تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

خرج من حبس المقتدر وَنصب مستشارا للوزير ابْن مقلة

حَدثنِي عَليّ بن هِشَام أبي قِيرَاط الْكَاتِب، من حفظه، وكتبت بإملائه، قَالَ: تطاول الْحَبْس بِأبي الْحسن عَليّ بن عِيسَى فِي دَار المقتدر، حَتَّى أيس مِنْهُ، فَلَمَّا اجْتمع أَبُو الهيجاء، ونازوك، والطبقة الَّذين تجمعُوا وخلعوا المقتدر

وأجلسوا القاهر، وحصلوا المقتدر فِي دَار مؤنس، كسرت الحبوس، وَنهب بعض دَار المقتدر، فَأَفلَت عَليّ بن عِيسَى من الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ مَحْبُوسًا، فَخرج، فاستتر تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي كَانَ فِيهَا المقتدر مَحْبُوسًا عِنْد مؤنس، والقاهر متسم بالخلافة.

فَلَمَّا جَاءَت الرجالة، بِغَيْر مراسلة من المقتدر لَهُم، وَلَا حِيلَة مِنْهُ فِي أَمر نَفسه، وَإِنَّمَا كَانَ بصنع طريف، وَسُوء تَدْبِير نازوك فِي خطابهم بِمَا كَرهُوا، فثاروا، وَقتلُوا أَبَا الهيجاء، ونازوك، وكبسوا دَار مؤنس، وَأخذُوا المقتدر من يَده، وأعادوه للخلافة، وردوا القاهر إِلَى دَار ابْن طَاهِر، وَظهر ابْن مقلة، وَكَانَ وَزِير المقتدر، وَكَانَ قد استتر.

قَالَ: فَحَدثني أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل زنجي الْكَاتِب، وَأَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الرُّوذَبَارِي، صَاحب الْفضل بن جَعْفَر، قَالُوا: كُنَّا فِي دَار مؤنس، وَالنَّاس يهنونه، وَعلي بن عِيسَى مستتر، فَلم يشْعر إِلَّا وَقد جَاءَ عَليّ بن عِيسَى بطيلسان، وأحفى الْمَسْأَلَة أَن يرد إِلَى الْحَبْس، خوفًا من عواقب الاستتار، وَأَن يُولد عَلَيْهِ أَكثر من الْحَبْس.

فَتَلقاهُ مؤنس أحسن لِقَاء وأجمله، واستصوب رَأْيه فِي الظُّهُور، وراسل

المقتدر فِي الْحَال، فَعَاد الْجَواب من المقتدر، بأجمل قَول وَأحسنه، وَأَنه قد رد إِلَى عَليّ بن عِيسَى الإشراف على ابْن مقلة، والاجتماع مَعَه على سَائِر أُمُور المملكة، وَأمر أَن يصل بوصوله، وَأَن لَا ينْفَرد ابْن مقلة بتدبير أَمر دونه، وأفرد عَليّ بن عِيسَى بالمظالم، من غير أَن يكون لِابْنِ مقلة فِيهَا نظر.

فَقَالَ لَهُ مؤنس: لَيْسَ يجوز مَعَ هَذَا أَن تلبس الطيلسان، وَعَلَيْك أَن تتلقى هَذَا الإنعام بالشكر.

فَانْصَرف عَليّ بن عِيسَى، وَعَاد عشيا وَعَلِيهِ دراعة، وَجلسَ فِي دَار مؤنس، منتظرا مَجِيء الْوَزير ابْن مقلة، إِلَى أَن جَاءَ، فاجتمعا يتفاوضان فِي أُمُور الْأَمْوَال والأعمال.

فَقَالَ لَهُ ابْن مقلة: إِن أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَليّ المادرائي يطيعك، وَهُوَ من أكبر صنائعك، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ بِحمْل مَال.

فَقَالَ عَليّ بن عِيسَى: إِن مصر مَعَ الِاضْطِرَاب الْوَاقِع، ستفور نَارا، لِكَثْرَة الْجَيْش بهَا، وَعظم مَال صلَة الْبيعَة، وَالْوَجْه أَن يكْتب الْوَزير أعزه الله، فَقَالَ مؤنس لِابْنِ مقلة: افْعَل مَا أَشَارَ بِهِ أَبُو الْحسن.

فَقَالَ: لَا يحسن أَن أكتب فِي شَيْء من هَذَا، وَهَذَا الشَّيْخ حَاضر.

فَقَالَ أَبُو الْحسن: فَأَنا أكتب بخطي عَنْك، إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ، فَإنَّك أَنْت الْوَزير، وكلنَا أعوانك وأتباعك، فسر بذلك ابْن مقلة جدا، وَصَارَت لَهُ عِنْد النَّاس جَمِيعًا منزلَة.

ودعا عَليّ بن عِيسَى بِثلث قرطاس، وَكتب فِيهِ، فِي الْحَال، بِغَيْر نُسْخَة، كتابا نسخته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، أعزّك الله، وَأطَال بقاك، وأكرمك، وَأتم نعْمَته عَلَيْك، وَزَاد فِي إحسانه إِلَيْك، قد عود الله أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، فِي تصاريف أَحْوَاله، ومعقبات أَعماله، وَعند الخطوب إِذا ألمت، والحوادث إِذا أظلت، أَن لَا يخليه من نظر يتيحه لَهُ، وَنعم يجددها عِنْده، ومنح يُضَاعِفهَا لَدَيْهِ، لما يعرفهُ من صفاء نِيَّته، وخلوص طويته، وَحسن سَرِيرَته، لسَائِر رَعيته، عَادَة فِي الصّلاح والإصلاح، هُوَ، ﷿، متممها، وموزع الشُّكْر عَلَيْهَا، وَكَانَ جمَاعَة من الْأَوْلِيَاء، وَجُمْهُور الرِّجَال والأصفياء، عدلوا عَن طَرِيق السَّلامَة، وزالوا عَن مَذْهَب الاسْتقَامَة، وحادوا مَا توالى عَلَيْهِم من النِّعْمَة، وَوصل إِلَيْهِم من الْإِحْسَان فِي طول الْمدَّة، وَحَملهمْ الْحِين المتاح لأمثالهم، وَمَا قرب الله من آجالهم، على الْخُرُوج عَن مَدِينَة السَّلَام، بِغَيْر تَدْبِير وَلَا نظام، والمطالبة بِمَا لَا يسْتَحقُّونَ من الأرزاق، على سَبِيل السطوة والاقتدار، غير مفكرين فِي ذميم الْمذَاهب، ووخيم العواقب، مترددين فِي بغيهم، متسكعين فِي جهلهم وغيهم، وأمير الْمُؤمنِينَ، أدام الله عزه، يعدهم بنظره الَّذِي لَا يخلفه، وَالعطَاء الَّذِي لَا يُؤَخِّرهُ، ويتوخاهم بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة، وينهاهم عَن الْأَفْعَال القبيحة الْمُنكرَة، وهم يأبون مَا يَدعُوهُم

إِلَيْهِ، ويسرفون فِي التحكم وَالْبَغي عَلَيْهِ، إِلَى أَن أداهم الْجَهْل والطغيان والتمرد والعصيان، إِلَى إحضارهم دَار المملكة من لقبوه بالخلافة يَوْمًا وَاحِدًا، ثمَّ صرف عَنْهَا، وأمير الْمُؤمنِينَ، أيده الله تَعَالَى، يعْمل فكره ورويته فِي حل نظامهم، وحسم مواد اجْتِمَاعهم، وتشتيت كلمتهم، وتفريق جَمَاعَتهمْ، حَتَّى يتَمَكَّن مِنْهُم تمَكنا يفت فِي أعضادهم، ويوهن من عنادهم، ثمَّ يعْفُو عَمَّن يرى الْعَفو عَنهُ، ويوقع الْقصاص على من يُوجب الْحق الْقصاص مِنْهُ، فَلم تكن إِلَّا وقْعَة من الوقعات، وَسَاعَة من السَّاعَات، حَتَّى أخلف الله آمالهم، وأكذب أطماعهم وبدد شملهم، وَخيَّب سَعْيهمْ، وأكبى زندهم، وانفضوا بعد أَن استلحم من كَانَ مضرما للفتنة، وملهبا للنائرة، وَعَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ، أيده الله، على البَاقِينَ بالصفح الشَّامِل والإنعام الْكَامِل، وتغمد هفوتهم، وأقال عثرتهم، وَأحسن صلتهم، واستأنف أفضل الْأَحْوَال بهم، وعادت الْأُمُور كَمَا كَانَت، وتكشفت الخطوب وزالت وخلصت النيات وصلحت، وهدأت الرّعية وسكنت، وَقد تكفل الله، ﷿، بنصر أَمِير الْمُؤمنِينَ، وتشييد أَرْكَان عزه، وَالله يحِق الْحق، وَيبْطل الْبَاطِل، وَلَو كره المجرمون، فأجر أعمالك، أعزّك الله، على أجمل مَا تجريها عَلَيْهِ، وَأحسن سيرتك فِيهَا، مُسْتَعْملا فِيهَا أجد الْجد، وأبلغ التشمير، حَتَّى تسهل صعابها، وتدر أحلابها، وتجري على أحسن مجاريها، وأجمل تأتيها، وَاحْذَرْ أَن ترخص لنَفسك فِي تَأْخِير الْحمل، فَتخرج إِلَى التَّأْنِيث والعذل، وبادر الْجَواب عَن هَذَا الْكتاب، لأعرضه على أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ،

فَإِنَّهُ يتوكفه، ويراعيه، ويتشوفه، وَالدُّعَاء لَهُ، وَكتب يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من الْمحرم سنة سبع عشرَة وَثَلَاث مائَة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.