من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ب - إِطْلَاق الْكتاب من حبس الواثق
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن عِيسَى، يتحدث، قَالَ: سَمِعت عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب، يَقُول: حَدثنِي أبي، قَالَ: كنت وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْخَطِيب، مَعَ خلق من الْعمَّال وَالْكتاب معتقلين فِي يَدي مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، فِي آخر وزارته للواثق، نطالب ببقايا مصادراتنا، وَنحن آيس مَا كُنَّا من الْفرج، إِذْ اشتدت عِلّة الواثق، وحجب سِتَّة أَيَّام عَن النَّاس، فَدخل عَلَيْهِ أَبُو عبد الله أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي، فَقَالَ لَهُ الواثق: يَا أَبَا عبد الله، وَكَانَ يكنيه، ذهبت مني الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
قَالَ: كلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: بلَى، أما الدُّنْيَا، فقد ذهبت مني بِمَا ترى من حُضُور الْمَوْت، وَذَهَبت مني الْآخِرَة، بِمَا أسلفت من عمل الْقَبِيح، فَهَل عنْدك من دَوَاء؟ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد غَرَّك مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فِي الْكتاب والعمال، وملأ بهم الحبوس، وَلم يحصل من جهتهم على كَبِير شَيْء، وهم عدد كثير، ووراءهم ألف يَد ترفع إِلَى الله تَعَالَى بِالدُّعَاءِ عَلَيْك، فتأمر بإطلاقهم، لترتفع تِلْكَ الْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ لَك، فَلَعَلَّ الله أَن يهب لَك الْعَافِيَة، وعَلى كل حَال، فَأَنت مُحْتَاج إِلَى أَن تقل خصومك.
فَقَالَ: نعم مَا أَشرت بِهِ، وَقع عني إِلَيْهِ بإطلاقهم.
فَقَالَ: إِن رأى خطي، عاند ولج، وَلَكِن يغتنم أَمِير الْمُؤمنِينَ الثَّوَاب، ويتساند، وَيحمل على نَفسه، ويوقع بِخَطِّهِ.
فَوَقع الواثق، بِخَط مُضْطَرب إِلَى ابْن الزيات بإطلاقهم، وَإِطْلَاق كل من فِي الحبوس، من غير استئمار وَلَا مُرَاجعَة.
فَقَالَ ابْن أبي دؤاد: يتَقَدَّم أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى إيتاخ أَن يمْضِي بالتوقيع، وَلَا يَدعه يعْمل شَيْئا، أَو يُطْلِقهُمْ، وَأَن يحول بَينه وَبَين الْوُصُول إِلَيْك، أَو كتب رقْعَة، أَو اشْتِغَاله بِشَيْء أَلْبَتَّة، إِلَّا بعد إِطْلَاقهم، وَإِن لقِيه فِي الطَّرِيق أنزلهُ عَن دَابَّته، وَأَجْلسهُ على غاشيته فِي الطَّرِيق، حَتَّى يفرغ من ذَلِك.
فَتوجه إيتاخ، فلقي ابْن الزيات رَاكِبًا يُرِيد دَار الْخَلِيفَة.
فَقَالَ لَهُ: تنزل عَن دابتك، وتجلس على غاشيتك.
فارتاع، وَظن أَنه قد وَقع بِهِ الْحَال، فَنزل، وَجلسَ على غاشيته، فأوصل إِلَيْهِ التوقيع، فَامْتنعَ، وَقَالَ: إِذا أطلقت هَؤُلَاءِ فَمن أَيْن أنْفق الْأَمْوَال، وأقيم الأنزال؟ فَقَالَ لَهُ: لَا بُد من ذَلِك.
فَقَالَ: أركب إِلَيْهِ وأستأذنه.
فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.
قَالَ: فَدَعْنِي أكاتبه.
قَالَ: وَلَا هَذَا.
قَالَ: فَمَا تَركه يبرح من مَوْضِعه، حَتَّى وَقع بِإِطْلَاق النَّاس.
فَصَارَ إيتاخ إِلَيْنَا، وَنحن فِي الْحَبْس، آيس مَا كُنَّا من الْفرج، وَقد بلغنَا شدَّة عِلّة الواثق، وَأَن قد أرجف لِابْنِهِ بالخلافة، وَكَانَ صَبيا، فخفنا أَن يتم
ذَلِك، فَيجْعَل ابْن الزيات الصَّبِي شبحا، ويتولى التَّدْبِير فيتلفنا، وَقد امتنعنا لفرط الْغم من الْأكل.
فَلَمَّا دخل علينا إيتاخ، لم نشك أَنه قد حضر لبلية، فأطلقنا، وعرفنا الصُّورَة، فدعونا للخليفة، وَلأَحْمَد بن أبي دؤاد، وانصرفنا إِلَى مَنَازلنَا لَحْظَة، ثمَّ خرجنَا، فوقفنا لأبي عبد الله دؤاد على الطَّرِيق، نَنْتَظِر عوده من دَار الْخَلِيفَة عشيا.
فحين رَأَيْنَاهُ ترجلنا لَهُ، فَقَالَ: لَا تَفعلُوا، وأكبر ذَلِك، ومنعنا من التَّرَجُّل، فَلم نمتنع ودعونا لَهُ وشكرناه.
فَوقف حَتَّى ركبنَا وسايرناه، وَأخذ يخبرنا بالْخبر، وَنحن نشكره، وَهُوَ يستصغر مَا فعل، وَيَقُول: هَذَا أقل حقوقكم، وَكَانَ الَّذِي لقِيه أَنا وَأحمد بن الخصيب.
وَقَالَ لنا: ستعلمان مَا أَفعلهُ مستأنفا.
ثمَّ رَجَعَ ابْن أبي دؤاد إِلَى دَار الْخَلِيفَة عشيا، فَقَالَ لَهُ الواثق: قد تبركت بِرَأْيِك يَا أَبَا عبد الله، وَوجدت خفَّة من الْعلَّة، ونشطت للْأَكْل، فَأكلت وزن خَمْسَة دَرَاهِم خبْزًا بصدر دراج.
فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تِلْكَ الْأَيْدِي الَّتِي كَانَت تَدْعُو عَلَيْك غدْوَة، صَارَت تَدْعُو لَك عَشِيَّة، وَيَدْعُو لَك بسببهم خلق كثير من رعيتك،
إِلَّا أَنهم قد صَارُوا على دور خراب، وأحوال قبيحة، بِلَا فرش، وَلَا كسْوَة، وَلَا دَوَاب، وَلَا ضيَاع، موتى جوعا وهزالا.
قَالَ: فَمَا ترى؟ قَالَ: فِي الخزائن والاصطبلات بقايا مَا أَخذ مِنْهُم، فَلَو أمرت أَن ينظر فِي ذَلِك، فَكل من وجد لَهُ شَيْء بَاقٍ من هَذَا رد عَلَيْهِ، وأطلقت لَهُم ضياعهم، لعاشوا، وخف الْأَلَم وتضاعف الدُّعَاء، وقويت الْعَافِيَة.
قَالَ: فَوَقع عني بذلك، فَوَقع عَنهُ أَحْمد بن أبي دؤاد.
فَمَا شعرنَا من الْغَد، إِلَّا وَقد رجعت علينا نعمتنا، وَمَات الواثق بعد ثَلَاثَة أَيَّام.
وَفرج الله عَنَّا بِابْن أبي دؤاد، وَبقيت لَهُ هَذِه المكرمة الْعَظِيمَة فِي أعناقنا.
وَقد ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس هَذَا الْخَبَر، فِي كتاب الوزراء، عَن مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، عَن عبيد الله بن سُلَيْمَان، بِمَا يقرب من هَذِه الْأَلْفَاظ، وَالْمعْنَى وَاحِد، إِلَّا أَنه لم يذكر أَنه كَانَ مَعَهم فِي الْحَبْس أَحْمد بن الخصيب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع