من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابْن الْفُرَات يتحدث عَن اعتقاله وتعذيبه
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، وَيعرف هِشَام بِأبي قِيرَاط، قَالَ: كنت حَاضرا مَعَ أبي ﵀، فِي مجْلِس أبي الْحسن بن الْفُرَات، فِي شهر ربيع الأول سنة خمس وَثَلَاث مائَة، وَفِي وزارته الثَّانِيَة، فَسَمعته يتحدث، قَالَ: دخل عَليّ أَبُو الْهَيْثَم الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن ثوابة الْأَنْبَارِي، فِي محبسي بدار المقتدر، فطالبني بكتب خطي بِثَلَاثَة عشر ألف ألف دِينَار.
فَقلت: وَالله، مَا جرى قدر هَذَا المَال، على يَدي للسُّلْطَان، فِي طول وزارتي، فَكيف أصادر على مثله؟ فَقَالَ: قد حَلَفت بِالطَّلَاق أَنه لَا بُد من أَنَّك تكْتب خطك بذلك، فَكتبت ثَلَاثَة عشر ألف ألف، من غير مَا أذكر مَا هِيَ، أَو ضمانا فِيهَا.
قَالَ: فَاكْتُبْ دِينَارا، لتبريني من يَمِيني.
فَكتبت دِينَارا، ثمَّ ضربت عَلَيْهِ، وأكلت الرقعة، وَقلت لَهُ: قد بَرِئت من يَمِينك، وَلَا سَبِيل لَك إِلَى غير هَذَا مني.
فاجتهد بِي، فَلم أجبه إِلَى شَيْء، فحبسني.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، دخل إِلَى الْحَبْس، وَمَعَهُ أم مُوسَى، فطالبني بذلك، وأسرف فِي سبي وشتمي، ورماني بِالزِّنَا.
فَحَلَفت بِالطَّلَاق، وَالْعتاق، والأيمان الْمُغَلَّظَة، أَنِّي مَا دخلت فِي مَحْظُور من هَذَا الْجِنْس، من نَيف وَثَلَاثِينَ سنة، وسمته أَن يحلف بِمثل تِلْكَ الْيَمين أَن غُلَامه الْقَائِم على رَأسه، لم يَأْته فِي ليلته تِلْكَ، فأنكرت أم مُوسَى هَذَا الْحَال، وغطت وَجههَا حَيَاء مِنْهُ.
فَقَالَ ابْن ثوابة: إِن هَذَا إِنَّمَا تبطره الْأَمْوَال الَّتِي وَرَاءه، وَمثله فِي ذَلِك، كَمثل المزين مَعَ كسْرَى، والحجام مَعَ الْحجَّاج، فتستأمرين السَّادة، فِي إِنْزَال الْمَكْرُوه بِهِ، حَتَّى يذعن بالأموال.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وَيَعْنِي بالسادة: المقتدر، ووالدته، وخالته
خاطف، ودستنبويه أم ولد المتعضد؛ لأَنهم كَانُوا، إِذْ ذَاك، يدبرون الْأُمُور؛ لحداثة سنّ المقتدر.
قَالَ ابْن الْفُرَات: فمضت أم مُوسَى، ثمَّ عَادَتْ، فَقَالَت لِابْنِ ثوابة: السَّادة يَقُولُونَ لَك: صدقت فِيمَا ذكرت، ويدك مُطلقَة فِيهِ.
وَكنت فِي دَار ضيقَة، فِي حر شَدِيد، فَأمر بكشف البواري حَتَّى صرت فِي الشَّمْس، ونحي الْحَصِير من تحتي، وأغلق أَبْوَاب الْبيُوت، حَتَّى حصلت فِي الصحن، ثمَّ قيدني بِقَيْد ثقيل، وألبسني جُبَّة صوف قد نقعت فِي مَاء الأكارع، وغلني بغل، وأقفل بَاب الْحُجْرَة وَانْصَرف، فَأَشْرَفت على التّلف.
وعددت على نَفسِي ذُنُوبِي، فوجدتني قد عوملت بِمَا عاملت بِهِ النَّاس، من المصادرة، وَنهب الْمنَازل، وَقبض الضّيَاع، وَتَسْلِيم النَّاس إِلَى أعدائهم، وحبسهم، وتقييدهم، وإلباسهم جباب الصُّوف، وهتك حريمهم، وإقامتهم فِي الشموس، وإفرادهم فِي الحبوس.
ثمَّ قلت: مَا غللت أحدا، فَكيف غللت؟ ثمَّ تذكرت أَن النَّرْسِي، كَاتب الطَّائِي، كَانَ سلمه إِلَيّ عبيد الله بن
سُلَيْمَان، لمَال عَلَيْهِ، فسلمته إِلَى الْحسن، الْمَعْرُوف بالمعلوف، الْمُسْتَخْرج، وَكَانَ عسوفا، وأمرته بتقييده، وتعذيبه، ومطالبته بِمَال ذكرته لَهُ، فألط بِهِ، فَأمرت بِهِ أَن يغل، ثمَّ تحوبت بعد أَن غل مِقْدَار ساعتين من النَّهَار، فَأمرت بِأخذ الغل عَنهُ.
فَلَمَّا جَازَت الساعتان، تذكرت شَيْئا آخر، وَهُوَ أَنه لما قرب سبكرى من الْجَبَل، مَعَ رَسُول صَاحب خُرَاسَان، مأسورا، كتبت إِلَى بعض عُمَّال الْمشرق، بمطالبته بأمواله وودائعه، فَكتب إِلَيّ بإلطاطه، فَكتبت
بِأَن يغل، وَكنت أتغدى، فَلَمَّا غسلت يَدي، تندمت، وتحوبت، فَكتبت بِأَن يحل الغل عَنهُ إِن كَانَ قد غل، فوصل الْكتاب الأول فعل، وَوصل الْكتاب الثَّانِي بعد ساعتين، فَحل عَنهُ، على مَا كتبت بِهِ.
فَلَمَّا مَضَت أَربع سَاعَات، إِذا بِصَوْت غلْمَان مجتازين فِي الْمَمَر الَّذِي فِيهِ الْحُجْرَة الَّتِي أَنا مَحْبُوس فِيهَا، فَقَالَ لي الخدم الموكلون بِي: هَذَا بدر الحرمي، وَهُوَ لَك صَنِيعَة.
فاستغثت بِهِ، وَصحت: يَا أَبَا الْخَيْر، ألله، ألله، فيَّ، لي عَلَيْك حُقُوق، وَقد ترى حَالي، وَالْمَوْت أسهل مِمَّا أَنا فِيهِ، فتخاطب السَّادة فِي أَمْرِي، وتذكرهم حرمتي، وخدمتي فِي تثبيت دولتهم، إِذْ خذلهم النَّاس، وافتتاحي الْبلدَانِ المنغلقة وإثارتي الْأَمْوَال المنكسرة، فَإِن كَانَ ذَنبي يُوجب الْقَتْل، فالسيف أروح لي، فَرجع، فَدخل إِلَيْهِم، فخاطبهم ورققهم، وَلم يبرح حَتَّى أمروا بِأخذ حديدي، وإدخالي الْحمام، وَأخذ شعري، وتغيير لباسي، وتسليمي إِلَى زَيْدَانَ، وترفيهي
فَجَاءَنِي بذلك، وَقَالَ: يَقُولُونَ لَك: لن ترى بعْدهَا بَأْسا، وأقمت عِنْد زَيْدَانَ، إِلَى أَن رددت إِلَى هَذَا الْمجْلس.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع