من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْفَيْض بن أبي صَالح ومروءته
وجدت فِي كتاب أعطانيه أَبُو الْحُسَيْن عبد الْعَزِيز بن إِبْرَاهِيم، ابْن حَاجِب النُّعْمَان، وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَاتب الْوَزير المهلبي، على ديوَان السوَاد، وَذكر أَنه نسخه من كتاب أعطَاهُ إِيَّاه أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، وَكَانَ فِيهِ إصلاحات بِخَط أبي الْحُسَيْن بن مابنداد، قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الإسكافي: كَانَ دَاوُد، كَاتب أم جَعْفَر: قد حبس وَكيلا لَهَا، وَجب لَهَا عَلَيْهِ فِي حسابه مِائَتَا ألف دِرْهَم، فَكتب الرجل إِلَى عِيسَى بن فلَان، وَإِلَى سهل بن الصَّباح، وَكَانَ صديقين لَهُ، يسألهما الرّكُوب إِلَى دَاوُد فِي أمره، فركبا إِلَيْهِ.
فلقيهما الْفَيْض بن أبي صَالح، فَسَأَلَهُمَا عَن خبرهما، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ لَهما: أتحبان أَن أكون مَعَكُمَا.
قَالَا: نعم.
فصاروا إِلَى دَاوُد، فكلموه فِي إِطْلَاق الرجل، فَقَالَ: أكتب إِلَى أم جَعْفَر، فَكتب إِلَيْهَا، يعلمهَا خبر الْقَوْم وحضورهم، ومسألتهم إِطْلَاق الْوَكِيل.
فَوَقَعت فِي الرقعة أَن يعرفهُمْ مَا وَجب لَهَا عَلَيْهِ من المَال، وَيُعلمهُم أَنه لَا سَبِيل على إِطْلَاقه دون أَدَاء المَال.
قَالَ: فأقرأهم التوقيع، فَقَالَ عِيسَى وَسَهل بن الصَّباح: قد قضينا حق الرجل، وَقد أَبَت أم جَعْفَر أَن تطلقه إِلَّا بِالْمَالِ، فَقومُوا ننصرف.
فَقَالَ لَهما الْفَيْض بن أبي صَالح: كأنا إِنَّمَا جِئْنَا لنؤكد حبس الرجل.
قَالَا لَهُ: فَمَاذَا نصْنَع؟ قَالَ: نُؤَدِّي المَال عَنهُ.
قَالَ: ثمَّ أَخذ الدواة، فَكتب إِلَى وَكيله فِي حمل المَال عَن الرجل كتابا دَفعه إِلَى دَاوُد كَاتب أم جَعْفَر، وَقَالَ: قد أزحنا علتك فِي المَال، فادفع إِلَيْنَا صاحبنا.
قَالَ: لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك، حَتَّى أعرفهَا الْخَبَر.
قَالَ: فَكتب إِلَيْهَا بالْخبر، فَوَقَعت فِي رقعته: أَنا أولى بِهَذِهِ المكرمة من الْفَيْض بن أبي صَالح، فاردد عَلَيْهِ كِتَابه بِالْمَالِ، وادفع إِلَيْهِ الرجل، وَقل لَهُ: لَا يعاود مثل مَا كَانَ مِنْهُ.
قَالَ: وَلم يكن الْفَيْض يعرف الرجل، وَإِنَّمَا ساعد عِيسَى وسهلا على الْكَلَام فِي أمره.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع