من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَال فِي ثِيَابه خوفًا مِنْهُ ثمَّ بَال على قَبره
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي الحنطي، عَن أبي طَالب الْجَعْفَرِي، أَنه سمع رجلا يحدث عَن مُحَمَّد بن الْفضل الجرجرائي فِي وزارته للمعتصم، قَالَ: كنت أتولى ضيَاع عجيف، بكسكر، فَرفع عَليّ أَنِّي خنته، وأخربت
الضّيَاع، فأنفذ إِلَيّ من قيدني، وأدخلت عَلَيْهِ فِي دَاره بسر من رأى، على تِلْكَ الْحَال، فَإِذا هُوَ يطوف على صناع فِيهَا.
فَلَمَّا نظر إِلَيّ شَتَمَنِي، وَقَالَ: أخربت الضّيَاع، ونهبت الِارْتفَاع, وَالله لأَقْتُلَنك، هاتوا السِّيَاط.
فاحضرت، وشلحت للضرب.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، ذهب عَليّ أَمْرِي، وبلت على ساقي.
فرآني كَاتبه، فَقَالَ لعجيف: أعز الله الْأَمِير، أَنْت مَشْغُول الْقلب بِهَذَا الْبناء، وَضرب هَذَا وَقَتله فِي أَيْدِينَا، لَيْسَ يفوت، فتأمر بحبسه، وَانْظُر فِي أمره فَإِن كَانَت الرفيعة صَحِيحَة، فَلَيْسَ يفوتك عِقَابه، وَإِن كَانَت بَاطِلَة، لم تتعجل الْإِثْم، وتنقطع عَمَّا أَنْت مهتم بِهِ.
فَأمر بِي إِلَى الْحَبْس، فَمَكثت فِيهِ أَيَّامًا.
وغزا أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم، عمورية، وَكَانَ من أَمر عجيف مَا كَانَ، فَقتله، واتصل الْخَبَر بكاتبه، فأطلقني.
فَخرجت من الْحَبْس، وَمَا أهتدي إِلَى حَبَّة فضَّة، فَمَا فَوْقهَا.
فقصدت صَاحب الدِّيوَان بسر من رأى، وَكَانَ صديقي، فَلَمَّا رَآنِي سر بإطلاقي وتوجع لي من سوء حَالي، وَعرض عَليّ مَالا.
فَقلت: بل تتفضل بتصريفي فِي شَيْء أستتر بجاريه.
فقلدني عملا بنواحي ديار ربيعَة، فاقترضت من التُّجَّار لما سمعُوا بِخَبَر ولايتي، مَا تحملت بِهِ إِلَى الْعَمَل، وَخرجت.
وَكَانَ فِي ضيَاع عَمَلي، ضَيْعَة تعرف بكراثا، فَنزلت بهَا فِي بعض طوافي بِالْعَمَلِ، وحصلت فِي دَار مِنْهَا، فَلَمَّا كَانَ السحر، وجدت المستحم ضيقا غير نظيف، فَخرجت من الدَّار إِلَى تل فِي الصَّحرَاء، فَجَلَست أبول عَلَيْهِ.
فَخرج إِلَيّ صَاحب الدَّار، فَقَالَ لي: أَتَدْرِي على أَي شَيْء تبول؟ قلت: على تل تُرَاب.
فَضَحِك، وَقَالَ: هَذَا قبر رجل يعرف بعجيف، قَائِد من قواد السُّلْطَان، كَانَ قد سخط عَلَيْهِ، وَحمله مَعَه مُقَيّدا، فَلَمَّا بلغ إِلَى هَاهُنَا قتل، فَطرح فِي هَذَا الْمَكَان تَحت حَائِط، فَلَمَّا انْصَرف الْعَسْكَر، طرحنا عَلَيْهِ الْحَائِط، لنواريه من الْكلاب، فَهُوَ - وَالله - تَحت هَذَا التل التُّرَاب.
فعجبت من بولِي خوفًا مِنْهُ، وَمن بولِي على قَبره.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع