من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
البحتري وَأَبُو معشر يؤصلان عِنْد المعتز أصلا
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم سُلَيْمَان بن الْحسن بن مخلد، قَالَ: لما أنفذ أبي إِلَى مصر، اجتذبت أَبَا عبَادَة البحتري، وَأَبا معشر المنجم، وَكنت آنس بهما فِي وَحْدَتي، وملازمتي الْبَيْت، فَكَانَا أَكثر الْأَوْقَات عِنْدِي، يحادثاني ويعاشراني.
فحدثاني يَوْمًا: إنَّهُمَا أضاقا إضاقة شَدِيدَة، وَكَانَا مصطحبين، فَعَن لَهما أَن يلقيا المعتز بِاللَّه، وَهُوَ مَحْبُوس، فيتوددان إِلَيْهِ ويؤصلان
عِنْده أصلا، فتوصلا إِلَيْهِ، حَتَّى لقيَاهُ فِي حَبسه.
قَالَ البحتري: فَأَنْشَدته أبياتي الَّتِي كنت قلتهَا فِي مُحَمَّد بن يُوسُف الثغري، لما حبس، وخاطبت بهَا المعتز، كَأَنِّي عملتها لَهُ فِي الْحَال، وَهِي:
جعلت فدَاك الدَّهْر لَيْسَ بمنفكمن الْحَادِث المشكو والنازل المشكي
وَمَا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا منَازِلفَمن منزل رحب وَمن منزل ضنك
وَقد هذبتك الحادثات وَإِنَّمَاصفا الذَّهَب الإبريز قبلك بالسبك
أما فِي رَسُول الله يُوسُف أُسْوَةلمثلك مَحْبُوسًا على الظُّلم والإفك
أَقَامَ جميل الصَّبْر فِي السجْن بُرْهَةفآل بِهِ الصَّبْر الْجَمِيل إِلَى الْملك
على أَنه قد ضيم فِي حَبسك العلىوَأصْبح عز الدَّين فِي قَبْضَة الشّرك
قَالَ: فَأخذ الرقعة الَّتِي فِيهَا الأبيات، فَدَفعهَا إِلَى خَادِم كَانَ وَاقِفًا على رَأسه، وَقَالَ لَهُ: احتفظ بِهَذِهِ الرقعة، فَإِن فرج الله عني، فأذكرني بهَا، لأقضي حق هَذَا الرجل الْحر.
وَقَالَ لي أَبُو معشر: وَقد كنت أَنا أخذت مولده، وَوقت عقد لَهُ الْعَهْد، وَوقت عقدت الْبيعَة للمستعين بالخلافة، فَنَظَرت فِي ذَلِك، وصححت الحكم للمعتز بالخلافة بعد فتْنَة تجْرِي وحروب، وحكمت على المستعين بِالْقَتْلِ، فَسلمت ذَلِك إِلَى المعتز، وانصرفنا.
وَضرب الزَّمَان ضربه، وَصَحَّ الحكم بأسره.
قَالَ أَبُو معشر: فَدخلت أَنا والبحتري جَمِيعًا إِلَى المعتز، وَهُوَ خَليفَة، بعد خلع المستعين وتغريقه، فَقَالَ لي: لم أنسك، وَقد صَحَّ حكمك، وَقد أجريت لَك فِي كل شهر مائَة دِينَار، وَثَلَاثِينَ دِينَارا نزلا، وجعلتك رَئِيس المنجمين فِي دَار الْخلَافَة، وَأمرت لَك عَاجلا بِإِطْلَاق ألف دِينَار صلَة، فقبضت ذَلِك كُله فِي يومي.
وَقَالَ لي البحتري: وَتَقَدَّمت أَنا، فأنشدت المعتز قصيدة مدحته بهَا، وهنأته بالخلافة، وهجوت المستعين، أَولهَا:
يجانبنا فِي الْحبّ من لَا نجانبهوَيبعد عَنَّا فِي الْهوى من نقاربه
فَلَمَّا بلغت فِيهَا إِلَى قولي، والمعتز يستمع:
فَكيف رَأَيْت الْحق قر قرارهوَكَيف رَأَيْت الظُّلم آلت عواقبه
وَلم يكن المعتز بِاللَّه إِذْ سرىليعجز والمعتز بِاللَّه طَالبه
رمى بالقضيب عنْوَة وَهُوَ صاغروعري من برد النَّبِي مناكبه
وَقد سرني أَن قيل وَجه غادياإِلَى الشرق تحدى سفنه وركائبه
إِلَى وَاسِط حَيْثُ الدَّجَاج وَلم تكنلتنشب إِلَّا فِي الدَّجَاج مخالبه
فاستعادني هَذِه الأبيات مرَارًا، فأعدتها عَلَيْهِ، فَدَعَا الْخَادِم الَّذِي كَانَ مَعَه فِي الْحَبْس، وَطلب مِنْهُ الرقعة الَّتِي كنت أنشدته الشّعْر الَّذِي كَانَ فهيا، فِي حَبسه، فَأحْضرهُ إِيَّاهَا بِعَينهَا.
فَقَالَ: قد أمرت لَك بِكُل بَيت مِنْهَا بِأَلف دِينَار، وَكَانَت سِتَّة أَبْيَات، فَأخذت سِتَّة آلَاف دِينَار.
ثمَّ قَالَ لي: كَأَنِّي بك، وَقد بادرت، فاشتريت مِنْهَا جَارِيَة، وَغُلَامًا، وفرسا، وأتلفت المَال، لَا تفعل، فَإِن لَك فِيمَا تستأنفه مَعنا من أيامك، وَمَعَ
وزرائنا وأسبابنا، إِذا عرفُوا موضعك عندنَا، غناء عَن ذَلِك، وَلَكِن افْعَل بِهَذَا المَال كَمَا فعل ابْن قيس الرقيات بِالْمَالِ الَّذِي أعطَاهُ عبد الله بن جَعْفَر، وَاشْترى بِهِ ضَيْعَة، فاشتر أَنْت أَيْضا بِهِ ضَيْعَة تنْتَفع بغلتها، وَيبقى عَلَيْك وعَلى ولدك أَصْلهَا.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة، وَخرجت فاشتريت بِالْمَالِ ضَيْعَة جليلة بمنبج، ثمَّ ارْتَفَعت حَالي مَعَه وزادت.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع