من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
يتنازل لأحد أَتْبَاعه عَن عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه (أَخْبَار الوزراء): ذكر الْفضل بن مَرْوَان، أَن مُحَمَّد بن يزْدَاد سعى إِلَى الْمَأْمُون بِعَمْرو بن بهنوى.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: يَا فضل، خُذ عمرا إِلَيْك، وَقَيده، وضيق عَلَيْهِ، ليصدق عَمَّا صَار إِلَيْهِ من مَال الْفَيْء، فقد اختان مَالا عَظِيما، وطالبه بِهِ.
فَقلت: نعم، وَأمرت بإحضار عَمْرو، فأحضر، فأخليت لَهُ حجرَة فِي دَاري، وأقمت لَهُ مَا يصلحه، وتشاغلت عَنهُ بِأُمُور السُّلْطَان، فِي يومي وَفِي الْغَد.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث، أرسل إِلَيّ عَمْرو يسألني الدُّخُول عَلَيْهِ، فَدخلت، فَأخْرج إِلَيّ رقْعَة، قد أثبت فِيهَا كل مَا يملكهُ من الدّور، والضياع، وَالْعَقار، وَالْأَمْوَال والفرش، وَالْكِسْوَة والجوهر، والقماش والكراع، وَمَا يجوز
بَيْعه من الرَّقِيق، وَكَانَ قيمَة ذَلِك عشرُون ألف ألف دِرْهَم، وسألني أَن أوصل رقعته إِلَى الْمَأْمُون، وأعلمه أَن عمرا قد جعله من ذَلِك كُله فِي حل وسعة.
فَقلت لَهُ: مهلا، فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أكبر قدرا من أَن يسلبك مَالك كُله، ونعمتك عَن آخرهَا.
فَقَالَ عَمْرو: إِنَّه لَكمَا وصفت فِي كرمه، وَلَكِن السَّاعِي لَا ينَام عني وَلَا عَنْك، وَقد بَلغنِي مَا أمرت بِهِ فِي أَمْرِي من الغلظة، وَمَا عاملتني بضد ذَلِك، وَقد طبت نفسا بِأَن أَشْتَرِي عدل أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمْرِي، وَرضَاهُ عني، بِجَمِيعِ مَالِي.
فَلم أزل أنزلهُ، حَتَّى وافقته على عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم، وَقلت لَهُ: هَذَا شطر مَالك، وَهُوَ صَالح لِلْفَرِيقَيْنِ، وَأخذت خطه بِالْتِزَام ذَلِك صلحا عَن جَمِيع مَا جرى على يَده.
وصرت على الْمَأْمُون، فَوجدت مُحَمَّد بن يزْدَاد، وَقد سبقني إِلَيْهِ، وَهُوَ يكلمهُ، فَلَمَّا رَآنِي قطع الْكَلَام وَخرج.
فَقَالَ لي الْمَأْمُون: يَا فضل.
قلت: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: مَا هَذِه الجرأة مِنْك علينا؟ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنا عبد طَاعَتك وغرسك.
فَقَالَ: أَمرتك بالتضييق على النبطي عَمْرو بن بهنوى، فقابلت أَمْرِي بالضد، ووسعت عَلَيْهِ، وأقمت لَهُ الْإِنْزَال.
فَقلت لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن عمرا يُطَالب بأموال عَظِيمَة، وَلم آمن أَن أجعَل محبسه فِي بعض الدَّوَاوِين فيبذل مَالا يرغب فِي مثله، فيتخلص، فَجعلت محبسه فِي دَاري، وأشرفت على طَعَامه وَشَرَابه؛ لأحرس لَك نَفسه،
فَإِن كثيرا من النَّاس خانوا السُّلْطَان، وتمتعوا بالأموال، ثمَّ طولبوا بهَا، فاحتيل عَلَيْهِم، أَن يتلفوا، ويفوز بالأموال غَيرهم.
قَالَ الْفضل: وَإِنَّمَا أردْت بذلك تسكين غضب الْمَأْمُون عَليّ، وَلم أعرض الرقعة عَلَيْهِ، وَلَا أعلمته مَا جرى بيني وَبَين عَمْرو؛ لِأَنِّي لم آمن سورته فِي ذَلِك الْوَقْت، لاشتداد غَضَبه.
فَقَالَ لي: سلم عمرا إِلَى مُحَمَّد بن يزْدَاد، قَالَ: فوجهت من سَاعَتِي، من سلم عمرا إِلَى مُحَمَّد بن يزْدَاد، فَلم يزل يعذبه بأنواع الْعَذَاب، ليبذل لَهُ شَيْئا، فَلم يفعل.
فَلَمَّا رأى أَصْحَابه وعماله، مَا قد ناله، جمعُوا لَهُ بَينهم ثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم، وسألوا عمرا أَن يبذلها لمُحَمد بن يزْدَاد، فبذلها، فَصَارَ مُحَمَّد إِلَى الْمَأْمُون متبجحا بهَا، فأوصل الْخط بهَا إِلَى الْمَأْمُون، وَأَنا وَاقِف.
فَقَالَ الْمَأْمُون: يَا فضل، ألم أعلمك، أَن غَيْرك أقوم بأمورنا مِنْك، وأطوع لما نأمره بِهِ؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَرْجُو أَن أكون فِي حَال استبطاء أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله، أبلغ فِي طَاعَته من غَيْرِي.
فَقَالَ الْمَأْمُون: هَذِه رقْعَة عَمْرو بن بهنوى بِثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم.
فَقلت: وَمَا اجترأت عَلَيْهِ قطّ جرأتي عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْيَوْم، فَإِنِّي خرجت إِلَى إضبارة كَانَت مَعَ غلامي، فَأخذت الرقعة مِنْهَا مسرعا، وَقلت: وَالله، لأعلمن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي مَعَ رفقي، أبلغ فِي حياطة أَمْوَاله من غَيْرِي مَعَ غلظته وأريته رقْعَة عَمْرو الَّتِي كَانَ كتبهَا لي، وحدثته بحَديثه عَن آخِره.
فَلَمَّا تبين الْمَأْمُون الخطين، وَعلم أَنَّهُمَا جَمِيعًا خطّ عَمْرو، قَالَ: مَا أَدْرِي أيكما أكْرم، عَمْرو حِين شكر برك، وطاب نفسا بِالْخرُوجِ عَن ملكه بِهَذَا السَّبَب، أم أَنْت ومحافظتك على أهل النعم، وسترك عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت، وَالله لَا كنتما يَا نبطيان، أكْرم مني.
وَدفع الرقعة الَّتِي أَخذهَا مُحَمَّد بن يزْدَاد من عَمْرو إِلَيّ، وَأَمرَنِي بتخريقها، وتخريق الأولة، وأنفذ من سلم عمرا من محبسه إِلَيّ، وَأَمرَنِي بِإِطْلَاقِهِ.
فَخرجت من بَين يَدَيْهِ، وَفعلت ذَلِك من وقتي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع