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قِصة يُونُس ﵇

وَيُونُس ﵇، وَمَا اقْتصّ الله تَعَالَى من قصَّته فِي غير مَوضِع من كِتَابه، ذكر فِيهَا التقام الْحُوت لَهُ، وتسبيحه فِي بَطْنه، وَكَيف نجاه الله ﷿، فأعقبه بالرسالة والصنع.

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾.

قَالَ صَاحب الْكتاب: «أَو» هَا هُنَا ظَاهرهَا الشَّك، وَقد ذهب إِلَى ذَلِك قوم، وَهُوَ خطأ، لِأَن الشَّك، لَا يجوز على الله تَعَالَى، الْعَالم لنَفسِهِ، الْعَارِف بِكُل شَيْء قبل كَونه، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ الْوَجْه، أَنه قَالَ: أَو يزِيدُونَ، بل يزِيدُونَ، وَقَالَ: كَانَت الزِّيَادَة ثَلَاثِينَ ألفا، وَرُوِيَ عَن ابْن جُبَير ونوف الشَّامي أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَت الزِّيَادَة سبعين ألفا، فقد ثَبت أَن «أَو» هُنَا، بِمَعْنى «بل» وَقد ذهب إِلَى هَذَا، الْفراء، وَأَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ آخَرُونَ:

إِن «أَو» هَا هُنَا، بِمَعْنى «وَيزِيدُونَ».

وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾، قَالَ بعض الْمُفَسّرين: معنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: «لن نضيِّق عَلَيْهِ».

وَهَذَا مثله قَوْله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، أَي: ضيق عَلَيْهِ، وَمثل قَوْله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾.

وَقد جَاءَ «قدر» بِمَعْنى «ضيق» فِي الْقُرْآن، فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وَمن هَذَا قيل للْفرس الضّيق الخطو: فرس أقدر، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يهرب من الله تَعَالَى نَبِي من أنبيائه، والأنبياء لَا يكفرون.

وَمن ظن أَن الله تَعَالَى لَا يقدر عَلَيْهِ، أَي: لَا يُدْرِكهُ، أَو أَنه يعجز الله هربا، فقد كفر، والأنبياء ﵈، أعلم بِاللَّه سُبْحَانَهُ، من أَن يَظُنُّوا فِيهِ هَذَا الظَّن الَّذِي هُوَ كفر.

وَقد رُوِيَ أَن من أدام قِرَاءَة قَوْله ﷿: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ الْآيَة إِلَى قَوْله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، فِي الصَّلَاة، وَغَيرهَا، فِي أَوْقَات شدائده، عجل الله لَهُ مِنْهَا فرجا ومخرجا.

وَأَنا أحد من واصلها فِي نكبة عَظِيمَة لحقتني، يطول شرحها وَذكرهَا عَن هَذَا الْموضع، وَكنت قد حسبت، وهددت بِالْقَتْلِ، فَفرج الله عني، وأطلقت فِي الْيَوْم التَّاسِع من يَوْم قبض عَليّ فِيهِ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَابُ الأَوَّلُ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.