من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
جـ - إنقاذ أبي دلف من موت مُحَقّق
حَدثنِي أبي ﵁، فِي المذاكرة، بِإِسْنَاد لست أقوم عَلَيْهِ؛ لِأَنِّي لم أكتبه فِي الْحَال، قَالَ: كَانَ ابْتِدَاء الْعَدَاوَة بَين أبي عبد الله أَحْمد بن أبي دؤاد وَبَين الإفشين،
أَن الإفشين كَانَ أغرى المعتصم بِأبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ؛ لعداوة كَانَت بَينهمَا، فسلمه إِلَيْهِ المعتصم، فأجمع على قَتله من يَوْمه ذَاك.
وَبلغ الْخَبَر أَبَا دلف، فارتحل على ابْن أبي دؤاد، فَاسْتَجَارَ بِهِ، وعرفه مَا قد أشرف عَلَيْهِ.
فجَاء ابْن أبي دؤاد إِلَى المعتصم ليسأله عَن أمره، فَوَجَدَهُ نَائِما، فكره أَن
يقيمه وينبهه، وَخَافَ أَن يشرع الإفشين فِي قتل أبي دلف، فجَاء إِلَى الإفشين، فَقَالَ لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ، بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ أَن تحدث على الْقَاسِم بن عِيسَى حَادِثَة، وَالله لَئِن فعلت لأَقْتُلَنك، وَلم يكن المعتصم أرْسلهُ، وَلَا قَالَ لَهُ شَيْئا.
فرهب الإفشين أَن يقتل أَبَا دلف.
وَعَاد ابْن أبي دؤاد إِلَى المعتصم، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَيْسَ الْكذَّاب من أصلح بَين النَّاس»، فَقَالَ خيرا، ومنَّى خيرا، وَقد أدّيت عَنْك رِسَالَة أَحييت بهَا أهل بَيت من الْمُسلمين، وكففت بهَا أسياف خلق من الْعَرَب، بَلغنِي أَن الإفشين عزم على قتل الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فأديت إِلَيْهِ عَنْك رِسَالَة هِيَ كَذَا وَكَذَا، فحقنت دم الرجل، ونعشت عِيَاله، وكففت عَنْك عصيان عجل وَمن يتبعهَا مِمَّن يتعصب لَهُ، فيتفق عَلَيْك من ذَلِك مَا تغتم بِهِ، وَالرجل فِي يَده مشف على الْقَتْل.
فَقَالَ لَهُ المعتصم: قد أَحْسَنت.
وَوجه الإفشين إِلَى ابْن أبي دؤاد: لَا تَأتِينِي، وَلَا تقربني.
فَقَالَ للرسول: أتؤدي عني كَمَا أدّيت إِلَيّ؟ قَالَ: قل.
قَالَ: قل لَهُ: مَا آتِيك تعززا من ذلة، وَلَا تكثرا من قلَّة، وَإِنَّمَا أَنْت رجل ساعدك زمَان، ورفعك سُلْطَان، فَإِن جئْتُك فَلهُ، وَإِن تَأَخَّرت عَنْك فلنفسك.
أَخْبرنِي القَاضِي أَبُو طَالب مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف، وَكِيع القَاضِي، قَالَ: أخبرنَا مُوسَى بن جَعْفَر، أَخُو يعِيش الْكَاتِب، قَالَ:
كَانَ أَحْمد بن أبي دؤاد حِين ولي المعتصم الْخلَافَة، عادى الإفشين وحرض عَلَيْهِ المعتصم، وَذكر حَدِيثا طَويلا، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه.
ثمَّ قَالَ فِيهِ: وَكَانَ سَبَب الْعَدَاوَة بَين أَحْمد بن أبي دؤاد، وَبَين الإفشين، أَن الإفشين أَرَادَ قتل أبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فَاسْتَجَارَ بِابْن أبي دؤاد، ثمَّ ذكر نَحوا مِمَّا ذكرته عَن أبي ﵁، إِلَّا أَنه لم يقل فِي خَبره أَن ابْن أبي دؤاد جَاءَ إِلَى المعتصم فَوَجَدَهُ نَائِما، ثمَّ عَاد فَوَجَدَهُ قد انتبه، وَقَالَ فِي آخر حَدِيثه: وَإِنَّمَا أَنْت رجل رفعتك دولة، فَإِن جِئْت فلهَا وَإِن قعدت فعنك.
وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: كَانَ أَبُو دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فِي جملَة من كَانَ مَعَ الإفشين خيذر بن كاوس لما خرج لمحاربة بابك، ثمَّ تنكر لَهُ، فَوجه من جَاءَهُ بِهِ ليَقْتُلهُ.
وَبلغ المعتصم الْخَبَر، فَبعث إِلَيْهِ بِأَحْمَد بن أبي دؤاد، وَقَالَ لَهُ: أدْركهُ، وَمَا أَرَاك تُدْرِكهُ، واحتل فِي خلاصه مِنْهُ كَيفَ شِئْت.
قَالَ أَحْمد: فمضيت ركضا حَتَّى وافيته، فَإِذا أَبُو دلف وَاقِف بَين يَدَيْهِ، وَقد أَخذ بِيَدِهِ غلامان لَهُ تركيان، فرميت بنفسي على الْبسَاط، وَكنت إِذا جِئْته دَعَا لي بمصلى.
فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا حملك على هَذَا؟ قلت: أَنْت أجلستني هَذَا الْمجْلس، ثمَّ كَلمته فِي الْقَاسِم بن عِيسَى، وَسَأَلته فِيهِ، وخضعت لَهُ، فَجعل لَا يزْدَاد إِلَّا غلظة.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك مِنْهُ، قلت: هَذَا عبد، وَقد أغرقت فِي الرقة مَعَه فَلم تَنْفَع، وَلَيْسَ إِلَّا أَخذه بالرهبة.
فَقُمْت، وَقلت: كم تراك قدرت فِي نَفسك تقتل أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاحِدًا بعد وَاحِد، وتخالف أمره فِي قَائِد بعد قَائِد؟ قد حملت إِلَيْك هَذِه الرسَالَة عَن
أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَمَا تَقول؟ فَقل، وذل، حَتَّى لصق بِالْأَرْضِ، وَبَان لي الِاضْطِرَاب فِيهِ.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، نهضت إِلَى أبي دلف، فَأخذت بِيَدِهِ، وَقلت: قد أَخَذته بِأَمْر أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: لَا تفعل، يَا أَبَا عبد الله.
فَقلت: قد فعلت، وأخرجت الْقَاسِم، وَحَمَلته على دَابَّة، ووافيت المعتصم.
فَلَمَّا بصر بِي، قَالَ: بك يَا أَبَا عبد الله وريت زنادي، ثمَّ سرد عَليّ خبري مَعَ الإفشين، حَدِيثا مَا أَخطَأ فِيهِ حرفا.
ثمَّ سَأَلَني: هَل هُوَ كَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرته أَنه لم يُخطئ حرفا وَاحِدًا.
وَأَخْبرنِي أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، الْمَعْرُوف بالحاتمي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي جدك المظفر بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْفُرَات، قَالَ: حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن ثوابة، قَالَ: كَانَ الإفشين نقم على أبي دلف الْعجلِيّ، وَهُوَ مضموم إِلَيْهِ فِي حَرْب بابك، أَشْيَاء، فَلَمَّا ظفر ببابك، وَقدم سر من رأى، شكاه إِلَى المعتصم، وَسَأَلَهُ ليأمره بِهِ، فَفعل، ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُطلق يَده عَلَيْهِ، فَلم يفعل، وَكَانَ أَحْمد بن أبي دؤاد متعصبا لأبي دلف، يَقُول للمعتصم: إِن الإفشين ظَالِم لَهُ، وَإِنَّمَا نقم عَلَيْهِ نصيحته فِي محاربة بابك، وجده فِيهَا، وَدفعه مَا كَانَ الإفشين يذهب إِلَيْهِ من مطاولة الْأَيَّام، وإنفاق الْأَمْوَال وانبساط الْيَد فِي الْأَعْمَال، وَتَركه مُتَابَعَته على ذَلِك.
فألح الإفشين على المعتصم بِاللَّه فِي إِطْلَاق يَده عَلَيْهِ، وَكَانَ للإفشين قدر جليل عِنْد المعتصم، يدْخل عَلَيْهِ بِغَيْر إِذن.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وأنبأنا أَبُو عبد الله بن أبي دؤاد، قَالَ: دخلت على المعتصم يَوْمًا، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، لم يدعني الْيَوْم أَبُو الْحسن الإفشين حَتَّى أطلقت يَده على الْقَاسِم بن عِيسَى.
فَقُمْت من بَين يَدَيْهِ، وَمَا أبْصر شَيْئا خوفًا على أبي دلف، ودخلني أَمر عَظِيم، وَخرجت فركبت دَابَّتي، وسرت أَشد سير من الْجَوْسَقِ إِلَى دَار الإفشين بِقرب الْمَطِيرَة، أُؤَمِّل أَن أدْرك أَبَا دلف قبل أَن يحدث الإفشين عَلَيْهِ حَادِثَة.
فَلَمَّا وقفت بِبَابِهِ، كرهت أَن أَسْتَأْذن فَيعلم أَنِّي قد حضرت بِسَبَب أبي دلف، فيعجل عَلَيْهِ فَدخلت على دَابَّتي إِلَى الْموضع الَّذِي كنت أنزل فِيهِ، وأوهمت حَاجِبه أَنِّي قد جِئْت برسالة المعتصم، ثمَّ نزلت، فَرفع السّتْر، فَدخلت، فَوجدت الإفشين فِي مَوْضِعه، وَأَبُو دلف مُقَيّد بالحديد بَين يَدَيْهِ فِي نطع، وَهُوَ يقرعه ويخاطبه بأشد غضب وَأعظم مُخَاطبَة.
فحين قربت مِنْهُ أمسك فَسلمت، وَأخذت مجلسي، ثمَّ قلت للإفشين: قد عرفت حرمتي بأمير الْمُؤمنِينَ، وخدمتي إِيَّاه، وَمَوْضِعِي عِنْده، وموقعي من رَأْيه، وتفرده بالصنيعة عِنْدِي وَالْإِحْسَان، وَعلمت مَعَ ذَلِك ميلي إِلَيْك، ومحبتي لَك، وَقد رغبت إِلَيْك فِيمَا يرغب فِيهِ مثلي إِلَى مثلك، مِمَّن رفع الله قدره، وَأجل خطره وَأَعْلَى همته.
فَقَالَ: كل مَا قلت كَمَا قلت، وكل مَا أردْت فَهُوَ مبذول لَك، خلا هَذَا الْجَالِس، فَإِنِّي لَا أشفعك فِيهِ.
فَقلت: مَا جئْتُك إِلَّا فِي أمره، وَلَا ألتمس مِنْك غَيره، وَلَوْلَا شدَّة غضبك، وَمَا تتوعده بِهِ من الْقَتْل، لَكَانَ فِي جميل عفوك مَا يُغني عَن كلامك، وَلَكِنِّي لما عرفت غيظك، وَمَا تنقمه عَلَيْهِ احتجت، مَعَ موقعه مني، إِلَى كلمة فِي أمره، واستيهاب عَظِيم جرمه، إِذْ كَانَ مثلك فِي جلالتك إِنَّمَا يسْأَل جلائل الْأُمُور.
فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، هَذَا رجل طلب دمي، وَلم تقنعه إِزَالَة نعمتي، وَلَا سَبِيل إِلَى تشفيعك فِيهِ، وَلَكِن هَذَا بَيت مَالِي، وَهَذِه ضياعي، وكل مَا أملك بَين يَديك، فَخذ من ذَلِك كُله مَا أردْت.
فَقلت: بَارك الله لَك فِي أموالك وَثَمَرهَا، لم آتِك فِي هَذَا، وَإِنَّمَا أَتَيْتُك فِي مكرمَة يبْقى لَك فَضلهَا، وَحسن أحدوثتها، وتعتقد بهَا منَّة فِي عنقِي، وَلَا أَزَال مرتهنا فِي شكرها.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي فِي هَذَا شَيْء أَلْبَتَّة.
فَقلت لَهُ: الْقَاسِم بن عِيسَى فَارس الْعَرَب وشريفها، فاستبقه، وأنعم عَلَيْهِ، فَإِن لم تره لهَذَا أَهلا، فهبه للْعَرَب كلهَا، وَأَنت تعلم أَن مُلُوك الْعَجم لم تزل تفضل على مُلُوك الْعَرَب، وَمن ذَلِك مَا كَانَ من كسْرَى إِلَى النُّعْمَان حَتَّى ملكه، وَأَنت الْآن بَقِيَّة الْعَجم وشريفها، وَالقَاسِم شرِيف الْعَرَب، فَكُن الْيَوْم شريفا من الْعَجم أنعم على شرِيف من الْعَرَب وَعَفا عَنهُ.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي فِي هَذَا جَوَاب إِلَّا مَا سَمِعت، وتنكر، وتبينت الشَّرّ فِي وَجهه.
فَقلت فِي نَفسِي: أنصرف، وأدع هَذَا يقتل أَبَا دلف؟ لَا وَالله، وَلَكِن أمثل بني يَدَيْهِ قَائِما، وأكلمه، فَلَعَلَّهُ أَن يستحي، فَقُمْت، وتوهمني أُرِيد الِانْصِرَاف، فتحفز لي.
فَقلت: لست أُرِيد الِانْصِرَاف، وَإِنَّمَا مثلت بَين يَديك قَائِما، صَابِرًا، رَاغِبًا، ضارعا، سَائِلًا، مستوهبا هَذَا الرجل مِنْك.
فَكَانَ جَوَابه أغْلظ.
فتحيرت، وَقلت فِي نَفسِي: أنكب على رَأسه، فأقبله، فدخلني من
ذَلِك أنف شَدِيد، وَقلت فِي نَفسِي: أقبل رَأس هَذَا الأقلف؟ لَا يكون هَذَا أبدا.
ثمَّ راجعتني الشَّفَقَة على أبي دلف، فَقبلت رَأسه، وضرعت إِلَيْهِ، فَلم يجبني، فأخذني مَا قدم وَمَا حدث.
فَجَلَست، وَقلت لَهُ: يَا أَبَا الْحسن، قد طلبت مِنْك، وضرعت إِلَيْك، وَوضعت خدي لَك، ومثلت بَين يَديك، وَقبلت رَأسك، فشفعني واصرفني شاكرا، فَهُوَ أجمل بك.
فَقَالَ: لَا وَالله، مَا عِنْدِي غير الَّذِي قلته لَك.
فَقلت لَهُ: أَنا رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك، وَهُوَ يَقُول لَك: لَا تحدث فِي الْقَاسِم بن عِيسَى حَدثا، فَإنَّك إِن قتلته قتلت بِهِ.
قَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول هَذَا بعد أَن أطلق يَدي عَلَيْهِ؟ قلت: نعم، أَنا رَسُوله إِلَيْك بِمَا قلته لَك، فَإِن كنت فِي الطَّاعَة فاسمع وأطع، وَإِن كنت قد خلعت، فَقل: لَا طَاعَة، ونفضت فِي وَجهه يَدي، ونهضت.
فاضطرب حَتَّى لم يقدر أَن يَدْعُو لي بدابتي.
وَركبت، فأغذذت السّير إِلَى المعتصم؛ لأخبره الْخَبَر، وَبِمَا اضطررت إِلَيْهِ من تأدية رسَالَته، لِأَنِّي علمت أَنه لم يقل لي مَا قَالَه، إِلَّا وَهُوَ يحب اسْتِبْقَاء أبي دلف.
فانتهيت إِلَى الْجَوْسَقِ فِي وَقت حَار، والحجاب جَمِيعًا نيام، وَالدَّار خَالِيَة، فَدخلت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى ستر الدَّار الَّتِي فِيهَا المعتصم، فَجَلَست، وَقلت:
إِن جَاءَ الإفشين دخلت مَعَه وتكلمت، وَإِن سَأَلَ الْوُصُول، أخْبرت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْخَبَر كُله.
فَبينا أَنا كَذَلِك، إِذْ خرج خَادِم من وَرَاء السّتْر، فعرفته، ثمَّ دخل، وَخرج، فَقَالَ: ادخل.
فَدخلت، وَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما لي حُرْمَة؟ أما لي ذمام؟ أما لي حق؟ أما فِي فضل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ وَنعمته عِنْدِي، مَا تجب رعايته؟ فَقَالَ: مَا لَك يَا أَبَا عبد الله؟ مَا قصتك؟ اجْلِسْ، فَجَلَست.
ثمَّ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قلت لي الْيَوْم فِي الْقَاسِم بن عِيسَى قولا علمت مَعَه أَنَّك أردْت استبقاءه وحقن دَمه، فمضيت من فوري إِلَى أبي الْحسن الإفشين، ثمَّ قصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة إِلَى مَوضِع الرسَالَة الَّتِي أديتها عَنهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي كل ذَلِك يتغيظ، ويفتل سباله، حَتَّى إِذا أردْت أَن أعرفهُ الرسَالَة الَّتِي أديتها عَنهُ، قطع، وَقَالَ: يمْضِي قَاضِي، وصنيعتي أَحْمد بن أبي دؤاد إِلَى خيذر، فيخضع لَهُ، وَيقف بَين يَدَيْهِ، وَيقبل رَأسه، فَلَا يشفعه؟ قتلني الله إِن لم أَقتلهُ، يكررها.
فَمَا استوفى كَلَامه، حَتَّى رفع السّتْر وَدخل الإفشين، فَلَقِيَهُ بأكبر الْبر وَالْإِكْرَام، وَأَجْلسهُ بِقُرْبِهِ، وَقَالَ: فِي هَذَا الْوَقْت الْحَار يَا أَبَا الْحسن؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، رجل قد عرفت مَا نالني مِنْهُ، وَأَنه طلب دمي، وَقد أطلقت يَدي عَلَيْهِ، يجيئني هَذَا، وَيَقُول لي: إِنَّك بعثت إِلَيّ تَأْمُرنِي أَن لَا أحدث فِيهِ حَدثا، وَأَنِّي إِن قتلته قتلت بِهِ؟ قَالَ: فَغَضب، وَقَالَ: أَنا أَرْسلتهُ إِلَيْك، فَلَا تحدث على الْقَاسِم بن عِيسَى حَدثا.
فَنَهَضَ الإفشين مغضبا يدمدم، واتبعته لأتلافاه، فصاح بِي المعتصم:
ارْجع يَا أَبَا عبد الله، فَرَجَعت، وَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه كَانَ بَقِي شَيْء مِمَّا جرى مني قطعتني بكلامك عَن ذكره لَك.
قَالَ: تَعْنِي الرسَالَة؟ قلت: نعم.
قَالَ: قد فهمتها، وَالقَاسِم يوافيك العشية، فاحذر أَن تفوه بِشَيْء مِمَّا جرى.
وَمضى الإفشين، فَأطلق الْقَاسِم، وخلع عَلَيْهِ، وَحمله، فَجَاءَنِي الْقَاسِم من العشية.
وَمَا أخْبرت بِالْحَدِيثِ حَتَّى قتل الإفشين، وَمَات المعتصم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع