من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
يمْنَع ابْن أبي سُبْرَة علنا ويجيزه سرا
حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله الْوراق، من كتاب نسب قُرَيْش للزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الطوسي، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: أَخْبرنِي عمي مُصعب بن عبد الله، وحَدثني سعيد بن عَمْرو، جَاءَ بهما الزبير خبرين مفردين فيهمَا تَكْرِير وَزِيَادَة فِي أَحدهمَا على الآخر، وَأَنا هُنَا أجمع بَينهمَا، وأجعلهما سِيَاقَة وَاحِدَة، وَأسْقط التكرير، قَالَ: كَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي سُبْرَة بن أبي ريم بن عبد الْعُزَّى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر بن لؤَي بن غَالب بن نصر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة عَاملا لرياح بن عُثْمَان، على مسعاة أَسد وطيء، فَلَمَّا خرج مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵈ جَاءَ بِمَا صدق من المَال إِلَيْهِ، ومبلغه أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار،
فَدفع ذَلِك إِلَيْهِ، فَكَانَت قُوَّة لمُحَمد.
فَلَمَّا قتل عِيسَى بن مُوسَى مُحَمَّدًا بِالْمَدِينَةِ، قيل لأبي بكر: اهرب، قَالَ: لَيْسَ مثلي يهرب، فَأخذ أَسِيرًا، فَطرح فِي حبس الْمَدِينَة، وَلم يحدث عِيسَى بن مُوسَى فِي أمره شَيْئا غير حَبسه، فَأمر الْمَنْصُور بتقييده، فقيد.
فَقدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا شخص عِيسَى بن مُوسَى، عبد الله بن الرّبيع الْمدنِي وَمَعَهُ جند، فعاثوا فِي الْمَدِينَة وأفسدوا، فَوَثَبَ عَلَيْهِ سودان الْمَدِينَة والرعاع، فَقتلُوا جنده، وطردوهم، وانتهبوهم، وانتهبوا عبد الله بن الرّبيع، فَخرج حَتَّى نزل ببئر الْمطلب، يُرِيد الْعرَاق، على خَمْسَة أَمْيَال من الْمَدِينَة.
وكبس السودَان السجْن، فأخرجوا أَبَا بكر.
وَقَالَ سعيد: فَأخْرج القرشيون أَبَا بكر، فَحَمَلُوهُ على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ، فَنهى عَن مَعْصِيّة أَمِير الْمُؤمنِينَ، وحث على طَاعَته.
وَقيل لَهُ: صل بِالنَّاسِ.
فَقَالَ: إِن الْأَسير لَا يؤم، وَرجع إِلَى محبسه.
فَلَمَّا ولى الْمَنْصُور، جَعْفَر بن سُلَيْمَان، على الْمَدِينَة، قَالَ لَهُ: بَيْننَا وَبَين أبي بكر رحم، وَقد أَسَاءَ وَأحسن، فَإِذا قدمت الْمَدِينَة، فَأَطْلقهُ، وَأحسن جواره.
وَقَالَ سعيد: فَأمره بِإِطْلَاق ابْن أبي سُبْرَة، وأوصاه بِهِ، وَقَالَ: إِن كَانَ قد أَسَاءَ فقد أحسن.
فَأَطْلقهُ جَعْفَر.
فَسَأَلَ جَعْفَر أَن يكْتب لَهُ بوصاة إِلَى معن بن زَائِدَة، وَهُوَ إِذْ ذَاك على الْيمن، فَكتب لَهُ بوصاة إِلَيْهِ.
فلقي الرابحي، فَقَالَ: هَل لَك فِي الْخُرُوج معي إِلَى الْعمرَة؟ فَقَالَ: أما وَالله، مَا أخرجني من منزلي إِلَّا طلب شَيْء لأهلي، فَمَا تركت عِنْدهم شَيْئا، فَأمر لَهُ ابْن أبي سُبْرَة بِنَفَقَة أنفذها إِلَى عِيَاله، وَخرج مَعَه.
فَلَمَّا قضيا عمرتهما، قَالَ للرابحي: هَل لَك أَن نأتي معن بن زَائِدَة؟ قَالَ: نعم.
فَأمر بِهِ بِنَفَقَة أنفذها إِلَى عِيَاله، وَأخرجه مَعَه، حَتَّى قدما على معن بن زَائِدَة، فَدخل عَلَيْهِ ابْن أبي سُبْرَة وَحده، فَدفع إِلَيْهِ كتاب جَعْفَر بِالرِّضَا عَنهُ، فَلَمَّا قَرَأَهُ، قَالَ: كَانَ جَعْفَر أقدر على صلتك مني، انْصَرف، فَلَيْسَ لَك عِنْدِي شَيْء، فَانْصَرف مغموما.
فَلَمَّا انتصف النَّهَار، أرسل إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أبي سُبْرَة مَا حملك على أَن قدمت عَليّ، وأمير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك وَاجِد؟ ثمَّ سَأَلَهُ: كم دينك؟ قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف دِينَار.
فَأعْطَاهُ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، وَأَعْطَاهُ ألفي دِينَار أُخْرَى، وَقَالَ: أصلح بِهَذِهِ أَمرك.
فَانْصَرف إِلَى منزله، فَأخْبر الرابحي، بِمَا صنع معن مَعَه، فراح الرابحي إِلَى معن، فأنشده:
الرابحي يَقُول فِي مدحلأبي الْوَلِيد أخي الندى الْغمر
ملك بِصَنْعَاء الْمُلُوك لَهُمَا بَين بَيت الله والشحر
لَو جاودته الرّيح مُرْسلَةلجرى يجود فَوق مَا تجْرِي
حملت بِهِ أم مباركةوَكَأَنَّهَا بِالْحملِ لَا تَدْرِي
فَقَالَ لَهُ معن: فَكَانَ مَاذَا وَيحك؟ فَقَالَ:
حَتَّى إِذا مَا تمّ تاسعهاوَلدته مولد لَيْلَة الْقدر
فَقَالَ لَهُ معن: ثمَّ مَاذَا وَيحك؟ فَقَالَ:
فَأَتَت بِهِ بيضًا أسرتهيُرْجَى لحمل نَوَائِب الدَّهْر
مسح القوابل وَجهه فَبَدَاكالبدر بل أبهى من الْبَدْر
فنذرن حِين رأين غرتهإِن عَاشَ أَن يوفين بِالنذرِ
لله صوما شكر أنعمهوَالله أهل الْحَمد وَالشُّكْر
فَقَالَ لَهُ معن: ثمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ:
فنشا بِحَمْد الله حِين نشاحسن الْمُرُوءَة نابه الذّكر
فَقَالَ معن: ثمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ:
حَتَّى إِذا مَا طر شَاربهخضع الْمُلُوك لسَيِّد بهر
فَإِذا وهى ثغر يُقَال لَهُ:يَا معن أَنْت سداد ذَا الثغر
فَقَالَ معن: أَنا أَبُو الْوَلِيد، أَعْطوهُ ألف دِينَار.
فَأَخذهَا وَرجع إِلَى ابْن أبي سُبْرَة، فَخَرَجَا جَمِيعًا إِلَى مَكَّة.
فَقَالَ ابْن أبي سُبْرَة: أما الْأَرْبَعَة آلَاف دِينَار، فلقضاء ديني، وَأما الألفان الفاضلة، فلك مِنْهَا ألف.
قَالَ الرابحي: قد أَعْطَانِي ألف دِينَار، وَهِي تجزيني، فَلَا تضيق على نَفسك فِي الألفي الدِّينَار.
فَقَالَ لَهُ: أَقْسَمت عَلَيْك لتأخذنها، فَأَخذهَا، وَأنْفق عَلَيْهِ، حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة.
ونمى الْخَبَر إِلَى الْمَنْصُور، فَكتب إِلَى معن: مَا حملك على أَن أَعْطَيْت
ابْن أبي سُبْرَة مَا أَعْطيته، وَقد علمت مَا صنع؟ فَكتب إِلَيْهِ معن: إِن جَعْفَر بن سُلَيْمَان كتب إِلَيّ بوصيني بِهِ، وَلم أَظن أَن جعفرا يكْتب فِي رجل لم يرض عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَكتب الْمَنْصُور إِلَى جَعْفَر، يبكته بذلك.
فَكتب إِلَيْهِ جَعْفَر: أَنْت، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أوصيتني بِهِ، وَلم يكن فِي استيصائي بِهِ شَيْء أيسر من كتاب وصاة إِلَى معن.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع