من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أ - سيد الْعَرَب أَحْمد بن أبي دؤاد
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر الصولي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن خَلاد، قَالَ: رفع بعض الْعمَّال إِلَى المعتصم، وَكَانَ يَلِي الْخراج بِموضع يَلِي فِيهِ خَالِد بن يزِيد الْحَرْب، أَن خَالِد بن يزِيد اقتطع الْأَمْوَال واحتجن بَعْضهَا.
فَغَضب المعتصم، وَحلف ليأخذن أَمْوَال خَالِد، ويعاقبه.
فلجأ خَالِد إِلَى أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي، فاحتال حَتَّى جمع بَينه وَبَين خَصمه، فَلم تقم على خَالِد حجَّة.
فَعرف ابْن أبي دؤاد المعتصم ذَلِك، وشفع إِلَيْهِ فِي خَالِد، فَلم يشفعه.
وأحضر خَالِدا، وأحضر آلَات الْعقُوبَة، وَقد كَانَ قبل ذَلِك، قبض أَمْوَاله، وضياعه، وَصَرفه عَن الْعَمَل.
وَحضر ابْن أبي دؤاد الْمجْلس، فَجَلَسَ دون النَّاس.
فَقَالَ لَهُ المعتصم: ارْتَفع إِلَى مَكَانك.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أستحق إِلَّا دون الْمجْلس.
قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: النَّاس يَزْعمُونَ أَن لَيْسَ محلي مَحل من شفع فِي رجل قرف بِمَا لم يَصح عَلَيْهِ فَلم يشفع.
قَالَ: ارْتَفع إِلَى موضعك.
قَالَ: مشفعا أَو غير مُشَفع؟
قَالَ: مشفعا، قد وهبت لَك خَالِدا، ورضيت عَنهُ.
قَالَ: النَّاس لَا يعلمُونَ بِهَذَا.
قَالَ: وَقد رددت عَلَيْهِ العمالة، والضياع، وَالْأَمْوَال الَّتِي لَهُ.
قَالَ: ويشرفه أَمِير الْمُؤمنِينَ بخلع تظهر للعامة.
فَأمر أَن تفك قيوده ويخلع عَلَيْهِ، فَفعل بِهِ ذَلِك، ورد إِلَى حَضرته.
فَقَالَ ابْن أبي دؤاد: قد اسْتحق هُوَ وَأَصْحَابه رزق سِتَّة أشهر، فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن يَجْعَلهَا صلَة لَهُ.
قَالَ: لتحمل مَعَه.
فَخرج خَالِد، وَالنَّاس منتظرون الْإِيقَاع بِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ على تِلْكَ الْحَال سروا، وَصَاح بِهِ رجل: الْحَمد لله على خلاصك يَا سيد الْعَرَب.
فَقَالَ: مَه، سيد الْعَرَب، وَالله، ابْن أبي دؤاد، الَّذِي طوقني هَذِه المكرمة الَّتِي لَا تنفك من عنقِي أبدا، لَا أَنا.
وَفِي هَذِه الْقَضِيَّة، يَقُول أَبُو تَمام الطَّائِي:
يَا سائلي عَن خَالِد وفعالهرد فاغترف علما بِغَيْر رشاء
قد كَانَ خطب عاثر فأقالهرَأْي الْخَلِيفَة كَوْكَب الْخُلَفَاء
فَخرجت مِنْهُ كالشهاب وَلم تزلمذ كنت خراجا من الغماء
مَا سرني بِخُرُوجِهِ من حجَّةمَا بَين أندلس إِلَى صنعاء
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع