من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْوَزير عبيد الله بن سُلَيْمَان
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن شَهْرَان، الْمُتَكَلّم، الْقَاص، من أهالي عَسْكَر مكرم، بهَا، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، ابْن بنت ابْن الْمُدبر، بِبَغْدَاد، قَالَ: قَالَ لي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح: جلس عبيد الله بن سُلَيْمَان، يَوْمًا، للمظالم، فِي دَار المعتضد، وَهُوَ وَزِير، فَتقدم إِلَيْهِ عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، يتظلم من أَحْمد بن إِسْرَائِيل بِسَبَب الضَّيْعَة الْمَعْرُوفَة بتاصيت، فَنظر فِي أمره، وَقَالَ لَهُ: أَنْت عمر بن مُحَمَّد؟ قَالَ: نعم، قَالَ: وَأَيْنَ كنت؟ فَقص عَلَيْهِ أمره وَخَبره، فَقَالَ لَهُ: أَنْت ابْن سَكرَان؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّة يَوْمنَا ذَلِك، خلا، وَكنت أَنا وابناه بَين يَدَيْهِ، فَتحدث، وَقَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا أعجب مَا كنت فِيهِ الْيَوْم، فَلم نَسْأَلهُ عَن ذَلِك إجلالا لَهُ.
فَقَالَ: قَالَ لي أَبُو أَيُّوب ﵀: إِنَّه كَانَ فِي أَيَّام الواثق، فِي تِلْكَ الْمُلَازمَة وَالْبَلَاء وَالضَّرْب وَلبس الصُّوف والقيد، وَإنَّهُ حمل إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات ليناظره وَيَردهُ إِلَى محبسه.
فَوضع بَين يَدَيْهِ على تِلْكَ الْحَال، فَجعل يناظره، وَالْحسن بن وهب، كَاتبه حِينَئِذٍ، فَرُبمَا تكلم بِالْكَلِمَةِ يرققه بهَا عَلَيْهِ، وَرُبمَا أمسك، وَمُحَمّد دائب فِي الغلظة على أبي أَيُّوب، والتشفي مِنْهُ، إِذْ مر بعض الخدم بصبي يحملهُ، مزين، مخضوب، وَعَلِيهِ لبوس مثله من أَوْلَاد الْمُلُوك.
فَقَالَ مُحَمَّد للخادم: هاته، فقربه إِلَيْهِ، فَقبله، وترشفه، وضمه إِلَيْهِ، وَجعل يلاعبه، فحانت مِنْهُ التفاتة إِلَى أبي أَيُّوب، فَإِذا دمعته قد سبقته، وَهُوَ يمسحها بالجبة الصُّوف الَّتِي كَانَت عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: مَا الَّذِي أبكاك؟ فَقَالَ: خير، أصلحك الله.
فَقَالَ: وَالله، لَا تَبْرَح، أَو تُخبرنِي بِالْأَمر على حَقِيقَته.
فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبُو عَليّ الْحسن بن وهب، قَالَ لَهُ: أَنا أصدقك، إِنَّه لما رأى عمر، متعك الله بِهِ، وَجَعَلنَا جَمِيعًا فدَاه، ذكر ابْنا لَهُ فِي مثل سنه.
قَالَ: وَمَا سمه؟ قَالَ: عبيد الله.
قَالَ: وَكَانَا ولدا فِي شهر وَاحِد.
فَالْتَفت إِلَيْهِ كالهازئ، فَقَالَ لَهُ: أتراه يقدر أَن يكون ابْنه هَذَا وزيرا.
قَالَ الْحسن: فَلَمَّا أَمر بِحمْلِهِ إِلَى محبسه الْتفت إِلَيّ، وَقَالَ: لَوْلَا أَن هَذَا الْأَمر من أُمُور السُّلْطَان الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى التَّقْصِير فِي مثله، لما سؤتك فِيهِ، وَلَو أعانني على نَفسه لخلصته.
فَقَالَ لَهُ الْحسن: وَالله، مَا رَأَيْته مُنْذُ حبس، فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بالعدول بِهِ إِلَى بعض الْمجَالِس، وَالْإِذْن فِي الْقيام إِلَيْهِ، وَالْخلْوَة بِهِ، لأشير عَلَيْهِ بامتثال أَمرك.
فَقَالَ: افْعَل.
فَقُمْت إِلَى أبي أَيُّوب، وتعانقنا، وبكينا طَويلا.
فَقَالَ لي: قبل كل شَيْء، رَأَيْت أعجب من بغيه عَليّ، وَقَوله بالتطانز والهزء: أتراه يقدر أَن ابْنه هَذَا يكون وزيرا، فَكيف يَأْمَن أَن يكون هَذَا؟ وَالله إِنِّي لأرجو أَن يبلغ الله ابْني الوزارة، ويتقدم إِلَيْهِ عمر متظلما.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم، تقدم إِلَيّ عمر متظلما، وَمَا كنت رَأَيْته قبل ذَلِك، وَلَا عرفت لَهُ خَبرا.
وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، من وَجه آخر، فَحَدثني بِهِ أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن الْفَتْح الْمَعْرُوف بالمطوق، مناولة، من كِتَابه كتاب (مَنَاقِب الوزراء ومحاسن أخبارهم)، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن عبد الله بن عمر بن حَفْص الْكَاتِب، عَن أَبِيه، أبي الْقَاسِم عبد الله، أَو عَن أبي الْقَاسِم مَيْمُون بن إِبْرَاهِيم بن يزِيد، الشَّك من المطوق، قَالَ: كُنَّا فِي مجْلِس أبي الْقَاسِم عبيد الله بن سُلَيْمَان، وَهُوَ وَزِير، فِي يَوْم من
أَيَّام جُلُوسه للمظالم، فَوَقَعت بِيَدِهِ قصَّة، فقرأها، وَتوقف سَاعَة كالمفكر، ثمَّ قَالَ: عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَأدْخل إِلَيْهِ.
فَقَالَ: أَنْت عمر؟ قَالَ: نعم، أعز الله الْوَزير، أَنا عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك.
فتوقف أَيْضا سَاعَة، ثمَّ قَامَ إِلَى خلوته، وَلم يطلّ، وَعَاد إِلَى مَوْضِعه، فَوَقع لَهُ بجار، وَنزل، وصلَة، وَلم يزل مفكرا، إِلَى أَن تقوض النَّاس، وخلا الْمجْلس مِمَّن يحتشم.
فَقَالَ لنا: وقفتم على خبر هَذَا الرجل؟ قُلْنَا: وقفنا على مَا كَانَ من أَمر الْوَزير ببره، وَلم نقف على السَّبَب.
فَقَالَ: أخْبركُم بحَديثه، حَدثنِي أَبُو أَيُّوب ﵀، قَالَ: كنت فِي يَد مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، يطالبني، وَأَنا منكوب، وَكَانَ يحضرني فِي كل يَوْم، بِغَيْر سَبَب، وَلَا مُطَالبَة، إِلَّا ليكيدني، وَأَنا فِي قيودي، وَعلي جُبَّة صوف، وَكَانَ أخي الْحسن يكْتب بَين يَدَيْهِ، وَلم يكن يتهيأ لَهُ شَيْء فِي أَمْرِي، إِلَّا أَنه كَانَ إِذا رَآنِي مُقبلا استقبلني، فَإِذا رجعت إِلَى موضعي شيعني، إِذْ أقبل فِي يَوْم من الْأَيَّام خَادِم لمُحَمد، وَمَعَهُ ابْن لَهُ صَغِير، فَوَثَبَ كل من فِي الْمجْلس، إِلَى الصَّبِي، يقبلونه، وَيدعونَ لَهُ سواي، فَإِنِّي كنت مَشْغُولًا بنفسي، فَلم أتحرك، وَأخذ الصَّبِي، وضمه إِلَيْهِ، وَقَالَ لي: يَا سُلَيْمَان، لِمَ لَمْ تفعل بِهَذَا الصَّبِي، مَا فعله من فِي الْمجْلس؟ فَقلت: شغلني مَا أَنا فِيهِ.
فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّك لم تطق ذَلِك عَدَاوَة لِأَبِيهِ وَله، وَكَأَنِّي بك، وَقد ذكرت عبيد الله، وأملت فِيهِ الآمال، وَالله لَا رَأَيْت شَيْئا مِمَّا تؤمله فِيهِ،
وأسرف بعد ذَلِك فِي الإسماع، فَعلمت أَنه قد بغى، ووثقت بجميل عَادَة الله تَعَالَى، وَأَنه سيبلغني مَا آمله فِيك عنادا لبغيه.
قَالَ: وَلم تمض إِلَّا مُدَّة يسيرَة، حَتَّى سخط المتَوَكل على مُحَمَّد بن عبد الْملك، وقلدني مناظرته، وإحصاء مَتَاعه، فوافيت دَاره، فَرَأَيْت ذَلِك الْخَادِم بِعَيْنِه، وَمَعَ ذَلِك الصَّبِي يبكي.
فَقلت: مَا خبر هَذَا الصَّبِي يبكي؟ فَقيل: قد منع من كل مَاله، وَأدْخل فِي الإحصاء.
فَقلت: لَا بَأْس عَلَيْهِ، وسلمت إِلَيْهِ جَمِيع مَا كَانَ باسمه.
فَيَنْبَغِي، يَا بني، إِن تهيأت لَك حَال، وَرَأَيْت الصَّبِي عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك، أَن تحسن إِلَيْهِ، وَأَن تقَابل نعْمَة الله فِيهِ وفيك، بِمَا يجب لَهَا.
فَلَمَّا رَأَيْته هَذَا الْوَقْت، ذكرت مَا قَالَه أبي، فامتثلت مَا أَشَارَ بِهِ، وَأَنا أتقدم بعد الَّذِي فعلت بِهِ، إِلَى أبي الْحُسَيْن بتصريفه.
وَكَانَت لعمر حَرَكَة قويت بهَا حَاله عِنْد أبي الْحُسَيْن، إِلَى أَن اسْتَخْلَفَهُ فِي دَار أبي النَّجْم بدر، وَبَين يَدَيْهِ.
حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ بن مقلة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعيد الديناري.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وحَدثني أَبُو عبد الله زنجي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْفُرَات، قَالَ: وحَدثني أَبُو عبد الله الباقطائي، قَالُوا كلهم: كُنَّا بِحَضْرَة عبيد الله بن سُلَيْمَان، أول وزارته للمعتضد، وَقد حضر رجل رث الْهَيْئَة، بِثِيَاب غِلَاظ، فَعرض عَلَيْهِ رقْعَة، وَكَانَ جَالِسا للمظالم، فقرأها
قِرَاءَة متأمل لَهَا، مفكرا مُتَعَجِّبا، ثمَّ قَالَ: نعم وكرامة، ثَلَاث مَرَّات، أفعل مَا قَالَ أبي، لَا مَا قَالَ أَبوك، وَكرر هَذَا القَوْل ثَلَاث مَرَّات.
ثمَّ قَالَ لَهُ: عد إِلَى وَقت الْعَصْر؛ لأنظر فِي أَمرك.
وَقَالَ لبدر العدامي حَاجِبه: إِذا حضر فأوصله إِلَيّ.
ثمَّ قَالَ: إِذا خلونا فذكروني خبر هَذَا؛ لأحدثكم بِحَدِيث عَجِيب، وَأتم الْمجْلس.
ثمَّ قَامَ، واستراح، ودعانا للطعام، فَلَمَّا حَضَرنَا، وأكلنا أَكثر الْأكل، قَالَ: مَا أَرَاكُم أذكرتموني حَدِيث صَاحب الرقعة؟ فَقُلْنَا: أنسينا.
قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كنت فِي محبس مُحَمَّد بن عبد الْملك، فِي أَيَّام الواثق، لما صادرني عَن كِتَابَة إيتاخ، على أَربع مائَة ألف دِينَار، وَقد أدّيت مِنْهَا مِائَتي ألف ونيفا وَأَرْبَعين ألفا، فأحضرني يَوْمًا، وطالبني بِالْبَاقِي، وجد بِي، وأرهقني، وَلم يرض مني إِلَى أَن أجبْت إِلَى أَن أؤدي خمسين ألف دِينَار، قَاطِعَة للمصادرة، على أَن يُطلق ضياعي.
قَالَ: وَنحن فِي ذَلِك، وَلم يَأْخُذ خطي بعد، إِذْ خرج إِلَيْهِ خَادِم من دَار الْحرم برقعة، فقرأها، ونهض، وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ أخي أَبُو عَليّ الْحسن بن وهب، وَهُوَ غَالب على أمره، إِلَّا أَنه يخافه أَن يكلمهُ فِي أَمْرِي.
فَلَمَّا قَامَ الْوَزير رمى إِلَيّ أخي برقعة لَطِيفَة، فَوَقَعت فِي حجري، فَإِذا فِيهَا: جَاءَنِي الْخَبَر السَّاعَة فِي دَارك، أَن قد رزقت ابْنا، خلقا سويا، وَهُوَ جسم بِغَيْر اسْم، فَمَا تحب أَن يُسمى ويكنى؟
فَقلت: عبيد الله، أَبُو الْقَاسِم.
فَكتب بذلك فِي الْحَال إِلَى منزلي.
قَالَ: وتداخلني سرُور بذلك، وَقُوَّة نفس، وَحدثت نَفسِي بأنك تعيش، وتبلغ، وأنتفع بك.
قَالَ: وَعَاد مُحَمَّد إِلَى مَجْلِسه، وَأعَاد خطابي فَلم أَسْتَجِب لَهُ، إِلَى مَا كنت أجبْت إِلَيْهِ، وَأخذت أدافع.
فَقَالَ لي: يَا أَبَا أَيُّوب، مَا الَّذِي ورد عَلَيْك بعدِي؟ أرى عَيْنَيْك ووجهك، بِخِلَاف مَا فارقتك عَلَيْهِ مُنْذُ سَاعَة.
فَقلت: مَا ورد عَليّ شَيْء.
فَقَالَ: وَالله، لَئِن لم تصدقني لَأَفْعَلَنَّ بك، ولأصنعن.
فَقلت: مَا عِنْدِي مَا أصدق عَنهُ.
فَأقبل على أخي، فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي مَا شَأْنه؟ فخافه أخي، فَصدقهُ عَن الصُّورَة، فسكن.
ثمَّ قَالَ: أتعرف لأي شَيْء قُمْت أَنا؟ قلت: لَا.
قَالَ: كوتبت بِأَن ولدا ذكرا سويا قد ولد لي، فَدخلت، ورأيته، وسميته باسم أبي، وكنيته بِأبي مَرْوَان.
قَالَ سُلَيْمَان: فَقُمْت إِلَيْهِ، فهنأته، وَقبلت يَدَيْهِ، وَرجلَيْهِ، وَقلت: أَيهَا الْوَزير، هَذَا يَوْم مبارك، وَقد رزقنا الله جَمِيعًا، وَلدين، فارحمني، وارع لي حق سالف خدمتي لَك، وَاجعَل ابْني موسوما بِخِدْمَة ابْنك، يسلم مَعَه
فِي الْمكتب، يتَعَلَّم مَعَه، وينشوان فِي دولتك، فَيكون كَاتبا لَهُ، فَحَملته الكزازة وَالْقَسْوَة الَّتِي فِيهِ، على أَن قَالَ: يَا أَبَا أَيُّوب، أعلي تجوز، ولي تستفز وتخاتل؟ قد حدثتك نَفسك أَن ابْنك هَذَا سيبلغ المبالغ، ويؤهل للوزارة، ورجوت فِي نَوَائِب الزَّمَان، وَقلت: أَرْجُو أَن يحْتَاج ابْنه إِلَى ابْني، حَتَّى يطْلب مِنْهُ الْإِحْسَان وَالْفضل، وَأَنا أستحلفك بِاللَّه، وأحرج عَلَيْك، إِن بلغ ابْنك هَذِه الْمنزلَة، إِلَّا وَصيته، إِن جَاءَهُ ابْني لشَيْء من هَذَا، أَن لَا يحسن إِلَيْهِ.
قَالَ: فأعظمت هَذَا الْخطاب، وتنصلت، واعتذرت، وَوَقع فِي قلبِي، فِي الْحَال، أَن هَذَا غَايَة الْبَغي، وَأَن الله ﷾ سيحوج ابْنه إِلَى ابْني ويتحقق مَا قَالَه، فَمَا مَضَت مديدة، حَتَّى فرج الله عني.
ثمَّ قَالَ لي: يَا بني، إِن رفعك الزَّمَان، وَوضع ابْنه، حَتَّى يحْتَاج إِلَيْك، فَأحْسن إِلَيْهِ.
قَالَ: وَضرب الدَّهْر ضربه، فَمَا عرفت لأبي مَرْوَان خَبرا، حَتَّى رَأَيْته الْيَوْم، فَكَانَ مَا شاهدتم، ثمَّ أَمر بِطَلَب أبي مَرْوَان، فأحضر، فوهب لَهُ مَالا، وخلع عَلَيْهِ، وَحمله، وقلده ديوَان الْبَرِيد والخرائط.
قَالَ أَبُو الْحسن: فَمَا زَالَ يتقلده مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت، إِلَى آخر وزارة ابْن الْفُرَات الثَّالِثَة، فَإِنَّهُ مَاتَ فِيهَا، وَقد تقلده ثَلَاثِينَ سنة أَو أَكثر.
وَكَانَ يكْتب إِلَى عبيد الله، أول مَا كَاتبه، بعد تَقْلِيده الدِّيوَان، عبد الْوَزير وخادمه، عبد الْملك بن مُحَمَّد، فَأَرَادَ عبيد الله أَن يتكرم عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْت ابْن وَزِير، وَمَا أحب أَن تتعبد لي، فَاكْتُبْ اسْمك فَقَط على الْكتب.
فَقَالَ: لَا تسمح نَفسِي بذلك، وَلَكِن أكتب: عبد الْملك بن مُحَمَّد، عبد الْوَزير وخادمه.
فَقَالَ: افْعَل، فَكتب ذَلِك، فَصَارَت عَادَة لَهُ يكْتب بهَا إِلَى جَمِيع الوزراء من بعده، إِلَى أَن مَاتَ فِي وزارة ابْن الْفُرَات الثَّالِثَة، فَصَارَ كالمترتب عَلَيْهِم بِمَا عَامله بِهِ من ذَلِك عبيد الله، وَغلب عَلَيْهِ أَن عرف بِأبي مَرْوَان الخرائطي، وَنسي نسبه إِلَى ابْن الزيات، إِلَّا من كَانَ يعرفهُ من الْكتاب وَغَيرهم، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة من الشُّيُوخ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع